التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

«تنقيح المخطوطة»: الرواية بلا حكاية والشخوص كتّاب أنفسهم

فاطمة الشيدي 
محمد الحارثي في «تنقيح المخطوطة»: الرواية بلا حكاية والشخوص كتّاب أنفسهم
القدس العربي

الرواية ليست حكاية متنامية الأحداث والشخوص، واضحة الحبكة والنهاية، ولا حتى حكايات عدة متداخلة ومشتبكة في مؤدى واحد، يحركها الروائي أو عبر انتقاء سارد عليم، بل هي حالة لغوية متصاعدة ومتداخلة ومتناقضة أحيانا كثيرة، وشخوص عدة ـ ليس عليهم أن يكونوا حقيقيين تماما ـ يسهمون في كتابة روايتهم بأنفسهم، فلا يكتفون بدور المتحرك السردي عبر لغة الراوي أو السارد، إنهم ذاتهم كتّاب الرواية ومحركو أحداثها باتجاهات فنية واجتماعية تخصهم، وهم بكل حمولاتهم الاجتماعية والثقافية والنفسية، وكل مرموزاتهم الفنية، أصابع وكلمات متمردة على النص والكاتب، بحيث لا تكتفي بدور المتفرج على الأحداث من بعيد، ولا تنصاع لحركة الكتابة من داخل النص، ولا لوعي وفكر الكاتب، ورؤاه البعيدة والقريبة، وحبكته الفنية التي يؤزّمها بين الفينة والأخرى، ويفرجها متى شاء، فقط. فهم ليسوا خاضعين للنسق الفني الروائي، ولا للإيقاع المتصاعد في متن الرواية، بناء على عصا الروائي التي يحرك بها رياح النص وأجواءه وفق فكرة داخلية جاء بها مسبقا لكتابة نص سردي، وربما تنامت وتغيرت ضمنيا مع نمو الشخوص وتحركات الأحداث، بل لهم كل الحرية في الكتابة والتغيير والمحو والتدوين متى ما أرادوا ذلك.
وبالتالي فالرواية صنعة فنية محكمة السبك، متفاعلة الأداء، تشبه لوحة سريالية تتمدد الألوان فيها، وتذهب في التناقض والالتباس، أو رقصة جماعية محكومة بالكل في أدائها وحركتها وفرديتها. هكذا يريد أن يقنعنا محمد الحارثي في روايته «تنقيح المخطوطة»، أو يضعنا في مواجهة الأمر برمته، في حالة قلب تامة لمعايير القراءة الداخلية لدى كل منا، تماما كما أحدث قلبا لمعايير الكتابة الروائية وقواعدها المعروفة سلفا، والمتفق عليها ضمنيا من قبل الكتاب والقراء، وبالتالي فهو يتركنا في ذهولنا حتى نهاية الرواية تقريبا، ووفق استعداد كل منا لتقبل رواية مختلفة، واستيعابه لتعددية الرواة في النص، فهو يقدم رواية مربكة في شخوصها وأحداثها وحبكاتها، ورواتها المتعددين والمتذبذين في الظهور والاختفاء، كسمفونية متعددة الآلات والعازفين والأصوات والحركات والسكنات، تعلو وتهبط ولكنها تمثل عملا واحدا يقنعك في النهاية بقيمته وفحواه.
فرواية «تنقيح» التي تبدأ بحكاية سلسة وواضحة حول الدكتور الجيولوجي، القارئ النهم الذي قرر بعد زمن من العمل الدؤوب والمميز، والذي حاز من خلاله على المال والتميز؛ أن يتقاعد ويتفرغ للقراءة، مدرجة (أي الرواية) تفاصيل حياته الدقيقة في العمل، وتميزه فيه بل والكثير من المعلومات العلمية الجادة والصارمة حتى لتصبح زائدة على السرد، كما تذكر حياته الشخصية التي توجت بزواج لم يدم طويلا نتيجة الاهتمام الكبير بالعمل، وطفلين، يذهب الولد في الاتجاه الديني، في حين تظل البنت «شمس» قريبة منه وقد تخصصت في الفنون التشكيلية، ومتسقة مع روح والدها القارئ والمختلف.
وهي حكاية طبيعية بكل ملامحها ورؤاها، وتفاصيلها الدقيقة التي لا تدخر الحياة لبطلها ما يمكن من الاحباطات والانكسارات لتلوّن به حياته، وتجعله يذهب في العزلة والانقطاع للقراءة والتأمل، وبالتالي فهو بؤرة أو أساس لعمل روائي طبيعي، حتى تظهر لنا شخصية أخرى هي شخصية الصيرفي الأصلع الذي وصلت له «المخطوطة اللغز» التي تحكي حياته بالكثير من التفاصيل الدقيقة، وببعض التغيير في المسميات والشخوص فقط. الصيرفي الذي يستغرب كيف سطا أحدهم على تفاصيل حياته الدقيقة، بكل هذه الرعونة والوقاحة، ويغضب لتجرؤه على ذلك، وخاصة على حلمه الغريب الذي يعتبره حالة خاصة، يحاول دائما كبته ومنعه من التحكم في حياته بعد أن ضاق به كثيرا، وأتعبه بما يكفي وأذهب نومه، ولم يعد يلذ له عيش ولا حياة حتى حبسه ذات يوم في علبة معدنية (والرواية هنا تستحضر فكرة الجني الذي حُبس في الخاتم أو في المصباح).
وبعد الغضب، ومن باب المكايدة للكاتب الأول الذي لا يعرفه، ولم يستطع التواصل معه بأية طريقة ممكنة، يقرر الصيرفي كتابة قصته الخاصة التي ربما ليس فيها الكثير من التشويق، ولكنه كأي إنسان عادي يعتقد أن في حياته دائما ما يستحق الاطلاع عليه، ومن هنا تبدأ لعبة الكتابة الغريبة التي أرادها الحارثي في «تنقيح المخطوطة».
ففي الجزء الأول للرواية «المخطوطة»، وفي أحد عشر فصلا، ستكون الكتابة أشبه بلعبة سردية، غريبة الأحداث والحبكة والنماء الروائي، ولن تكون على يد كاتب واحد، وستدخل بالقارئ في ممرات سرية قد لا تكون واضحة تماما، أو حتى منطقية جدا في بعض الأحيان، فيتعدد الرواة الذين يتصدون لإكمال هذه المخطوطة: الحلم، والتفاحة والمسمار، والشخص الخامس… ليخرج القارئ للرواية من هذا الجزء باضطراب وحالة من الارتباك العميق وكأنه غير مقتنع، أو قابض على فكرة أو حكاية، وربما أصابه الملل والضجر من ذلك، ليجد نفسه لاحقا في الجزء الثاني من الرواية، «التنقيح»، أمام حكاية أخرى تحتوي الحكايات السابقة معا، وتتحكم في مسارها بشكل أكثر دقة وشمولا: في مواجهة شخصية كاتب قصص معروف، وصديقه الناقد الذي يحاول أن يقنعه بضرورة كتابة رواية، وندرك أن الفصل الأول من الرواية هو كتابة الكاتب عن صديق له، والفصول المتبقية هي محاولات الناقد مساعدة صديقه في استكمال الرواية، عبر تسجيل وتدوين ما يقوله في جلسات العلاج النفسي، أو عبر التدخل المباشر والكتابة الفعلية في أحد الفصول، أو باختراع شخوص تسهم في تطور ونمو الرواية.
ورغم أن الرواية في الفصول الأولى تصيب المتلقي بالضجر والملل عبر محاولة فهم المضمون، وتتبع الأحداث، واستيعاب الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها، وملاحقة كتابة شخوص عدة يحاول كل منهم تحريك مسار الرواية في اتجاه حكايته الخاصة، أو بمحو وتحريف ما كتبه الآخرون، كما عليه أن يقتنع بكتابة بعض الأشخاص غير الحقيقيين، مثل تفاحة ـ التي هي «مغيبة» أو شخصية برزخية بين الحضور والغياب. وهي فكرة غيبية، ولكنها حاضرة بقوة في الثقافة العمانية، وهذه الشخصية الغريبة تتفاعل مع شخوص الرواية، بل ولها حياة خاصة، وعواطف بحيث تعشق وتتأثر وتتعاطف ـ إلا أن الجزء الثاني من الرواية حاول أن يستجمع الخيوط الفنية إلى بعضها، ويفسر كل الأحداث بصيغة واقعية. ذلك جعل الجانب الطبيعي والإنساني يطغى على التهويمات والخروجات على متن النص البعيد في أجزاء منه عن الحياة والمنطق الإنساني، مما يجعل القارئ يتقارب مع العمل بشكل أكثر تفاعلية، فيربط الأحداث بخيوط طبيعية بعد الكثير من التحليق، ويفهم الحكاية، ويتعاطف مع الكاتب الإنسان في عزلته، ومحاولاته الجادة للكتابة والحياة، ثم في الخاتمة يستحضر الحكاية كاملة، متفهما أفكاره وروحه ومرضه بالسرطان، ثم موته منتحرا بهدوء وسكينة.
فالكاتب الذي يعرف أنه مصاب بالسرطان، لا يجزع ولا يحزن بل يقترب من ابنته شمس، ويهديها السيارة التي كانت تحلم بها، ويقرّب بين تفاحة ومسمارها، بتزويجهما بمفتاحين من آلته الكاتبة «ت، م» كرمزية لاكتمال الحياة، واكتمال العمل، وربما في بعد آخر ليجعلنا ندرك أنهما كائنا لغة فقط، ولذا فهما يتزوجان ويعيشان في امتداد اللغة، وغموض الفكرة، ثم يسعى لينهي حياته بهدوء عبر شرب كمية مبالغ فيها من الأدوية، فيموت وحيدا في بيته كطائر عاش وحيدا ويحلق وحيدا، تاركا وصية لصديقه الناقد للاعتناء بابنته، ونشر مجموعته القصصية الأخيرة، وعدم نشر المخطوطة باسمه، بل باسم أي كاتب آخر ممن يتهافتون على الحضور والظهور حتى بادعاء الكتابة.
ويمكننا القول أن هذه الرواية مثقفة، بفتح القاف أو بكسرها، فهي تستحضر الفن التشكيلي والموسيقى والكتب بشكل عميق، بدءا من المكتبة بكل ما تحوي من كتب قيمة وأسماء أدبية، يبثها السارد وهو ينظر لرفوفها الزاخرة بالمعرفة والجمال، في حكاية الدكتور وحبيبته الفنزويلية التي ماتت قبل اكتمال مشروعهما الإنساني، إلى ما يلي ذلك من أسماء لكتب وكتّاب تتداعى عبر متن الرواية في أكثر من موضع.
كما تستدعي الرواية فكرة رسالة الغفران في الأبدية أو الحياة البرزخية، فالكاتب الذي كان على وشك الموت غرقا كما تمنى أسوة بمن يحب من كتّاب انتحروا بهذه الطريقة، لولا أن أنقذه نادل شاب في المنتجع السياحي بهمة عالية وعزيمة قوية، وقبل أن يعود للحياة جلس على مقهى الأبدية في الجنة أو البرزخ مع أعظم شعراء العالم ورواته في الفصل الذي روته تفاحة عنه، وتبادلوا الأحاديث ونخوب الحياة الأخرى.
كما تستدعي هذه الرواية، عبر تعدد الحكاية والحبكة والشخوص، رواية «ملاك الجحيم» لأرنستو ساباتو، الذي أجرى حواراته على لسان شخوص رواياته السابقة، ليجعل من روايته مجالا للتأملات الفلسفية التي يجريها بينهم وبينه، كأحد شخوص الرواية فقط، أكثر من كونها حكاية بكل مضامينها المتعارف عليها. فساباتو في روايته تلك، تحرر من سائدية الأعمال، ونمطية الحكاية والحياكة الروائية، وجاهزية الفكرة العامة، بابتكار شكل آخر، ربما بدا غريبا على ذائقة المتلقي ولكنه كان قادرا على تحميل الرواية الكثير من العمق في اللغة والمعنى والأفكار. وهذا تماما ما فعله الحارثي في «تنقيح المخطوطة».
.......................................................
محمد الحارثي: «تنقيح المخطوطة». دار الجمل، بيروت 2012. 342 ص.







تعليقات