فاطمة الشيدي
5 نوفمبر 2014
القدس العربي
ثمة شعراء يتشكل وعيك بهم مرة واحدة، باكرا وغزيرا، وتمضي بهم لاحقا كمرجعية جمالية باهظة وجارحة، لا تقبل المفاوضة على الجمال، أو المهادنة في العشق، وكلما قرأت لهم لاحقا تدرك حقا كم يستحقون ذلك الانتباه الأولي، وذلك الشغف المستمر!
وهذا تماما ماحدث معي، ومع سركون بولص (1944ـ2007)، الذي حلت ذكرى رحيله منذ أيام لتشعل في عشاقه، وعشاق الشعر، فداحة غياب شاعر مختلف في رهافته، وعمقه، ولذة انثيال الشعر من بين أصابعه، وعلى لسانه. قرأته وأنا على مقاعد الدرس في الجامعة، متنازعة الروح بين العلمي المؤطر بكتاب جامعي صارم الحدية، وذهنية أساتذة كان القديم أولى لهم في التقديم والشرح والحث على هضمه وتذوقه، هذا إذا لم يشكل الجديد شرا مستطيرا، يدفعهم ليتغافلوا عنه، كي لا يفتحوا أذهاننا عليه؛ وبين الجمالي الممتد من لا نقطة البداية، حتى لا نقطة النهاية. ولكنني تمددت وتماديت في الاتجاه الثاني الأقرب لروح شاعر ينمو زغبه بمهل، قرأت بولص ضمن من قرأت من أساطين الحداثة العربية ورموزها الخارجين على الثابت، والداعين للهدم كوسيلة للتشييد، وكم هالني ذلك الغنى في نصه، وصوره، وجماليات قصيدته حتى ليشْكُل على قادم من وعي مغاير وثقافة تقليدية كل ذلك العمق.
وفي مسقط عام 1995 وأنا أخطو نحو الكتابة مرتبكة بإثمها، وفهمها، في بدايات التشكل والتكوين، كان لعشاق الشعر حلم لقاء دافئٍ ومباشر مع بولص، ليلقي قصائده في أحضان مدينة مسكونة بالبحر، والتاريخ، والعشق، والشعر، لتكتمل الصورة داخلي حميمية وحقيقية كما ينبغي للشعر والشاعر معا، يومها كنت في ذهول تام حين صافحتْ عيناه مقلتيّ، وهو بكامل وسامته، وأناقته؛ التي تليق بفتى الشعر الأبهى، أو بأحد أجمل آلهته. يومها كنت أتمنى ـ كأي مراهقة بلهاء تدّعي أنها من فصيلة الشعراء ـ أن أمسك بيده، أو أن أحدّق طويلا في عينيه، وأخزّن ابتسامته في روحي ثم أهرب به نحو أقصى الشعر والحلم.
كان هو متجليا ألقا بالشعر، فارعا في سماواته وسموه، يدس حلما في كل كف تمتد لمصافحته، ووردة في كل قلب يخفق لكلماته، وكان بسيطا وعذبا وغائرا كطعنة حين يطلِقُ جملته الشعرية، وكأنه يحفر المعاني في قلب زهرة غاردينيا، أويرشّها بالملح لنتذوقها بشهية لا تقاوم. وكان غائبا أو غائما وهو يلقي نصوصه، وكأنه كان يحلق على مسافة من رؤوسنا، أو كان يعلو في مساحات مأهولة بطيوف آلهة قديمة تهبه الشعر، أنيقا كضحكته التي يهب لنا شطرها فقط، وتأخذه معها لمساحات بعيدة، وحزن ممتد في الشطر الآخر، وكأنه ما سار يوما على الأرض، بل ولد بجناحين يطير بهما بخفة طائر، يتجاوز الأشياء والكائنات والكلمات.
وحين رحل سنة 2007، شعرت بتلك الغصة التي تصيبني كلما رحل شاعر جميل، شعرت أن الأرض نقصت جمالا، وحبا وفرحا، وأنها أصبحت أكثر ثقلا، وأقل دورانا، وهواء، وماء، فكتبت نصا قصيرا لأبتلع حزني الكبير كمرثية أو وداع: «إذ ترحل الآن/ فكل الحزن الذي أعرف يقف على فقرات أصابعي، يأمرني بالبكاء، فأهرب مني إليك/ إلى نصك المخبوء في روحي/ أستحم بفيض صلاتي/ وأتطهّر ببروق عينيك التي انطفأت منذ زمن قصير!/ حزينة جدا أنا الآن لغيابك/ ولو كان للحزن ألوانا لأخترت أجملها إذ رحلت/ ولو كان لي صوت بهيج، لغنيت صلاة رفيعة لعينيك الماسيتين/ اللتين كانتا تلمعان كانعكاس نجمة في الفرات/ والآن هاهما ذابلتان كزهرتي لوتس، اقتلعتهما يد طفل عابث/ مغمضتين كآخر قبرين من ماء/ إذ رحلت/ أصبحت الموسيقى تغفو حتى آخر مداراتها الناهبة للذة/ والعصافير تقف على ساقٍ واحدة أسوة باللقالق/ والبحر يحقد على كل الذين يقذفون أنينهم في جوفه لأنه الأشد حزنا/ والصحراء أصبحت تسفح عفتها على بوابات المدن المخضبة بالغدر والغرباء/ والتاريخ أصبح يسفك دمهُ على مسافةٍ تقرض الحنين احتراقا، وتكفّن أجساد عشاق الشمس في توابيت باردة/ والليل يشعل حرائقه حدادا/ الصبح كفرَ بالضوء/ والموتى كفوا عن الموت/ والغرباء شربوا دم الأرصفة/ وثمل الشعر في دم الشعراء / والعراق صار يغتسل بمائه من مضاجعة الموت بين كل فجيعة وأخرى!».(1)
وحين تعاود ذكرى الرحيل لشاعر يشكل لبنة وعي شعري مؤسسة في قلبك النابض بخفقات الشعراء، وروحك المستأنسة بحنينهم، وبكائهم، شعراء في جهة واحدة من الحب والقلب، وزمن ممتد من الجمال إلى الجمال، شعراء يزيدهم الموت حضورا في دمك، وفي دم القصيدة؛ ليس عليك إلا أن تشعل شمعة، وأن تقرأ ما تيسر منهم، فهذا فقط ما يداوي الفقد، ويرفو المسافة بين الغياب والغياب، ويشعل تلك الظلمة المتوهجة في العالم المحيط بك، ويشغله بالكثير من الأسئلة عن إمكانية القصيدة في بث الحياة في الحياة، في زمن الموت المجاني، ونفخ الكثير من الحب في الأرواح العامرة بالكراهية، ونفث الجمال والبهاء كتميمة خرافية، لا تنتهي ولا تزول في الكون المتململ من رائحة الدم، والمستوحش من العبث واللاجدوى التي تهربها الأقلام والأصابع في يأس قاتل.
وها أقرأه في حضرته الغائبة، وغيابه الحاضر، بمحبة وعشق قديم متجدد، وأحتفي به، بصوره وأساليبه، بلغته وفكرته، أتشربه رويدا رويدا لأنجو من بلاغة الصمت، وأسلوبية الخطاب، وألتذ به بلا تحليل يقتنص صورة ثابتة أو متحركة، أو يقف على ظاهرة أسلوبية، أو يوضح رمزاً أو انحرافاً لغوياً. فكل قصيدة هي انحراف عن السائد، وخروج على المألوف، وتصاعد في الحركة والصورة، وحفر في العميق من المشاعر واللغة. أقرأه بحب واحتفاء فقط، وتعالق كلي مع جمال اللغة، وروح الشعر الحقيقي؛ الجدير بالخلود، والمستحق للقراءة كلما تشظت الروح، أو أجدب الكون، أو جفلت اللغة، أو حلت الذكرى.
أقرأه وأضع نفسي في نصه مباشرة، أتخذ صورة «المرأة الجانحة مع الريح» التي بحث عنها طويلا، ولعل فعل البحث ما زال مستمرا هناك في الغياب، حيث الشعر أكثر حضورا، وأغزر جرحا، وأعذب قيامة، أقرأ الشاعر من أعماقه، وأبحث معه عن صورة المرأة الإنسان التي لا تصنعها المساحيق، ولا يعتّم على حضورها الجهل والقتل والوأد المتكرر، عن تفاصيلها الحميمة في الطرقات، وبين البيوت، وفي المدن القديمة، عن رائحتها التي تستجلي رائحة الأمهات، والطفولة، والأرض، والوطن، والشعر والغياب معا:
«لو رأيتَها، تلك المرأة
الجانحةَ مع الريح
وفي عينيها علائمُ زوبعة قادمة
وشعرها، منذ الآن، ينتفش في دواماتها،
لا
تترددْ
وخبّرني، فهي قد تكون ضالتي
قد تكون من ذهبتُ أبحث عنها في القرى
والأرياف البعيدة
حالماً أن أجدها في زقاق
مقفر، ذات يوم، تحمل طفلا بين
ذراعيها أو تطل من نافذة
أو حتى أن أعرف أنها هي
في ثمّة صوت، في ثمة أغنيةٍ على
الراديو
أغنية تقول أشياء جميلة
عن الحزن
أو الهجرة
وقد لا تراها
سوى في جناحي فراشة
ترفرف لازقةً في قار الطريق
عينيها الملطختين بمكحلة التاريخ العابثة
نهديها المثقلين بأنداءِ حزن أمة
وفاكهتها اليتيمة
كبضعة أحجار في سلة
تعود بها من سوق أقفلت دكاكينُها تصفر في أخشابها الريح
على أطراف بلدة
ولدنا فيها، وحلمنا أحلامنا الصغيرة
ثم هجرناها».(2)
أقرأ سركون بولص الشاعر، «حامل الفانوس في ليل الذئاب» الشاعر الذي رغم غيابه يؤكد أنه ما زال «الأول والتالي»، الشاعر الذي يسكن منذ الأزل وحتى الآن «مدينة أين»، وغيرها من نصوص تستحق القراءة بخشوع الصلاة ورهبة الغياب، وأمد روحي كلها تحية له في الرحيل والذكرى.
.................................................
(1) كُتب هذا النصّ في يوم رحيل سركون بولص، وها ينشر في ذكرى رحيله.
(2) من قصيدة «المرأة الجانحة مع الريح»، مجموعة «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، 2008.
