التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

سلطة الأب العماني «رحيمة» أكثر من الأم.. وغياب سلطة «رجل الدين»

861298110869222
في محاضرة حول خطاب التمرد في الرواية النسائية الخليجية -
رغم تشابه النهايات.. العمانيات يعتبرنها «وخيمة» والسعوديات «بهيجة» -
كتب ـ عاصم الشيدي -
أثارت محاضرة الباحثة الأردنية الدكتورة امتنان الصمادي حول “خطاب التمرد في الرواية النسائية الخليجية”، في النادي الثقافي مساء أمس الأول، الكثير من الأسئلة والنقاشات خاصة من قبل الباحثات والأكاديميات اللآتي استأثرن بأغلب النقاش.
ورأت الصمادي في ورقتها أن الرواية الخليجية النسائية ساهمت بشكل جيد في كسر التابوهات، وقدمت “إدانة واضحة وصريحة لواقع المجتمع”، رغم الكثير من الاستهجان الذي واجهته الروائيات من المجتمع الذي اعتبر بعضه أن ذلك الأدب الذي كتبته المرأة ليس أكثر من “أدب فضائحي”.
واشتغلت الباحثة في ورقتها على خمس عشرة رواية لكاتبات من الخليج العربي هن: جوخة الحارثي وهدى حمد وزوينة خلفان وفاطمة الشيدي وبدرية الشحي من السلطنة إضافة إلى رجاء عالم وليلى العثمان وقماشة العليان وسمر المقرن وصبا الحرز ووردة الصولي وزينب حفني ومنيرة الفاضل وعدد من أعمال الكاتبات القطريات التي لم تسمهن.
ورغم أن روايات التمرد موجودة فيما يسمى بالأدب النسائي العربي بشكل عام إلا أن الباحثة رأت أن سبب اختيار عينة بحثها من الخليج العربي عائد بسبب البيئة المحافظة جدا في الخليج على خلاف ما قد تتمتع به بلدان أخرى من مساحات التحرر الذي تتمتع به المرأة.
ورأت الصمادي أن هذا خطاب التمرد لدى الروائيات السعوديات أكثر وضوحا من حيث العدد عنه في بقية دول الخليج فيما تأتي عمان في المرتبة الثانية. وفي الوقت الذي رأت فيه الباحثة أن بعض الروايات قد أخذ خطاب التمرد فيها مستوى كبيرا جدا اعتبره البعض أنه دخول في “الفضائحي” إلا أنها اعتبرت أن ما يكتب بوعي كبير من الكاتب لا بد أن نلتفت له ولا نهمله أو نتجاوزه مهما صدمت هذه الأعمال المجتمع. ورغم صدمة المجتمع من الكثير من الأعمال الروائية إلا أن سمة كسر التابو ظل يسيطر على أغلب الروايات النسائية الخليجية، وهو ما اوضحته بشكل جلي عينة البحث، وكانت الأعمال تحاول رصد علاقة المرأة بجسدها بشكل خاص. ومن خلال تلك العلاقة تنشأ الصدامات بين المرأة والرجل: الرجل الأب، والرجل الزوج، والعشيق، وكذلك المرأة والأم. لكن الباحثة عادت وأكدت أن ما اعتبره المجتمع صادما له ومتجاوزا حدوده لم يكن بالضرورة خروجا عن الجشمة، ولكنه كان خروجا عن مؤسسة الأهل ومؤسسة العادات والتقاليد. وفي هذا السياق استغربت الباحثة أن تخرج قاصة إماراتية لتخاطب المبدعات بالقول: على المبدعة أن تلتزم بأخلاقيات المهنة!!
كما رصدت الباحثة صدام المرأة مع المؤسسة الدينية، كما كان واضحا في الأعمال الروائية للكاتبات السعوديات، إلا أنها لم ترصد وجودا لهذا الصدام في الروايات العمانية إلا في عمل واحد للكاتبة فاطمة الشيدي.. وهو ما ردت عليه إحدى الأكاديميات العمانيات بأن “سلطة المجتمع في عمان أقوى من سلطة المؤسسة الدينية”.
وأوضحت الباحثة أن اسباب استهجان المجتمع لإبداع المرأة و”تمردها” عائد إلى توصيف مخل بالدرجة الأولى وإقصائي على صعيد الاعتراف بها ككاتبة وتسليعيا يحقق أرباحا كبيرة وشهرة سريعة إذا كان الناشر من يقف خلف ذلك.
وتناولت الورقة آراء العديد من المشتغلين بالأدب النسوي وادب المرأة الخليجية واستعرضت موقفهم من رسالة الأدب ودوره، وبينت مفهوم التجاوز وأثره على الذات الأنثوية المتجسد بالقطيعة أو النكوص والاستسلام، وحددت الورقة أنماط تمرد الأنثى على السلطة المجتمعية والدينية والأبوية وسلطة المكان والجسد. في سبيل تحقيق رغبتها في الانعتاق من واقعها نزوعا إلى التحرر المطلق المثير للقلق في عدد من الروايات النسائية الخليجية التي حققت حضورا لافتا في عالم الرواية العربية.
وحاولت الباحثة رصد أسباب “التمرد” في عينات دراستها والذي رأت أنه عائد في معظمه إلى نشدان الحرية لعلها تحقق للأنا الأنثى ما يعينها على العطاء المستحق دون رهاب السلطة البطريركية والعرفية وغيرها.
وحسب الباحثة فإنه علاوة على القضايا الكبرى التي عالجتها الرواية النسائية العمانية من قضايا المجتمع الطبقي والهوية والوطن والعادات التي تثقل كاهل الرواقع المعاصر فقد تفاوتت في تناولها لواقع المرأة متخذة مسارين أساسيين: مسار المرأة المتعلمة (القارئة والمثقفة) التي تستطيع أن تقرر لنفسها فترفض الزواج بالإكراه وتقرر الزواج بمن ترضاه لنفسها ومسار المرأة المسالمة/ المستسلمة لواقعها الراضية بمقومات حياتها التقليدية فلم تشكل عبئا على واقعها لأنها جزء من هذا الواقع. ومن اللافت أيضا أن الروائية العمانية عرفت منذ البداية التفريق بين الحاجة المادية والمعنوية ففصلت بين الروح والجسد وما الفصل سوى ردة فعل لتقول إنها هنا حية ترزق وتحتاج إلى من يفهم دورها خارج إطار السائد.
ورصدت الصمادي مفارقة في نظرة بطلات الروايات للنهاية التي وصلنا إليها ففي الوقت الذي كانت السعوديات “أعني بطلات الروايات السعودية” سعيدات بالنهاية التي وصلن إليها إلا ان العمانيات كن يعترفن بأن نهايتهن كانت وخيمة ومؤلمة. وفي مفارقة أخرى وجدت الباحثة أن سلطة الأدب في الرواية السعودية كانت سلطة مطلقة وقاسة، بل أن الباحثة وصفتها بأنها “ظالمة”، فيما بدا الأدب في الأعمال الروائية العمانية أكثر رحمة وأكثر حنانا وتعاطفا مع الفتاة حتى من أهمها التي كانت أكثر قسوة، بل أن الأدب ظهر مستسلما لسلطة الأم. لكنها عادت وقالت أن قسوة الأم في الروايات العمانية كانت بهدف تربوي، “دون أن تعرف أن هذا السلوك لا يكون ناجحا مع امرأة واعية بكل ما حولها”. لكن هذه الأم أيضا حسب الباحثة هي التي أوصلت إلى ابنتها فكرة أن جسدها “منطقة عار لا يجوز أن يرى الحياة”. على أن صورة الأم هذه وجدت استثناءات في بعض الأعمال التي بدت فيها الأم أكثر قربا من ابنتها.
وفي سياق آخر رصدت الباحثة في عينات بحثها أن المرأة لم تستخدم سلطة لسانها وعقلها أده للدفاع في مواجهة مجتمعها، أو حتى في التفكير ببناء ثورة مجتمعية، لكنها انحازت إلى الهجوم من خلال التمرد الذي أكثر ما يقلق الرجل من وجهة نظر الباحثة.
وفتحت الورقة الكثير من النقاش الذي بدأته الدكتورة شريفة اليحيائي بالقول أنها تمنت لو عمدت الباحثة إلى “قتل” المؤلفة خلال قراءتها للأعمال، معتبرة أن الأدب هو انعكاس للذات، ومستغربة في الوقت نفسه لماذا ينظر إلى ما تكتبه المرأة بأنه خادش فيما “نقتل” الرجل حينما نقرأ ما يكتبه ولا نتحدث عنه من زاوية أنه خادش، معطية في ذلك نماذج على روايات عمانية مثل رواية “بن سولع” للراحل علي المعمري، ورواية “الخشت” لمحمد بن سيف الرحبي. واستغربت اليحيائي لماذا غابت أعمال غالية آل سعيد رغم أنها تشتغل على نفس حالة التمرد.
ورأت الدكتورة عائشة الدرمكي أن كتابات الكويتية ليلى العثمان يمكن اعتبارها الأقوى من حيث التمرد والخروج على كل السلطات فلماذا تعتبر الكاتبة أن الروايات السعودية هي الأكثر، وهو ما عادت وردت عليه الباحثة بأنها ليلى العثمان وإن كانت صاحبة التمرد الأقوى إلا أنها تبقى واحدة في مقابل عشرات الروائيات السعوديات اللآتي يعلو لديهن خطاب التمرد.
وفي نفس السياق تحدثت الدكتورة عزيزة الطائي حينما رأت أن خطاب التمرد في الرواية العربية أقوى بكثير عنها لدى الكاتبات الخليجيات وهو ما نجده “والحديث للطائية” منذ أعمال لطيفة الزيات وليس نهاية عند نوال السعداوي وأحلام مستغانمي. وتواصلت بعد ذلك النقاشات التي دارت في نفس الفلك..
يشار إلى أن الدكتورة امتنان الصمادي تحمل الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والمعاصر، وقد عملت عضوا في هيئة التدريس بقسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية، كما عملت رئيسة تحرير مجلة “أقلام جديدة” الأدبية، الصادرة عن الجامعة الأردنية، ومساعدة عميد شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية، إلى جانب رئاستها لدائرة العلوم الإنسانية، مدرسة اليوبيل للموهوبين بالأردن.
نشرت الدكتورة تسعة بحوث علمية، موزعة بين التأليف الفردي والمشترك، في مجلات عربية محكّمة، وغير محكّمة.
كما صدر لها خمسة كتب: ثلاثة كتب مستقلة في مجال التخصص (الشعر والقصة)، وهي: زكريا تامر والقصة القصيرة” و” شعر سعدي يوسف دراسة تحليلية” و ” شعر فؤاد الخطيب في الثورة العربية الكبرى”، وكتابان تأليف مشترك وهما: ” فن الكتابة والتعبير” و”منازل النص”.
إلى جانب ذلك نشرت الصمادي العديد من المقالات الأدبية والنقدية والثقافية والقصص القصيرة في كتب ومِلاحق ثقافية ومجلات عربية مختلفة، وأشرفت على ما يزيد على تسع عشرة رسالة جامعية في مجالات الشعر والقصة والرواية، ولها حضور بارز في العديد من المؤتمرات والندوات والملتقيات الثقافية والعلمية العربية.
كما ساهمت في إعداد اختبارات تقويم شاملة لمنهاج اللغة العربية لمدارس دولة قطر ضمن فريق الخبراءETS، وترأست سلسلة ” ندوات الشهر” في مجلة أقلام جديدة، التي استضافت العديد من الأدباء العرب.
إضافة إلى ذلك أسست الدكتورة الصمادي المنبر الثقافي في الجامعة الأردنية، كما أسست جائزة ناصر الدين الأسد في الأدب، الجامعة الأردنية، وهي عضوة في العديد من المنظمات واللجان الثقافية والفكرية والأكاديمية على مستوى الوطن العربي.

تعليقات