التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

ثقافة الطفل العربي هي الحل

فاطمة الشيدي


يتساءل البعض اليوم في خضم التراجعات العربية عن السبيل الأمثل للذهاب نحو الغد بشكل أجمل إنسانيا وحضاريا، وليست هناك سوى إجابة واحدة لا تقبل الجدل أو الخلاف ألا وهي أن المستقبل هو الطفل.
فالطفل العربي الذي يعيش اليوم ـ للأسف- ظروفا أقل ما يقال عنها أنها قاسية أو غير إنسانية، قد تؤثر على مستقبله وعلى مستقبل المنطقة كلها بإنسانها وجغرافيتها وتاريخها- هو رغم كل ذلك السبيل الأوحد للخروج من أزمة الحاضر نحو غد أكثر جمالا، ولكن هذا بالطبع لن يحدث إلا بتعاون الجميع من منظمات ومؤسسات ومجتمعات وأفراد بالانتباه جيدا لمستقبل هذا الطفل وتوفير الجو المناسب للحياة الطبيعية من حيث الإمكانيات المادية والمعنوية؛ كالسقف والطعام، والأمان، وغيرها من الحاجات الأساسية، وذلك عبر منظومة شاملة تتضمن:
ـ تنمية الجوانب الفكرية أو العقلية: وتُعنى بالمعرفة، وطرق اكتسابها.
ـ تنمية الجوانب الروحية والنفسية: وتعني بترقية الحواس والمتعة والتسلية والفنون.
ـ الجوانب السلوكية والحياتية، وتعنى بطرق التعامل مع الناس في الحياة العامة، وأساليب الكلام، وجوانب التربية والرقي والتهذيب والذوق.
ولابد لتحقيق هذا الحلم _أي بناء إنسان مستقبلي متكامل_  من العمل في الاتجاهات الثلاثة معا، ومن خلال كل الجهات التي تخدمها محلياً أو عالمياً، بدءا من الأسرة التي ينبغي عليها تحمل الدور الأكبر في بناء وعي الطفل، وضمان إنسانيته وحمايته بأقصى ما تستطيع، ثم يأتي دور المؤسسات التعليمية بتنمية الجوانب العقلية؛ بشكل رسمي أو غير رسمي وبشكل فردي أو جمعي، ثم يأتي دور المجتمع بكل شرائحه ومؤسساته وأفراده لحمل هذه المسؤولية، كل حسب طاقته، وحسب الإمكانات المتاحة له، والأدوار المهيأ لها.
إن تكاتف جميع الجهات التي يقع على عاتقها مسئولية الاهتمام بالطفل العربي وقيامها بأدوارها على أكمل وجه هو السبيل الوحيد للخروج من أزمة الحاضر للغد الذي نحلم به. ولذا يجب أن تتكامل هذه الأدوار وألا تتنصل أي جهة من المسؤولية بحجة أنها غير معنية بهذا الدور بشكل مباشر، أو بحجة ضعف الإمكانات المتاحة، لأن الأمر يشكّل تحديا حقيقيا فعلا؛ فالكثير من الأسر دون مستوى ثقافة العصر، ودون مستوى الإمكانات المادية لمواكبتها، هذا إذا وجدت هذه الأسرة بشكل متكامل وطبيعي أصلا. كما أن العديد من المدارس لا تملك حتى مكتبة لتثقيف هذا الطفل، خاصة في مراحله الأولى التي يكون فيها بداية الإدراك لقيمة الكتاب ومعنى الثقافة. هذا ناهيك عن ثمة أطفال لا يجدون البيت أو المدرسة بفعل الفقر أو الحرب؛ لذا فإن مسئولية بناء وعي الطفل العربي مسئولية عامة تقع على عاتق الجميع من المؤسسات الثقافية والمكتبات، ودور الفنون كالمسرح والسينما، والإعلام بجميع برامجه وفضائياته والمثقف التنويري بدوره العميق، وكل ذي وعي ورسالة.
كما يجب وبالضرورة أن تكون هناك جهة وطنية مسؤولة مسئولية واضحة ومباشرة عن الطفل وبرامجه (وزارة أو لجنة أو هيئة)، بحيث تكون المظلة الأشمل التي ينبغي أن تستظل تحت فيئها كل برامج الطفل التي يحتاجها علميا وصحيا ومعرفيا.
إن تنمية الجوانب الروحية والحياتية وتعليم المهارات الأساسية للطفل تتضمن الاهتمام بتوفير الأنشطة والبرامج الداعمة والمثقِّفة له، لتقديم النماذج المحتذى بها باستقدامها من التاريخ أو من الحضارات الأخرى، لتمكين الوعي وتصحيح السلوكيات الخطأ نظريا وعمليا، ويدخل ذلك في أدب الطفل بكل أشكاله؛ المقروء (مجلات وكتب)، والمرئي والمسموع (برامج تلفزيونية، وإذاعية، ومسرحيات، وأفلام سينمائية) وكل مقتضى معرفي يمكن أن ينمي ثقافة السؤال لدى طفل هذا العصر الذي تلدغه الأجوبة، وتحاكمه الكونية، وتجلده المعرفة في تسارعاتها المرعبة، وتستلبه التقنية بكونها المتسع الأكبر الذي يختصر العالم في جهاز صغير.
كما يجب الانتباه أن تقدم كل برامج الأطفال العلمية والثقافية من قبل مختصين يمتلكون المعلومة والقدرات النفسية والعلمية التي تؤهلهم لمخاطبة الطفل، وإقناعه بأكثر الوسائل إثارة وبهجة، بحيث يكون هناك دائما من يساعده على فهم وشرح كل هذا التسارع في العالم، وتجاوز كل الاضطرابات والكبت والقهر في عالمه المحيط، وكيف يستطيع الموازنة بحرية ووعي بين كل الثنائيات التي تحتاج التوفيق بينها كالعلم والدين، والقيم والتقنية والحرية والمسؤولية وغيرها من ثنائيات الوجود التي تفرض نفسها كثيرا وعميقا في هذا العصر. وتنمية وعيه عبر ثقافة السؤال وعدم الاعتماد على الأجوبة الجاهزة؛ لبناء جيل قادر على وضع علامات استفهام والبحث لها عن إجابات تخصه وحده، ليست إجابات قطعية وجاهزة أو متوارثة، لأن أجوبته ستختلف بالضرورة عن أجوبة آبائه وأجداده، وعن أجوبة الآخر القريب أو البعيد.
إن صناعة الغد هي في بناء إنسانه وتزويده بكل المهارات والوعي والثقافة التي تمكنه من الذهاب للمستقبل، وتغيير هذا الواقع المرعب الذي نعيشه (جهلا وفقرا وقيدا) لواقع أجمل وأكثر اتزانا وحرية وجمالا، وهو التحدي العربي الكبير والجدير بخوضه من قبل كل من يستطيع، وكل من يعتقد بإمكانية التغيير، وضرورة الحلم فردا كان أو مؤسسة في كل بقعة من الوطن العربي الكبير.