التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

نثارات الفرح

جريدة  عمان - ملحق شرفات 
الثلاثاء 19 - 8- 2014
فاطمة الشيدي 


1.
المرأة والرجل الأكثر خفة من قطين مشردين
تبادلا النظرة الطويلة الساهمة عبر رصيفين متقابلين ذات سغب للحب
أو طائرين غريبين التقيا صدفة في جزيرة مجهولة
فأرخى كل منهما جناحيه المتعبين لفكرة الوطن
الرجل والمرأة اللذان جاءا لهذه الحياة من طريق معتم وبعيد
وعاشا في زاوية خلفية للمشهد الكبير على ضوء شمعة وألم
كانا يكبران في الظل
رافضين حدود الترسيم الباهت للسائد
أو فجاجة الغفلة الناعمة
مؤمنين بالجوهري والمعتم والأصيل من الجراح
والموغل والعميق من الجذور
صامتين عبر الحياة حتى اليباس
ضامئين في خدور الغيم حتى العطش
متوارين في العتمة المورقة
يكنزان الأحلام ويربيان الوجد
ويشفّعان الكتب والأغنيات في لسعات الحنين والوجد
ويهربان قلبيهما المتعبين في رواية أو فيلم
ويقفزان فوق النتوءات
يختبران الأشواك والعواصف
ويرتقان ثقوب الشراع من الصدمات، واللهفة العابرة
الرجل والمرأة (المذكوران أعلاه)
أصبحا يتورطان كل يوم أكثر في شراك التفاصيل الصغيرة
التي تقيدهما لبعضهما وللحياة بشكل مربك
فأصبحا يضحكان بلا سبب مقنع تماما كلما التقيا
ويصمتان حيث ينبغي الكلام
ويثرثران في مناطق هشة ودافئة ربما تعاليا عليها زمنا
بل لقد نفخ كل منهما منطاده القديم عائدا
ملوحا للغيم (على الأرض ما يستحق الحياة)!
2.
أيها الفرح المستأنف صلاته عند ما تبقى من حنين المشارق والجهات
الذاهب -ما حلا للهفة- في تراتيل البهجة والأمل
وفي شهوة التفاصيل الصغيرة والكثيرة
وفي ارتدادات الصدى بين الخيبة والرجاء
وفي المدى
ها أترك لك باب العمر مفتوحا
ادخل على أطراف أصابعك
كلص محترف سيسرق براعم الأحلام الصغيرة
ويخبئها في حدائق قلبه ليورق بالروح والريحان
وبالندى
لا تحدث الكثير من الضجيج كي لا توقظ أحلام الموتى الغافية عند مدخل العمر
ولا تجمع الأصداف اللامعة في الممر الضيق
فهي تستحضر رائحة البحر لتضيء لقلبينا عتمة الاقتراب
ولا تتلفت كثيرا
سترشدك الموسيقى لما يجب أن تحمله معك بخفة
وستغمز لك اللوحة الجدارية الضاجة بالحياة
عما خلفته الحياة من ندوب في القلب الذي تسعى إليه
امسح عليها كما يفعل نبي أو قديس على رأس يتيم
وابتسم كساحر يخرج من أكمامه سحابات الفرح ومن قبعته أرانب الدهشة
لا تتمسح في الزوايا
فالتقديس لا يليق بالمجانين ولا بنساء المرايا والوهم
فقط استبح المزامير والزبر وغنِ
واحمل ألواحك للبحر
وأكتب بملحه ما يحلو لك على وجه السماء
وابحث في زرقته عن تلك اليد الوحيدة
ستجدها ممدودة على اتساع الشغف
وعلى مد الجنون
خذها إليك بحنان جدة تعطي الحب بلا مقابل
وحينها ستفتح هي لك المزاليج المغلقة
وتدلك على كنزها المخبوء
هناك ستعثر على أمشاط شهرزاد وعلى بقايا الحكايات على فمها
وعلى تفاصيل لم يذكرها الرواة في المتون المدهشة
وعلى ما تسرب من غناءات الجواري في المدى الممتد بين شفتين وقبلة
وعلى رائحة العطر المعتق في قوارير اللهفة
وعلى خمر العشق و(طيب العناق على الهوى)
ضم كنزك لقلبك وارفُ شقوقه الكثيرة
ليعود أبيض أبيض
سعيدا لم يمسسه سوء
 

تعليقات