فاطمة الشيدي
جريدة عمان - شرفات
15 أغسطس 2014
"ليست غزة أجمل المدن
ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية
وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض
وليست غزة أغنى المدن
وليست أرقى المدن وليست أكبر المدن، ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحا في عيون الأعداء، وفقرا وبؤسا وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب"
هكذا يقول محمود درويش - الذي تأتي ذكرى رحيله هذا العام (9/8)- وغزة كما كتب عنها وأكثر، وشعره روح كل انتفاضه، وقوة كل صرخة، ومصدر كل تحدي ومقاومة.
ويقول ل قصيدة: عاشق من فلسطين ـ لمحمود درويش
"عيونِك شوكةٌ في القلب
توجعني… وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع… أغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ...
ويجعل حاضري غدُها"
غَزَّ غَزَزْتُ ، يَغُزّ ، اغْزُزْ / غُزَّ ، غَزًّا ، فهو غازّ ، والمفعول مَغْزوز:
• غزَّ الثوبَ أو الجسمَ بالإبرةِ ونحوِها وخَزه وَخْزًا « غزَّ يدَ صديقِه بالإبرة (الوسيط)
- غزَّ سيفًا في عدوِّه « أي طعنه (معجم اللغة العربية المعاصر) .
وهل «غزة» اليوم إلا طعنة في القلب العربي، والضمير الإنساني ؟!
فغزة دائما ومع كل انتفاضة تعيدنا إلينا، لقضيتنا، لإسلامنا وعروبتنا، لتاريخنا وجذورنا، وهي تفعل ذلك الآن بقوة -وسط هذه المعمعة من اللافهم والاختلاف حتى على ما كان لا يجب الاختلاف عليه وهو الله والإنسان والوطن.
لقد جعلت قلوبنا -من الماء للماء- تخفق معها بل تغلي وتحترق، وتتحفز وتتابع وتدعو لها بالنصرة كأضعف الإيمان الذي يستطيعه الفرد العربي المسلم، لقد أيقظت الإيمان الحقيقي المغروس في قلوبنا بقيمة الوطن الكبير، وجددت إيماننا بقضية الحق والعدل الواضحة تماما بلا خلاف ولا اختلاف حولها وبلا رتباكات و تعدد زوايا الرؤية.
بل لقد جددت قيمة صيامنا هذا العام، وجعلتنا نشعر بروح الإيمان الحقيقي التي تجمعنا في رمضان بعد أن كنا نمارس الأشياء برتابة لا عمق فيها، وصرنا مع كل قطرة دم ومع كل صرخة ومع كل خفقة قلب نشعر بأننا منها وفيها ولها، فتلهج أرواحنا مع البشر والحجر هناك «الله أكبر» .
فحين يقتل أخوتنا في غزة باسم دين آخر، وبتفويض دموي قاتل من عقيدة أخرى لشعب يرى نفسه «شعب الله المختار» بعد أن احتلوا أرضهم وسرقوا أمانهم ومستقبلهم؛ علينا أن نكون مسلمين وفقط .
وأي حديث عن أي مراجعات للفكري الديني وما أنتجته الحالة الإسلامية «خارج المنهج الإسلامي الصحيح» من تخلف وبشاعة، وكل ما يدور من لغط وربما جنون لا يقبله أي عقل أو وعي، «يأتي فيما بعد»، وخارج غزة وفلسطين تماما؛ لأن غزة هي «المقاومة» لشعب محتل يقتل كل يوم بتعدد الأساليب بين حصار وتهجير وهدم منازل وغيرها، وأبسط أنواع المؤازرة بالقلب والمشاركة باستشعار حالهم، أما الحديث عن الإسلام السياسي وفظائعه التي لا ينكرها ذو عقل فلا ينبغي الزج به وغزة تقتل من عدو محتل. فالأمر بساطة أن فلسطين محتلة والمقاومة فيها من كل الفصائل فعل حياة واستمرار.
لو كان المسلمون يدا واحدة وقلبا واحد بالمال والعتاد والمواقف السياسية والوطنية مع فلسطين الجريحة؛ لكانت هذه الهبة الباسلة من غزة كفيلة بتحرير الأقصى وطرد بني صهيون الجبناء حتى آخر جندي من اﻷرض الطاهرة.
فقد اجتمعت لها كل مسببات النصر من رمضان شهر الصيام والرحمات حتى تلاقي خفقات قلوب المسلمين في كل مكان ووعي الشباب بالعدو الأول، ووقوف العالم كله اليوم معها فقد أصبح يعرف أصحاب الأرض ويدين هذا العدوان الغاشم متحررا من طنين كذب الساسة والملمعين وأصحاب رؤوس اﻷموال.
ولكن الطريق إلى غزة محاصر بعجزنا وضعفنا، وموصولا بداعش وأشباهها من المدعين الذين يعيثون في الأرض والعباد فسادا وظلما ويتجاهلون فلسطين التي تعري انحرافهم عن الدين وبعدهم عن الله والوطن.
ياغزة :
دمعة واحدة نغرق فيها جميعا من المحيط للخليج
سكين واحدة تذبحنا جميعا من الوريد للوريد
صرخة واحدة تشق أرواحنا ونشفق منها معا
ولكن لا عزاء لك أو لنا
ياغزة
خذينا إليك
اجعلينا جرحا بين جراح أطفالك
ملحا للتاريخ الأسود
كفنا من ماء
صرخة في وجه الصمت العربي
ذاكرة من دم وتراب
حدثينا أحاديثك الراعفة بالعزة
وقصي علينا بعض القصص عما يستعصي على الفهم الآن
اجمعينا ضوءا بين رموشك
حزنا للزعتر والزيتون
صلاة للبرتقال وللبحر
قصائد من عصبية رعناء
وجهل غض أمرد
اجعلينا كلمات بلا معنى
تقول بعض الأشياء عن العروبة والدين
أضيفي لنا ما تجاسر من المعاني على القواميس كالكرامة والشرف
رددي علينا بعض الحماقات عن الوطن الأوحد والحلم الأبعد
دعينا ننام في حضنك الدامي لنحلم بالحرية
قدمي لنا دروسا حية عن القومية والعدل
اجعلي قلوبنا الممزقة بالغصة واليأس خرقا واهية
ترتقي بها ثقوبك الواسعة
أو اجعليها مناديل لدموعك
أو قبورا لشهدائك
كورينا في رحمك النازف أجنّة منتمية للرب والأرض
اجمعينا في يدك المتشققة كومة حجارة أو حفنة رصاص
أو حتى خبزا أسمر يأكله الشهداء على عجل
حررينا من العجز الذي يكبلنا
ادرئي ولو قليلا هذا الخزي الذي ينزف في أعماقنا
وابتسمي لنا بإعياء من خلف صوت الموت
وأحاديث الفناء
وغضي الطرف عن النظر في وجوهنا
كي لا تبصري الرعب والخجل القادم من وراء الشمس
ولا تسألينا من نكون
نحن أبناء التاريخ السذج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللغة الخضراء
نحن العزل إلا من قلوبنا ودموعنا
وإيماننا بالخير والحق وبالإنسان
15 أغسطس 2014
"ليست غزة أجمل المدن
ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية
وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض
وليست غزة أغنى المدن
وليست أرقى المدن وليست أكبر المدن، ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحا في عيون الأعداء، وفقرا وبؤسا وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب"
هكذا يقول محمود درويش - الذي تأتي ذكرى رحيله هذا العام (9/8)- وغزة كما كتب عنها وأكثر، وشعره روح كل انتفاضه، وقوة كل صرخة، ومصدر كل تحدي ومقاومة.
ويقول ل قصيدة: عاشق من فلسطين ـ لمحمود درويش
"عيونِك شوكةٌ في القلب
توجعني… وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع… أغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ...
ويجعل حاضري غدُها"
غَزَّ غَزَزْتُ ، يَغُزّ ، اغْزُزْ / غُزَّ ، غَزًّا ، فهو غازّ ، والمفعول مَغْزوز:
• غزَّ الثوبَ أو الجسمَ بالإبرةِ ونحوِها وخَزه وَخْزًا « غزَّ يدَ صديقِه بالإبرة (الوسيط)
- غزَّ سيفًا في عدوِّه « أي طعنه (معجم اللغة العربية المعاصر) .
وهل «غزة» اليوم إلا طعنة في القلب العربي، والضمير الإنساني ؟!
فغزة دائما ومع كل انتفاضة تعيدنا إلينا، لقضيتنا، لإسلامنا وعروبتنا، لتاريخنا وجذورنا، وهي تفعل ذلك الآن بقوة -وسط هذه المعمعة من اللافهم والاختلاف حتى على ما كان لا يجب الاختلاف عليه وهو الله والإنسان والوطن.
لقد جعلت قلوبنا -من الماء للماء- تخفق معها بل تغلي وتحترق، وتتحفز وتتابع وتدعو لها بالنصرة كأضعف الإيمان الذي يستطيعه الفرد العربي المسلم، لقد أيقظت الإيمان الحقيقي المغروس في قلوبنا بقيمة الوطن الكبير، وجددت إيماننا بقضية الحق والعدل الواضحة تماما بلا خلاف ولا اختلاف حولها وبلا رتباكات و تعدد زوايا الرؤية.
بل لقد جددت قيمة صيامنا هذا العام، وجعلتنا نشعر بروح الإيمان الحقيقي التي تجمعنا في رمضان بعد أن كنا نمارس الأشياء برتابة لا عمق فيها، وصرنا مع كل قطرة دم ومع كل صرخة ومع كل خفقة قلب نشعر بأننا منها وفيها ولها، فتلهج أرواحنا مع البشر والحجر هناك «الله أكبر» .
فحين يقتل أخوتنا في غزة باسم دين آخر، وبتفويض دموي قاتل من عقيدة أخرى لشعب يرى نفسه «شعب الله المختار» بعد أن احتلوا أرضهم وسرقوا أمانهم ومستقبلهم؛ علينا أن نكون مسلمين وفقط .
وأي حديث عن أي مراجعات للفكري الديني وما أنتجته الحالة الإسلامية «خارج المنهج الإسلامي الصحيح» من تخلف وبشاعة، وكل ما يدور من لغط وربما جنون لا يقبله أي عقل أو وعي، «يأتي فيما بعد»، وخارج غزة وفلسطين تماما؛ لأن غزة هي «المقاومة» لشعب محتل يقتل كل يوم بتعدد الأساليب بين حصار وتهجير وهدم منازل وغيرها، وأبسط أنواع المؤازرة بالقلب والمشاركة باستشعار حالهم، أما الحديث عن الإسلام السياسي وفظائعه التي لا ينكرها ذو عقل فلا ينبغي الزج به وغزة تقتل من عدو محتل. فالأمر بساطة أن فلسطين محتلة والمقاومة فيها من كل الفصائل فعل حياة واستمرار.
لو كان المسلمون يدا واحدة وقلبا واحد بالمال والعتاد والمواقف السياسية والوطنية مع فلسطين الجريحة؛ لكانت هذه الهبة الباسلة من غزة كفيلة بتحرير الأقصى وطرد بني صهيون الجبناء حتى آخر جندي من اﻷرض الطاهرة.
فقد اجتمعت لها كل مسببات النصر من رمضان شهر الصيام والرحمات حتى تلاقي خفقات قلوب المسلمين في كل مكان ووعي الشباب بالعدو الأول، ووقوف العالم كله اليوم معها فقد أصبح يعرف أصحاب الأرض ويدين هذا العدوان الغاشم متحررا من طنين كذب الساسة والملمعين وأصحاب رؤوس اﻷموال.
ولكن الطريق إلى غزة محاصر بعجزنا وضعفنا، وموصولا بداعش وأشباهها من المدعين الذين يعيثون في الأرض والعباد فسادا وظلما ويتجاهلون فلسطين التي تعري انحرافهم عن الدين وبعدهم عن الله والوطن.
ياغزة :
دمعة واحدة نغرق فيها جميعا من المحيط للخليج
سكين واحدة تذبحنا جميعا من الوريد للوريد
صرخة واحدة تشق أرواحنا ونشفق منها معا
ولكن لا عزاء لك أو لنا
ياغزة
خذينا إليك
اجعلينا جرحا بين جراح أطفالك
ملحا للتاريخ الأسود
كفنا من ماء
صرخة في وجه الصمت العربي
ذاكرة من دم وتراب
حدثينا أحاديثك الراعفة بالعزة
وقصي علينا بعض القصص عما يستعصي على الفهم الآن
اجمعينا ضوءا بين رموشك
حزنا للزعتر والزيتون
صلاة للبرتقال وللبحر
قصائد من عصبية رعناء
وجهل غض أمرد
اجعلينا كلمات بلا معنى
تقول بعض الأشياء عن العروبة والدين
أضيفي لنا ما تجاسر من المعاني على القواميس كالكرامة والشرف
رددي علينا بعض الحماقات عن الوطن الأوحد والحلم الأبعد
دعينا ننام في حضنك الدامي لنحلم بالحرية
قدمي لنا دروسا حية عن القومية والعدل
اجعلي قلوبنا الممزقة بالغصة واليأس خرقا واهية
ترتقي بها ثقوبك الواسعة
أو اجعليها مناديل لدموعك
أو قبورا لشهدائك
كورينا في رحمك النازف أجنّة منتمية للرب والأرض
اجمعينا في يدك المتشققة كومة حجارة أو حفنة رصاص
أو حتى خبزا أسمر يأكله الشهداء على عجل
حررينا من العجز الذي يكبلنا
ادرئي ولو قليلا هذا الخزي الذي ينزف في أعماقنا
وابتسمي لنا بإعياء من خلف صوت الموت
وأحاديث الفناء
وغضي الطرف عن النظر في وجوهنا
كي لا تبصري الرعب والخجل القادم من وراء الشمس
ولا تسألينا من نكون
نحن أبناء التاريخ السذج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللغة الخضراء
نحن العزل إلا من قلوبنا ودموعنا
وإيماننا بالخير والحق وبالإنسان