التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

تراتيل سيدة الحزن والجراح في مجموعة «على الماء أكتب» لفاطمة الشيدي

 جريدة عمان - ملحق شرفات

هاشم الشامسي
لا يمكن أن نفصل حالة الحزن التي تغمر الإنسان عن حالة الوجود والكون الذي يعيشه، مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة، والحزن الذي يحمله الإنسان ناتج عن حالة التشظي التي يمر بها منذ الولادة وحتى الموت مهما اختلفت الحالة المسببة له، وأن حالة الفقد والفجيعة التي تحملها الروح هي أساس هذا الألم الدفين والجرح البعيد الذي يرافق الإنسان. ذلك أن الواقع الذي يتشظى كل يوم يغرس حالة من الصمت والفقد في الروح، ويرسم جانباً كبيراً من سلوك الإنسان وتفكيره.
إن الجرح الذي يرتسم في ذاكرة الشاعرة يحمل دلالة مأساوية غائرة في قلبها الحزين، وأن علاقة الشاعرة في البحث عن الحرية والعدالة المفقودة تعمل على تحديد نمط حياتها ووعيها وتفكيرها السياسي والاجتماعي، فكل شيء يتماهى في هذا الغياب.
هكذا تأخذنا الشاعرة فاطمة الشيدية في مجموعتها الشعرية (على الماء أكتب) الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت عام 2014م.
المجموعة تقع في ثلاثة أبواب، الباب الأول (نفاف القلب) ويحمل عدد ثماني قصائد، أما الباب الثاني (مسوَّدات الغرق) فحمل عدد ستة قصائد، أما الباب الأخير «من الماء إلى الماء) فحمل إحدى عشرة قصيدة.
إن ثيمات مثل الحزن والجرح والتمرد تكتسي بها مجمل قصائد المجموعة الشعرية وإن توزعت أدوارها في الأبواب الثلاثة المذكورة، ذلك أن الحزن الذي تحمله الشاعرة والجرح الدفين ما هو إلا انعكاس للحرية المكلومة في صدرها، وتحمله تراتيل أحرفها المتمردة والمضمخة بالجراح والدم والدموع الحمراء وهي تتكئ على حواف الحزن كي يغتسل القلب من إثم الكلام.
تحمل الشاعرة حزناً لا تحده مسافة أو زمن، فهي تقول (كلما تحسسنا قلوبنا اشتعل الحزن؟) ص 23. الحزن كامن في قلب الشاعرة وذاكرتها، وكما تقول (وسأدفنُ القلب في دمعة كبيرة كي يغفو وحيداً) ص 16.
الدمع، اليتم، النزف، الدم، القبر، الغياب، الحنين، الفقد، العتمة، الموت، وغيرها من المفردات الدالة على الحزن والجراح، هي كامنة في روح وجسد الشاعرة، وترشح في دمها فتقول (ومن يسوي بيني وبين كل هذا الحزن الذي يرشح في دمي) ص 24.
إنه الوجع الرهيف الخطى الذي تحاول الشاعرة أن تجد له خيوطاً من الغيم تصعد به سلماً كي تجد سماءً أخرى أو فرح آخر تغتسل به بعيداً عن رائحة الخيانات والفقد، فهي تحمل نداءً مغسولاً بالدمع والحنين، ترتل أغنيات برائحة السلام، لعلها تفوز بقليل من البهجة، أو بحميمية الروح.
في قصيدة تعويذة حمراء تتصاعد نبرة الاستياء والحزن، فهي كما تراه (في الدمع المولع بالجمر والنار المستعرة في الصدر) ص 37، أو (في رائحة الدم والندم) ص 38، (في الصمت الحاد، والنشيج المكتوم) ص 38، وفي (العين المغرورقة بالماء والشجن) ص 40.
في الباب الثاني (مسودات الغرق) تتصاعد نبرة التمرد، فهي لا تأمن حتى من الضوء الذي يرعبُ رأسها، وكل الضجيج الذي يدق طبولَ العواء في داخلها تستقيظ كائناتُ الفجيعة في دمها، تبحث عن هواء لصدرها.
(أصرخ لألملم صوتي المزدرد في حباله لأطلقه بحجم صرخة تغرقُ الكون في ضجيج لا يفنى) ص 60.
لكنها تبقى أسيرة لحزنها وجراحها، ترتل صلوات اليتم والوله والتهجد،
(وحزني الذي أطمئنّ إليه كوجه حبيب بعيد أو أيقونة للصلاة) ص 70.
إنها تحمل ذاكرة مليئة بالوحدة الداخلية والمرايا المعتمة بالدموع، ودم مليء بعواء الليل والوهن ووحشة مكتنزة بالحنين والصمت، أنوثة تبحث عن فجر يغسل القلب كي يسكنه وطن، تبحث عن شراع تعبر به عند اكتمال القمر، عن رائحة اللبان الصاعد من شرفات الحروف وعن آخر يلوح عند بحر عُمان بنص آخر.
تحاول الشاعرة في قصيدة تفاصيل العطش ص 75، أن تتمرد على قيد السجَّان الذي فرضه على الأنثى طوال آلاف السنوات حيث ظلت حبيسة أسواره ورغباته ومحرماته، تحاول أن تخلع قلادات الأسر التي كانت تمثل لها ذاكرة التبعية والنقص، تحاول أن تقول إنها ولدت حرة من رحم أمها، وأنها ملك نفسها وجسدها وضحكتها وعقلها وحبها، فهي كلها لها، رقصتها، نايها، وحتى الهواء الذي يغازل ستائرها، كل التفاصيل لها، تتأبط حريتها حين تهمّ بالخروج. إنها صرخة تطلقها لتعم الكون، لترفع صوتها بالغناء وتعانق البحر وتلتحف الصمت.
في الباب الثالث (من الماء إلى الماء) تأخذنا فاطمة الشيدية إلى أغنية الماء الحزينة، تفتش عن أصوات لها رنين الطفولة، تزهر أشجاراً في قلبها، لعل ثمرها مذاقاً لحبيب قادم، تفتش عن أوطان تسكن الشمس حرة، تحلم بضحكات لا تهرم وحب لا يفنى، تحاول أن تسمو وتجمل جراحها وذاكرتها وغربتها بحنين أكثر بهجة وألقاً.
تمضي الشاعرة وهي ترسم لها أصالة أكثر جمالاً وبعداً، تشق طريقاً مغايراً كي تصنع حلماً يلامس سماء العزة والكرامة، بصمت الوجع والحزن، امرأة تمقت مجتمع النقص والقصور وذاكرة القبيلة والمرأة المطيعة الزاهدة أنثى الببغاوات.
(كل شيء في حياة أنثى الشرق يؤثثُ الروح بالخراب).
ومتى نفيق من هذا الرقاد الطويل؟ ص 108.
إنها امرأة الأسئلة العصية، امرأة الماء، تكتب على دموع أحزانها وجراحها والغيوم المتجمعة عند مدخل قلبها، وهي تهطل بحروف الدمع الغاصة بالحنين، تحمل بوصلة الفقد بذاكرة ملبّدة بالهزائم والأحلام المستباحة. امرأة الصمت المنسل من مكابدات الأزمنة، الموارب خلف بوابات العجز والدموع والبكاءات المغلّفة بصمت يدق بمطرقته الطويلة رؤوس الصباحات والمساءات، الصمت المطوَّق للخيانات والانكسارات والعثرات.
(في صميم كل هذا الصمت
يتعثّرُ الوقت
يشتعلُ الموت
يبتسمُ المدى
وتتكاثرُ الأسئلة!) ص 116.
يبقى الحزن هو ثغرةُ الكلام والنداء إلى الحياة التي نقع في براثن غيابها وفقدها وأسفارها المرتعشة بالحنين، الحياة التي تغادرنا بقلوب غاصة بالنحيب والبوح المبلل بماء الحزن. الحزن هو أغنية لنداء الأم التي تمنحنا قيثارة الأخيلة ونايات العشق والمساءات الممطرة، الحزن الذي يصعد بنا نحو السماء بغيوم كحدقات عيون الأطفال، كرعشات الماء المملوء بكؤوس العاشقين، بالجراح المشتعلة ببراثن الغياب. إنها هذا النداء:
(يا قرابين الرؤيا العمياء
يا حدقات الغيم الواسعة كدهشة الأطفال أمام الجوع
يا رائحة الانكسارات المتسامق كنخلةٍ في الصحراء
يا شهيق الليل المدلهم
المتألهِ بالرهبة والشعر
حتى القصيدة وحتى البوح) ص 122.
تحمل الشاعرة شموعاً دامعة، إنها فنتازيا الدماء المضمخة بالمجازر والمقابر والملاحم، هكذا تلوح بنواح الحتف لشهداء الربيع العربي المبلل بالعرق والضحك والبكاء، إنه كما تقول:
(وسياط الليل تجلد اللحم النيئ
ورائحة العفن تكنس روائح الياسمين
في البلدة الخضراء) ص 132.
إنها تراتيل عشق الماء الصاعدة من خفقة القلب إلى حدود المسافات لتوقظ المصابيح من غفلتها، إنها صرخة طفل منكسرة في وجه العدالة الناقصة، عن لعنة الحدب من تائه في رحاب البسيطة، عن صلوات تسأل الرب عن رغيف من منجل يدمي وجه الشمس.
هكذا تحمل الشاعرة تراتيل أحزانها بعيون مفتوحة، وحناجر ملؤها الصراخ نحو الحرية، وكلما تعددت الطرق ضاقت المسافات بالعتمة، لم يتبق غير نهار كالح محبط بالهزائم والخيبات والحرية المغسولة بالدم وخراطيم مياه الخوذات.
هذه النظرة السوداوية التي تحملها الشاعرة عن واقع مأساوي دموي، وحلم كارثي تنهشه وحوش الغدر والخيانات كما تعبر عن ذلك فتقول:
(الزواحف تجلس قرب نوافير الدم
تشرب بلا ظمأ فالدم وفير
وحيوانات تعدوا في الأزقة والطرقات
بمخالبها تنبشُ القبور وتأكل الموتى
كي لايرووا الحكايات الصادقة) ص 144.
تمضي الشاعرة وهي توقد حروفها، فهي سندها، تتكئ عليها في كل خطواتها، فهي الأرض التي تمضي عليها، هي الروح التي تصعد بها نحو الحرية والصفاء، هي الخنجر التي تغرسها في وجه الغدر والخيانة، وهي نافذة الحب والجمال المفعمة بالوهج والعطاء، هي الماء العذب الذي تبلل بها ذاكرتها، تعانق بها من حفروا في ذاكرتها دفء الحميمية والكرامة والعزة، إلى جدها والد الماء والدم فتقول:
(أيها الماء العذب
المتدفق برفقٍ من تغضّنات العينين
تستعيدُ الرؤيا كلما ادلهَمَ الغسق
ومن انزمام الشفتين
تبثَّ حديثاً قديماً
ومن تجاعيدِ اليدين ترعى السواقي) ص 151.
تبقى الشاعرة دائماً رفيقة وشقيقة من روت مياه أفئدتهم وعطروا بعبق أرواحهم تراب هذا الوطن، ورووه بمياههم الدافقة، كي ينبتوا الزهر في القلوب، ويعيدوا للنخل شموخه وللصرخة الممزوجة برجفة الوطن عزته، تعزف أغنيات الخلود على الأرواح الطاهرة، للأمهات الراجفات بعيون الانتظار، للمياه الراعشة برضاب العشق، والدروب الراعفة بخطى الأحزان، تحمل دموعها المغسولة برائحة شجر السدر والسّمُر، وخطوات تستنفر مزامير الحلم باتجاه بوصلة القلب المضمخة بروح التمرد والقابضة على جمر الرغبات، لعلها تفوز بلغة لها رجفة الحُب والبهجة، أو تشد بحميمية على يد صديق له رائحة غابة.
يونيو 9, 2014

تعليقات