فاطمة الشيدي
جريدة عمان- شرفات
الثلاثاء 27- 5-2014
العمة الطيبة الحنون التي عبرت هذه الحياة بخفة وهدوء، بلا ضجيج أو افتعال، أو تعال أو تصنع، أو ترسم أو ترسيم لحضور أو غياب؛ كانت تضحك بلا مبرر كاف، وتبكي بلا مبرر جارح، وتحب بلا مبرر عميق، تحب كثيرا ووفيرا ﻷن الحب هو كل ما تستطيعه وتجيده وتعرفه وتؤمن به.
كانت تحب بقلبها الذي يتسع للجميع، وحتى حين ثكل باكرا وكثيرا في صغيرها اﻷحب، لم يضق بل أتسع أكثر ليتحد مع الموجودات والوجود، والحياة والموت معا، ولتصبح زيارة المقبرة طقس حنون، وفضفضة يومية بين أم وابنها عن البشر والحياة على فنجان قهوة أو وجبة طعام، لا يمنعها أنه تحت التراب وهي فوقه.
وكانت تحب بلسانها الذي يذوب الكلام عليه فلا ينطق بسوى (أماه وأبوي ) للأصغر واﻷكبر بلا عناية بالكلام ولا ترصيع له بالكذب والمباهاة والتصنع.
وكانت تحب بأقدامها التي تذهب في طرق الحب للجميع بلا شره ولا محازاة ولا محاباة ، تذهب مشيا على أطراف قلبها فهي تحتاج الحب فتذهب إليه.
وتحب بيدها، يدها التي تبث بها الحب في الكون بحنان جم وهي تزرع شجرة ليمون أو بيذامة ستقيها حر القيظ وسيتسلقها أطفالها ممن أنجبهم قلبها وليس رحمها غالبا، وهي تلامس وجوه الكائنات التي تربيها بحنان يفوق تعامل أم مع أطفالها، وهي تتلمس بحنان أعمى الوجوه التي تحبها، وهي تحضر اللبن، وهي تضع لقمة خبز مغموسة بالدهن في فم صغير أو مريض.
العمة التي عبرت هذه الحياة بصمت وقناعة وانحياز كلي للظل والداخل، ذهبت في طريقها في الحياة مؤمنة بالرب والحب والإنسان ومضت فيها هانئة وراضية مرضية، وحين سرقت منها اﻷيام فرحها اﻷكبر واﻷثمن؛ لم تذهب في الحزن والعزلة كما يفعل العاجزون والناقمون؛ بل ذهبت في الحياة والحب تماما، أورقت كسدرة كبيرة تظلل الجميع بالمحبة وتمد أطرافها لتضم الجميع لصدرها رغم أنها كانت تذوي في العميق منها، ويأكلها المرض بتؤدة وصمت، ومع ذلك كانت ترمم روحها بالحب، وتحتمي بالمودة وتنتمي لوشائج الرحم وذوي القرب وتعمد القريب والغريب بشفاعة الود ونور البهاء الروحي الذي يطل من شرفات روحها النبيلة، فكانت تسارع للخير وتعانق قلوب المرضى واﻷقارب وتوزع ترياق اﻷدعية على كل من تعرف ولا تعرف.
العمة التي غادرت قبل أيام معدودة يفترش اﻵن جسدها التراب في قريتها الصغيرة هادئة راضية بالقرب من أحبابها (أبنها اﻷحب وزوجها)، وتبتسم روحها في اﻷعالي لكل من مر على روحها الطيبة وأدى فروض المحبة، ولكل دعاء أصابها بالفرح، ولكل رحمة نزلت على روحها بسلام واطمئنان، وكل طفل كبر بالقرب من قلبها أطعمته بيدها أو مسحت على رأسه بحنان وأودعته الكثير من المحبة والسلام بكلامها اللين الرقراق، ولكل مكان وروح عانقتها في حضورها الطيب على هذه اﻷرض، ولكل التفاصيل التي تركتها اﻵن وهي ترفرف للأعلى بخفة غير متعلقة بشيء وغير متعالقة إلا مع الحب والخير والسلام الذي شملها حية وميتة.
أيتها النائمة في التراب والسابحة في اﻷعالي لروحك الرحمة ولقبك السلام هنا وهناك
جريدة عمان- شرفات
الثلاثاء 27- 5-2014
العمة الطيبة الحنون التي عبرت هذه الحياة بخفة وهدوء، بلا ضجيج أو افتعال، أو تعال أو تصنع، أو ترسم أو ترسيم لحضور أو غياب؛ كانت تضحك بلا مبرر كاف، وتبكي بلا مبرر جارح، وتحب بلا مبرر عميق، تحب كثيرا ووفيرا ﻷن الحب هو كل ما تستطيعه وتجيده وتعرفه وتؤمن به.
كانت تحب بقلبها الذي يتسع للجميع، وحتى حين ثكل باكرا وكثيرا في صغيرها اﻷحب، لم يضق بل أتسع أكثر ليتحد مع الموجودات والوجود، والحياة والموت معا، ولتصبح زيارة المقبرة طقس حنون، وفضفضة يومية بين أم وابنها عن البشر والحياة على فنجان قهوة أو وجبة طعام، لا يمنعها أنه تحت التراب وهي فوقه.
وكانت تحب بلسانها الذي يذوب الكلام عليه فلا ينطق بسوى (أماه وأبوي ) للأصغر واﻷكبر بلا عناية بالكلام ولا ترصيع له بالكذب والمباهاة والتصنع.
وكانت تحب بأقدامها التي تذهب في طرق الحب للجميع بلا شره ولا محازاة ولا محاباة ، تذهب مشيا على أطراف قلبها فهي تحتاج الحب فتذهب إليه.
وتحب بيدها، يدها التي تبث بها الحب في الكون بحنان جم وهي تزرع شجرة ليمون أو بيذامة ستقيها حر القيظ وسيتسلقها أطفالها ممن أنجبهم قلبها وليس رحمها غالبا، وهي تلامس وجوه الكائنات التي تربيها بحنان يفوق تعامل أم مع أطفالها، وهي تتلمس بحنان أعمى الوجوه التي تحبها، وهي تحضر اللبن، وهي تضع لقمة خبز مغموسة بالدهن في فم صغير أو مريض.
العمة التي عبرت هذه الحياة بصمت وقناعة وانحياز كلي للظل والداخل، ذهبت في طريقها في الحياة مؤمنة بالرب والحب والإنسان ومضت فيها هانئة وراضية مرضية، وحين سرقت منها اﻷيام فرحها اﻷكبر واﻷثمن؛ لم تذهب في الحزن والعزلة كما يفعل العاجزون والناقمون؛ بل ذهبت في الحياة والحب تماما، أورقت كسدرة كبيرة تظلل الجميع بالمحبة وتمد أطرافها لتضم الجميع لصدرها رغم أنها كانت تذوي في العميق منها، ويأكلها المرض بتؤدة وصمت، ومع ذلك كانت ترمم روحها بالحب، وتحتمي بالمودة وتنتمي لوشائج الرحم وذوي القرب وتعمد القريب والغريب بشفاعة الود ونور البهاء الروحي الذي يطل من شرفات روحها النبيلة، فكانت تسارع للخير وتعانق قلوب المرضى واﻷقارب وتوزع ترياق اﻷدعية على كل من تعرف ولا تعرف.
العمة التي غادرت قبل أيام معدودة يفترش اﻵن جسدها التراب في قريتها الصغيرة هادئة راضية بالقرب من أحبابها (أبنها اﻷحب وزوجها)، وتبتسم روحها في اﻷعالي لكل من مر على روحها الطيبة وأدى فروض المحبة، ولكل دعاء أصابها بالفرح، ولكل رحمة نزلت على روحها بسلام واطمئنان، وكل طفل كبر بالقرب من قلبها أطعمته بيدها أو مسحت على رأسه بحنان وأودعته الكثير من المحبة والسلام بكلامها اللين الرقراق، ولكل مكان وروح عانقتها في حضورها الطيب على هذه اﻷرض، ولكل التفاصيل التي تركتها اﻵن وهي ترفرف للأعلى بخفة غير متعلقة بشيء وغير متعالقة إلا مع الحب والخير والسلام الذي شملها حية وميتة.
أيتها النائمة في التراب والسابحة في اﻷعالي لروحك الرحمة ولقبك السلام هنا وهناك
تعليقات