التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

على هامش ندوة "تجربة مبارك العامري الأدبية"

فاطمة الشيدي 
شرفات-جريدة عمان
15-5-2015

كنت سعيدة في هذه الندوة ربما أكثر من المكرم نفسه "مبارك العامري"، لأن مبدعا عمانيا جديرا بالتكريم يتحصل على القليل منه في حياته، وبين أهله وأصدقائه ومتابعيه وقرائه، وهو للأسف أمر نادر وقليل، وهو أكثر قلة في انتباه المؤسسة الرسمية له سواء كانت تلك المؤسسة ثقافية أو إعلامية أو أكاديمية، فلا "جائزة تقديرية" -خارج فكرة المسابقات التي لا يسعى إليها المبدع الحقيقي غالبا أنفة وتعففا- تمنح سنويا لمبدع (في كل حقول المعرفة العلمية والإنسانية والثقافية والفنية.... الخ" يثري الوجود بوعيه، وينزف دمه ليرسم الحياة أقل فداحة وأكثر بهاء، ولا تكريم عميق ولائق وجاد يحفز المبدع على الاستمرار والإخلاص في مشروعه الفكري والثقافي والإنساني والجمالي، ضمن حالة ثقافية أقل ما يقال عنها أنها "محبطة" بأمراضها وأورامها المتأصلة عميقا من التكريس حتى الشللية.
 ولعل  مؤسسات المجتمع المدني كانت الأسبق  -"مبادرة نور وبصيرة" و" جمعية الكتاب" مثلا- في الاحتفاء التقديري بالمبدعين، ولكن أيضا لم تكن الحالة مطردة بوعي وثبات من رسوخ التجربة في الزمن، وتحققها في الفعل الإبداعي المستمر  والمكابد والمتعدد والمتنوع في كل حقول المعرفة، والاستحقاق التام لها بالعطاء والتحقق، فلكل مؤسسة مقايساتها الخاصة النابعة من توجهاتها الفكرية أو الشخصية.
وكان مبارك العامري سعيدا بهدوء وصمت يليق بعزلته ووعيه وهروبه الدائم من الأضواء، بينما كانت وجوه أسرته " زوجته وبناته" وأصدقائه ومحبيه ومعجبيه تتهلل فرحا، وكان كل كاتب يشعر بالأمان والاطمئنان (النسبي) بأنه سيتحصل يوما على القليل من التقدير للفعل الذي يقوم به بوعي وإيمان وإخلاص.
كانت الأوراق واعية وعميقة وصادقة في الاحتفاء بالمبدع بإيمان وتقدير لتجربته، ومتنوعة المشارب بين الشعر والنثر، والوجوه الباحثة الجادة والتي خرجت عن الوجوه المكرسة غالبا، ولكن المنطلق الأكاديمي الصارم واللائق بندوة علمية حسم الأمر لصالح الحالة الأكاديمية تماما، بينما كنت في داخلي أتمنى أن يكون هناك شهادات من الأصدقاء والكتاب لصالح الشاعر وتجربته وإنسانيته التي صنعت عالمه الشعري الحقيقي، بل كنت أتمنى أن يستمع الجمهور  لشهادة عميقة وطويلة من الشاعر، وقراءات شعرية بصوته أو بصوت آخرين على خلفية موسيقية مثلا، أو نشاهد فيلما عن حياته مصنوعا بفنية عالية، لندلل أرواحنا قليلا، وندلل على مشروعه الشعري العميق والممتد والإنساني.
 وإذا كانت الفكرة مشتركة بين النادي الثقافي وكلية الآداب،  فكانت الندوة هي شطر الجامعة، بينما كان يمكن للنادي الثقافي أن يعضد شطره بدعوات خاصة بشهادات حميمية وقراءات شعرية وفنون أخرى، "ولعل هذه دعوة تلقى قبولا وتحققا في القادم من الاحتفاءات" التي عليها أن تستمر وتتطور وتخلص للإبداع المشفوع بالذاكرة والزمن، "الزمن الذي هو محك التجارب الحقيقية الأصيلة التي يصقلها الوقت ولا يخذلها الذهاب في اﻷيام ؛ بل يزيدها تشبثا ووعيا ونضجا واستعدادا للتضحية بكل شي في مقابل الكتابة، الزمن الذي وحده الكفيل بالحكم على التجارب قوتها أوضعفها تقدمها أو ثباتها أو تراجعها جديتها وعمقها في الرؤية لما وراء السطحي والظاهري أو هشاشة تناولها وسطحية أخذها وتقديمها للعام والسائد بغية التحصل على  القليل من الانتباه أو الكثير من الهبات والعطايا والظهور. كما أنه أي الزمن محك اكتمال التجربة بالعمر أو الصمت" .
والأجمل أن هذه الندوة تظهر لاحقا في كتاب، (ما زلت أتمنى أن يشمل حوارا مع الشاعر، أو شهادة  مطولة له، وبعض الشهادات من الأصدقاء"  يكون بمثابة شهادة خالدة للذاكرة والوعي والأجيال القادمة، عن مبدع أضاء روحه شمعة لتقلل القليل من حلكة العالم، وتهب الأرواح بعض الفرح ، والكثير الكثير من المحبة والجمال.
وهناك الكثير من المبدعين والتجارب الإبداعية التي ينبغي الاحتفاء بها، فسماء عيسي، وزاهر الغافري،  وصادق جواد، ونادرة محمود، وأحمد الفلاحي، ومحمد عيد العريمي، وسعود المظفر، وغيرهم الكثير والكثير من المبدعين في شتى ضروب المعرفة؛ يستحقون أكثر من احتفاء، وندوة، وجائزة تقديرية، وكتاب يخلدهم في الفكرة والتاريخ والوعي الإنساني. ويجعلهم قدوة حقيقة للأجيال القادمة، التي تتلمس ذات الطريق بسعي حثيث واتكاء ضمني على تجارب من سبقهم.

تعليقات