التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

نقد النقد


فاطمة الشيدي

إن ما يجب أن يُنتبه له في التنظير الثقافي أو الفكري، أو النقد الاجتماعي والسياسي لأية ظاهرة تحكم الوعي الجمعي، أو علّة متجذرة في الروح والفكر (كالطائفية والقبلية والعنصرية وغيرها من أمراض المجتمع العربي)؛ أن على الناقد والمنظر أن يكون حصيفا في الطرح، نبيلا في القراءة، عميقا في المعالجة، حكيما في زاوية العرض، بعيدا عن الانحياز للفكرة أو ضدها، بل يحاول خلخلتها من الأعمق، وانتزاع جذورها -التي يجب أن لا تعنيه- بلطف، وإظهار مساوئها بلا ركون نفسي لها أو لغيرها؛ لأن القارئ يدرك تماما كيف يقوم الكاتب بنفي فكرة وهو منحاز لضدها، وكيف يعالج قضية وهو مريض بغيرها، كأن يكتب مثلا مقالا أو بحثا لينتقد الفكر الطائفي بطائفية مقيتة تسكنه، فهو منحاز نفسيا لطائفته، محاولا إظهارها على أنها الأكمل والطريق للجنة، وما سواها من صنع الشيطان والطريق إلى جهنم. فهناك سيتحول القارئ لخصم مباشر لهذا الكاتب، وسيتشبث بطائفتيه أكثر، وسيلجأ للدفاع عن طائفته مهما كان بعيدا عن الفكر الطائفي قبل ذلك، وربما تحوّل لمروج للطائفية لمواجهة هذا الكاتب فقط.
كما لا يليق بالناقد المفكّر والمنظر الواعي؛ الذهاب في التجريح الشخصي، أو العنف اللغوي، وتقمّص السخرية الفاحشة، وانتعال الساقط من الكلام، واستخدام الدنيء من الألفاظ؛ لأن النقد - كما ينبغي - وعي رفيع، وحالة ذهنية راقية، ومحاججة عميقة، ورفض مبرر، وعليه أن يكون كشفا لمستور بأدق الألفاظ ، وبيانا لجمال بأعذبها؛ ولذا فاستخدام مبتذل الألفاظ، وتتبع عورات الإنسان قبح لا يليق بالتسمية، وقد يحجبها عن المنتسب إليها.
فالكاتب الوقح والمتبجح والمنتقد بطريقة فاحشة وخادشة لروح الإنسان وكرامته (مهما كان من يسلّط عليه قلمه، ومهما كانت وظيفته وما اقترفه من أخطاء)، هو أكثر سقوطا في الحضيض، من الإنسان العادي الذي قد لا يمنعه وعي، أو تردعه مسؤولية عن النقد الفاحش والسقوط في فخاخ التسرع والعصبية والهمجية.
وامتلاك ناصية اللغة، وإمساك القلم لا يعني استباحة جلد البشر، والذهاب في النرجسية والخيلاء حد الاعتقاد بإمكانية الشتم والتجريح للآخرين.
إن الكتابة والثقافة وعي ومسئولية يجب تطبيقها على الذات أولا، والنقد يتضمن تفكيك المسكوت عنه ومساءلة الوعي والفكر والحياة والنص معا ولكن بطريقة راقية. فالنقد تشريح الفكرة وليس تجريح الإنسان. ونقد الصفة والحال والمكانة والسلطة وليس الشخوص.
إننا بحاجة لتأسيس ثقافة نقدية موضوعية، تتعامل باحترام مع الإنسان وإن كان عدوا، ثقافة تقوم على إعلاء قيمة الوعي الأخلاقي، والمسئولية الثقافية قبل أي تنظير فكري؛ للخروج من حالة الانهيار الذي نحياها في كل شيء وعلى رأسها الأخلاق.
فالقسوة في الكشف قد تجرح روح الفكرة، والعنف في الطرح قد يغير موازين الحكمة، والمبتذل من اللفظ قد يحجب بقبحه وضوح القبح الأصلي ومواطنه، وقد يحيله لما ليس له، بل وقد يدفع له نكاية في النقد، وانحيازا ضد الناقد.
وكم من نقد نراه اليوم موحشا صارما جافا، يلغي الفكرة المضادة، ويصادر الوعي الآخر، ويقبّح كل ما يقع في زاوية مقابلة (لزاويته المتشبث بها بمرض أشد من مرض من يخاطبهم) وبأعنف العبارات، وأقبح اللفاظ، ولذا لا يحدث الإقناع في أي درجة من درجات الوعي العربي المأزوم بعاهاته واضطراباته، بل يتراكم القبح بين أطراف يكيل كل منهم للآخر ما لذ من اتهامات، وما زاد وكثر من قبح وشتائم وعنف وابتذال، حتى أصبحت ثقافتنا محكومة بهذا التراكم اللامعرفي واللأخلاقي، والذي للأسف يزيد النار حطبا، والوعي جهلا، والروح عطبا، والخراب تبريرا، لتصبح الثقافة حالة من العنف، والجهل، والفتنة، والابتذال، وهذا ما لا يسعى الناقد الحقيقي لتغييره.