التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

عزلة المثقف بعيدا عن المؤسسة الثقافية

                       
فاطمة الشيدي


ينضم المثقف لأي مؤسسة مجتمع مدني ثقافية، لأنه يعرف أنه من خلالها يستطيع مع الجميع تقديم ما يخصّ الفعل الثقافي بالصيغة الحقيقية، وبالمساواة التامة، فالجميع يساهم في تفعيل الحراك الثقافي كل من زاويته وبقدرته، فهم من يحركون دفة الفعل، بلا قرارات فوقية، ولا إملاءات من جهة ما.
وبالطبع يفكر كل مثقف أن هذه المؤسسة (الجمعية) ستقيم أمسيات أسبوعية شعرية، وسردية، ونقدية مثلا، وندوات فكرية وسينمائية ومسرحية بين الفينة والأخرى، وربما ستتوسع في الفعل الثقافي لتقيم أسابيع ثقافية لدول أخرى مع مشاركة شعراء وكتاب الداخل، لتوفير فرص الاطلاع للمتلقي العماني، وستحتفي بكاتب أو كتاب جديد، وستكرّم كاتبا كبيرا، وستستضيف مبدعا مميزا من الخارج؛ لتوفر فكرة الاحتكاك الثقافي المشروعة والإيجابية، وقد يغض عضو الجمعية الداعي والضيف النظر عن أي مبلغ مستحق للضيف، أو حتى عن تكلفة تذكرة الطائرة لأن الضيف جاء على حسابه الخاص، وعن السكن في الفندق لأنه ثمة من تبرع باستضافته، كل هذا سيكون بأخوة ومحبة واحترام وتقدير متفق عليه للفعل الثقافي أولا وأخيرا.
وربما ستحتفي الجمعية بمناسبات ثقافية واجتماعية مثل: يوم الشعر، ويوم المسرح، ويوم الفلسفة، وربما حتى بيوم الأم، ويوم المرأة، وسيغض كاتب أو ناقد النظر كثيرا عن أي مكافأة مستحقة له لم تمنح لورقة أعدها بوقته وجهده وبحثه، لأنه يقدم فعلا ثقافيا مجتمعيا تنويريا كما يفترض.
وستبحث عن داعم لإصدار بضع كتب، لكتاب يستحقون نشر كتبهم، ولكنهم لا يجدون المال لذلك، أي لن تجامل بنشر الكتب التي لا تستحق، ولن تساعد من يملك المال لذلك.
وإذا كان لديها مال فائض، فإنها ستقدم مبلغا لكل من يقدم ورقة نقدية، أو قصيدة في أمسية دعما وتقديرا. هذه الأمسيات التي عليها أن تكون شاملة لكل الشعراء والأدباء، وإن كان من تفضيل فهو خاضع للمعايير الجمالية والتجربة، وليس لمجاملة المجاملين لها.
هذه من الأسباب التي يمكن أن تكون سببا لانضمام مثقف ما لمؤسسة مجتمع مدني ثقافية،  ولكن لن يفكر أي مثقف حتى  من يملك خيالا واسعا أنه سينضم لمؤسسة مجتمع مدني ثقافية؛ لتحقق له متعة السفر خمس مرات في العام لدول عربية وغربية، ليحظى بنزهة معرفية وسياحة ثقافية خمس نجوم، ولن يفكر أنه سيحمل أوراقه ليقول للعالم في أماكن أخرى تحت مظلات رسمية، وبمسميات أبعد ما تكون عن شرف الفعل الثقافي، "أيها السادة في هذا البلد أو ذاك، عليكم أن تسمعوني، لقد جئت إليكم لأعرفكم على نفسي بلا دعوة مسبقة، بل بحضور مدفوع الثمن مسبقا".
ولن يفكر أحد أن هذه المؤسسة ستختص عددا من الكتاب والشعراء بهذا الشرف، في كل مكان وزمان، في حين سيحرم آخرون من شرف المشاركة داخليا وخارجيا، فقط لأنهم لم يجاملوا أحدا، ولم يتملقوا صوت المؤسسة، ولا أعضاء إدارتها، لأنهم لا يجيدون ذلك أصلا.
ولن يفكر أحد أنها ستتحول لحالة أكثر رسمية  من المؤسسة الرسمية، وأنها ستخلع شرف تكريمها على كل مبدع داخلي، وخارجي، بمناسبة، وبدون مناسبة، في حين سيعيش المتلقي الداخلي جوعا معرفيا وثقافيا؛ لأنه سيحرم من تحقيق المشهد بشكل حقيقي خارج الاحتفاءات، والاحتفالات والمؤتمرات الصحفية، والرسميات، والشهرة، والبهرجة الإعلامية، وسيصادر حق المشهد الطبيعي  بإقامة أمسيات ثقافية شعرية وسردية ونقدية، بصفة دورية لكتاب من الداخل والخارج، ومن الاحتفاء بالكتّاب الجدد، والكتب الجديدة،  أو الشعر  الجيد، والسرد العميق، وسيحرم الكثير من الكتاب والشعراء من الحضور والمشاركة الفاعلة في المشهد؛ لأنهم لا يملكون يدا طيّعة تجيد التصفيق لكل مهرج ومهرجان، ولا يملكون لسن حادة للنفاق والمجاملة. وهذا ما يجعل المثقف الحقيقي يهجر هذه المؤسسة بفعالياتها!
تماما كما يكتب الأديب أو الكاتب عمودا أو صفحة في جريدة، أو مجلة بصفة دورية ليتشارك الكلمة مع الناس، فالحنين كالخبز، والرؤية شارع ليس على الكاتب أن ينظر إلا لصورة أحذية العابرين عليه، يكتب أحزانهم، وسعالهم اليومي، وسعيهم الحثيث وراء قوتهم، وعبثهم، وظهورهم المنكسرة تحت الشمس، ووراء مقابض السيارات، يدوّن الملل الذي يسكن الأرواح ويتسامى في الأحاديث، ويركن في نهاية الشهر عند الريالات التي تسد رمق البطون الفارغة.
يكتب لنبل عميق يسكن روحه، يكتب عن كتاب وقصيدة ووعي يجرحه، ليشعل به وعي آخر، يكتب عن بلاد، وقلب، ولوحة، وفيلم ليشغل الآخر بها؛ فيذهب في حواره الداخلي معها عميقا، وقد يمتد ذلك الحوار من الداخل للخارج.
ولكنهم للأسف لا ينظرون لذلك النبل بتقدير مواز، إنهم ينظرون للريالات القليلة (جدا)، الريالات التي لا تجاري الدم والروح الذي يكتب به الكاتب، ولا حتى الوقت الذي يقتنصه من الحياة والعمل والمتعة ليجيّره لصالح الكتابة فقط. ويقدمونها بتعال وتقشف وتقليل كل شهر.
ولأن "زمّار الحي لا يطرب"، فهم يكيلون بمكيالين أو أكثر بين الداخلي والخارجي، بين القريب والبعيد، لصالح الثاني غالبا، وبمعايير أخرى.
وقد لا تحصل على ريال واحد حتى لو كتبت لمدة عامين تقريبا مع التعاقد على ذلك مسبقا، وقد يقال لك من البداية نحن لا ندفع، وقد تحصل على مبلغ لا يذكر بعد عدد من الموضوعات، وقد ينقص المبلغ كل شهر بعد أن يتأخر غالبا، وقد يضعوا قلمك في زاوية محددة وفق اشتراطات خاصة بهم وبعدد الريالات.
لماذا يكتب الكاتب إذن؟ لأن قدره أن يكتب، قدر الكاتب أن ثمة حكة في أصابعه، كلما اشتعلت الروح بجرح، وكلما صادفه الجمال أو القبح، وكلما رفض العقل القيد والظلم والقهر، ولكن ليس في تلك الصحف التي لا تنظر بتقدير واحترام للكاتب، لوعيه الذي يجترح الكتابة، وعمره الذي يفنى في طرقاتها التي ليست جمالا محضا، ولا دهشة دائمة، وترى أنها تقدم له هبه عظيمة بأن تفتح لها صفحاتها الصفراء للكتابة.  وهذا ما يجعل المثقف الحقيقي يهجر هذه الصفحات الثقافية!
يحدث هذا ومن المفترض أن المؤسسة الثقافية في أي بلاد هي أشرق صورة لمعاني الحرية والديموقراطية والمساواة والتعددية الفكرية، عبر التعدد الثقافي الممثِّل لكل فئات المثقفين وحالاتهم ووعيهم، وعبر الموضوعية الواعية في الإدارة القائمة على الانتخاب الدوري والتغيير المستمر للإدارات التي تشرف على الفعاليات والإصدارات، وكل ما يمت للثقافة بصلة، ولكن أن تنزل إدارات هذه المؤسسات من السماء، وأن تحدد اللجان، والفعاليات وفق قرارات فوقية أو جانبية أو لاعتبارات خاصة، وأن تحتكر هذه المؤسسات العمل مع مجموعة من المثقفين الذين يحركون الحالة الثقافية وفق تصوراتهم ورؤاهم فقط (التي ليست مثالية بالضرورة لأنها ممالئِة فقط)،  فهذه صورة بشعة لدكتاتورية الثقافة، وثقافة الدكتاتورية، التي تصبح بوجه واحد، وقد يكون مشوها أو قبيحا أو باهتا أيضا، وبصورة وحيدة باردة ومملة، وهذا ما يجعل المثقف الحقيقي يهجر هذه المؤسسة بفعالياتها!
هذه الأسباب وغيرها هو ما يفرض العزلة الثقافية الحادة من المبدع التي يحترم الذات والإبداع معا، فالعزلة الإبداعية خيار إنساني وفكري عميق وجاد.