فاطمة الشيدي
الكتاب هو الصديق والمؤنس الوحيد الذي تأمن جانبه، وترتاح بقربه بلا قلق، الأكثر ثرثرة إذ تستشري وحدتك، وترتفع غمامات حزنك، والأكثر صمتا وحنانا حين تكثر في روحك وخزات الوجع، ويتعالى اليتم، تجده أبدا بالقرب؛ يداوى فراغات أيامك بالتجربة والحكمة، ويسكّن عواء روحك في مفترقات الأمكنة والأزمنة، ويشحذ مخيلتك بالألم المجيد، والفرح الحكيم.
هذه القدرة على العطاء بلا مقابل يبدو هي التي تعضد نرجسياتنا، وتلبي احتياجاتنا بدون مقايضات، لذا فلا غرابة إن كان الكتاب هو الأهم في مساحاتنا وفي حيواتنا الخاصة والعامة.
الكتاب الذي يسبقنا إلى حيث نريد، يتقدم خطواتنا، ويشفّع أيامنا فيما تبقى من صفحاته الراجفة بالحكمة، والراعفة بالمعرفة، والناضجة بالكلم، والمورقة بالفتنة والعاطفة والفكرة، في الحل والترحال، وفي الإقامة والسفر، في الخلوة والعام.
يسكن الحقائب في الأسفار، ويقبع بين أحضان القلب في المسافات المحلقة بين الأرض والسماء، ويأخذك إليه منك ومن ثرثرة تافهة في الباصات والحافلات.
يقبع إلى جوار مخدعك ليحارب قلقك؛ إن تجرأ واقتحم ما تبقى من نعاس على محيط جفنيك، ويسكن حقيبة اليد منافسا "الجوال" العظيم والذي أصبح أقرب من ارتداد الطرف.
يتصدر بهو صالتك ليحكِ عن تاريخك معه لكل زائر، وقد تجده بأكثر من هيئة متناثرا متباهيا برقدته على الأرض ليدلل على حميمية العلاقة التي لا تفترض نوعا من الترفع أو الحذر، والتي تتيح لك خيارات الأخذ وفق مزاجك المتحرك والنزق أحيانا كثيرة.
في أي مكان يقيّض القدر لروحك زيارته، تبحث عنه، عن مكتبات تحتضن أحياءه الخالدين، وتظن عليك إلا بتصفح سريع ومعانقة عاجلة، أو أخرى تبيعه لك لتتوحد معه بمالك ليصبح بمطلقية التملك كتاب(ي)، وتباهي به أثناء عودتك (لقد ابتعت هذا الكتاب من .....) وما أجملها من ذكرى تخلد الأمكنة، وتوشم ذاكرتك بها، فلا تنمحي مهما زادت سياط النسيان.
الأجمل أن يكون الكتاب هدية من محب أو من صديق، في مناسبة أو ذكرى ليوم مولدك، أو نجاحك، أو أي مناسبة مفرحة، أو حتى محزنة كيوم فشلك وتضعضعك وانكسارك، ليكون يدا تأخذ بك نحو العزيمة والأمل، وأسباب النجاح، ومقاومة الرضوخ والضعف.
وأن يقدم الكتاب لطفل في أحد أعياد ميلاده الصغيرة فهذا درس مجيد لقيمة القراءة والعلم، وأن يقدم له إذ يكون قلقا أو مرتبكا فهذه حالة توجيه خاصة ليصبح الكتاب، والكتاب فقط هو الونيس الذي لا يخذل، والطبيب الذي يداوي، والكائن الذي يعطي بلا مقابل، والذي ينصرك ظالما أو مظلوما.
أن تتمشى في معارض الكتب لتبحث عن كتاب بعينه فهذه حالة متقدمة من الإحساس بالكتاب والانتشاء به، فقد تكون سمعت عنه، أو أخبرك عنه عزيز، أو قارئ تثق في ذوقه، البحث عن كتاب خاص أشبه بحالة البحث عن كائن خاص، أو كائن قديم في روحك وذاكرتك، أو كائن غائب أو مسافر، كائن تعرفه في روحك وقلبك وعمرك الآفل والقادم، وأن تجده فقد التقيت كائنا حميما فلا شك ستقضي ليلتك الأولى وأنت تستمع لما يقول بإصغاء مربك، وحنين خرافي حتى تتشرب كل ما يقول بصمت وفرح وحنان، وأن لا تجده فهي حالة تصعيد للظمأ وللبحث وللشوق، وهذه أجمل حالات الحياة التي يعيشها الكائن في انتظاراته وانشطاراته.
ولكن أن تتمشى على الأرصفة وتتصفح بعينيك أو بيديك بعد وقفة قصيرة الكتب المبثوثة عليه بلا كثير عناية وترتيب ورصف محكم، فتلك حادثة الفقد في مدننا المتمترسة، والمترسمنة، ولهذا فهي تمثل حالة شغف حادة أشبه بالرقص تحت المطر، الأرصفة التي تعرض القهوة، والقرفة والزنجبيل، وتروّج للأشياء بأصوات الباعة الناشزة، ويتزاحم عليها البسطاء والمكدودون، والباحثون عن لذة التأمل، موثقين تلك الحالة بفنجان قهوة مر، أو كأس "عرق سوس" ومصافحة تلك الكتب الثمينة والرخيصة في ذات الوقت، ومراوغة البائع الذي ما أن يشعر بغربتك، أو بقيمة الكتاب لديك حتى يسن خبثه، ولكنه يتنازل عنه تدريجيا مع خبثك المصنوع أمامه، وتلويحك له بالرحيل دون شراء الكتاب.
وأن تحمل معك كتابا في سفرة ما، لتصبح ذاكرة تلك البلد؛ هي الكتاب والمطر والقهوة، فتلك حالة لي لعنق النص الكوني الكبير لنقول: هنا تبدأ الأشياء فقط، وهنا تنتهي تماما، أو ليتها هنا تنتهي.
وأن تفتح نوافذ غرفتك في الصباح الباكر، في طقس حنون، في بيتك، أو في فندق ما، في بلد ما، وتقرأ لنصف ساعة على صوت خافت لفيروز، وفنجان قهوة متوسطة السكر، فأنت تسرق سعادتك من الزمن اللص الأكبر للجمال وللحظات الفادحة الروعة.
وأن تجلس في بهو فندق لتقرأ، فأنت تمزج داخلك بين زمانين ومكانين، وتحدِث توأمة بين رائحة المكان والشخوص ورائحة الكتاب وشخوصه.
وأن تجلس على رصيف مقابل لفندق تسكنه، وتحت مظلة بسيطة لا أكثر ولكنها تمثل مقهى مزدحم، لتتأمل الشارع والبشر يركضون تحت المطر، وهو يضاحكهم بحنان ولطف، ويدغدغ مظلاتهم المنفوخة في يوليو، لتقرأ كتابا لفترة زمنية طويلة وتنوع في مشروباتك بين القهوة والكوكتيل، غير حافل بالتعرف على البلد تماما، (وكأنك قادم لهذه البلد لتقرأ فقط، وكأنه لا يوجد في بلدك مكان للقراءة، ولشرب القهوة كما سيتندر عليك البعض!) (وفعلا لا يوجد)، فهي حالة تخليد للمكان في ذاكرة الكتاب.
وأن تحمل أطفال القلب إلى البحر، وتضحك روحك من أعماقها إذا يشرقون بالفرح وهم يسبحون، ويحفرون الرمل، ويبنون قصورهم الرملية الواهية ويدمرونها بشهوة الخراب، وأنت على كرسيك تسبح في كتابك، متناسٍ كل التوصيات بالحذر والخوف عليهم، (وترد على أصواتهم داخلك إذ البحر والقراءة والأطفال؛ تولد حالة تحرر قصوى لا يصلح معها الحذر).
أن تقرأ لصغير دون الثانية وهو في حضنك، أو ينام إلى جوارك، ما لا يفهمه وفق أي منطق فكري أو عقلي "كمادة فلسفية" أو "قصيدة مترجمة" أو "جزء من رواية" ، ولكن بتنويع صوتك باتجاه طفولته الطافية بالمودة والحنان؛ يعتقد أنك تقرأ له كتابا مناسبا لعمره، وتعتقد أنت جازما أن هذا الكلام يصل لعقله، ولقلبه تماما، فينام وكله رضا.
وأن تقرأ لساعة قبل أن تنام أو أقل أو أكثر قليلا، فهي حالة مشاغلة للأرق، وحالة مغازلة حنونة للنعاس، كما أنها تدريب للحواس على اليقظة والفهم إذ يفترض غيابها، وهي في الأخير عادة طيبة تسلمك ليوم آخر بأقل قدر من كآبة الليل المقبل بكل كتائبه وفيالقه وجنوده، ليلتهم جسدك وقلبك وعقلك، ويغير بكآباته المتكررة على ما حصدته من أفراح صغيرة في يومك المضيء.
مقامات الظل . مسودة حياة "1" 2014
هذه القدرة على العطاء بلا مقابل يبدو هي التي تعضد نرجسياتنا، وتلبي احتياجاتنا بدون مقايضات، لذا فلا غرابة إن كان الكتاب هو الأهم في مساحاتنا وفي حيواتنا الخاصة والعامة.
الكتاب الذي يسبقنا إلى حيث نريد، يتقدم خطواتنا، ويشفّع أيامنا فيما تبقى من صفحاته الراجفة بالحكمة، والراعفة بالمعرفة، والناضجة بالكلم، والمورقة بالفتنة والعاطفة والفكرة، في الحل والترحال، وفي الإقامة والسفر، في الخلوة والعام.
يسكن الحقائب في الأسفار، ويقبع بين أحضان القلب في المسافات المحلقة بين الأرض والسماء، ويأخذك إليه منك ومن ثرثرة تافهة في الباصات والحافلات.
يقبع إلى جوار مخدعك ليحارب قلقك؛ إن تجرأ واقتحم ما تبقى من نعاس على محيط جفنيك، ويسكن حقيبة اليد منافسا "الجوال" العظيم والذي أصبح أقرب من ارتداد الطرف.
يتصدر بهو صالتك ليحكِ عن تاريخك معه لكل زائر، وقد تجده بأكثر من هيئة متناثرا متباهيا برقدته على الأرض ليدلل على حميمية العلاقة التي لا تفترض نوعا من الترفع أو الحذر، والتي تتيح لك خيارات الأخذ وفق مزاجك المتحرك والنزق أحيانا كثيرة.
في أي مكان يقيّض القدر لروحك زيارته، تبحث عنه، عن مكتبات تحتضن أحياءه الخالدين، وتظن عليك إلا بتصفح سريع ومعانقة عاجلة، أو أخرى تبيعه لك لتتوحد معه بمالك ليصبح بمطلقية التملك كتاب(ي)، وتباهي به أثناء عودتك (لقد ابتعت هذا الكتاب من .....) وما أجملها من ذكرى تخلد الأمكنة، وتوشم ذاكرتك بها، فلا تنمحي مهما زادت سياط النسيان.
الأجمل أن يكون الكتاب هدية من محب أو من صديق، في مناسبة أو ذكرى ليوم مولدك، أو نجاحك، أو أي مناسبة مفرحة، أو حتى محزنة كيوم فشلك وتضعضعك وانكسارك، ليكون يدا تأخذ بك نحو العزيمة والأمل، وأسباب النجاح، ومقاومة الرضوخ والضعف.
وأن يقدم الكتاب لطفل في أحد أعياد ميلاده الصغيرة فهذا درس مجيد لقيمة القراءة والعلم، وأن يقدم له إذ يكون قلقا أو مرتبكا فهذه حالة توجيه خاصة ليصبح الكتاب، والكتاب فقط هو الونيس الذي لا يخذل، والطبيب الذي يداوي، والكائن الذي يعطي بلا مقابل، والذي ينصرك ظالما أو مظلوما.
أن تتمشى في معارض الكتب لتبحث عن كتاب بعينه فهذه حالة متقدمة من الإحساس بالكتاب والانتشاء به، فقد تكون سمعت عنه، أو أخبرك عنه عزيز، أو قارئ تثق في ذوقه، البحث عن كتاب خاص أشبه بحالة البحث عن كائن خاص، أو كائن قديم في روحك وذاكرتك، أو كائن غائب أو مسافر، كائن تعرفه في روحك وقلبك وعمرك الآفل والقادم، وأن تجده فقد التقيت كائنا حميما فلا شك ستقضي ليلتك الأولى وأنت تستمع لما يقول بإصغاء مربك، وحنين خرافي حتى تتشرب كل ما يقول بصمت وفرح وحنان، وأن لا تجده فهي حالة تصعيد للظمأ وللبحث وللشوق، وهذه أجمل حالات الحياة التي يعيشها الكائن في انتظاراته وانشطاراته.
ولكن أن تتمشى على الأرصفة وتتصفح بعينيك أو بيديك بعد وقفة قصيرة الكتب المبثوثة عليه بلا كثير عناية وترتيب ورصف محكم، فتلك حادثة الفقد في مدننا المتمترسة، والمترسمنة، ولهذا فهي تمثل حالة شغف حادة أشبه بالرقص تحت المطر، الأرصفة التي تعرض القهوة، والقرفة والزنجبيل، وتروّج للأشياء بأصوات الباعة الناشزة، ويتزاحم عليها البسطاء والمكدودون، والباحثون عن لذة التأمل، موثقين تلك الحالة بفنجان قهوة مر، أو كأس "عرق سوس" ومصافحة تلك الكتب الثمينة والرخيصة في ذات الوقت، ومراوغة البائع الذي ما أن يشعر بغربتك، أو بقيمة الكتاب لديك حتى يسن خبثه، ولكنه يتنازل عنه تدريجيا مع خبثك المصنوع أمامه، وتلويحك له بالرحيل دون شراء الكتاب.
وأن تحمل معك كتابا في سفرة ما، لتصبح ذاكرة تلك البلد؛ هي الكتاب والمطر والقهوة، فتلك حالة لي لعنق النص الكوني الكبير لنقول: هنا تبدأ الأشياء فقط، وهنا تنتهي تماما، أو ليتها هنا تنتهي.
وأن تفتح نوافذ غرفتك في الصباح الباكر، في طقس حنون، في بيتك، أو في فندق ما، في بلد ما، وتقرأ لنصف ساعة على صوت خافت لفيروز، وفنجان قهوة متوسطة السكر، فأنت تسرق سعادتك من الزمن اللص الأكبر للجمال وللحظات الفادحة الروعة.
وأن تجلس في بهو فندق لتقرأ، فأنت تمزج داخلك بين زمانين ومكانين، وتحدِث توأمة بين رائحة المكان والشخوص ورائحة الكتاب وشخوصه.
وأن تجلس على رصيف مقابل لفندق تسكنه، وتحت مظلة بسيطة لا أكثر ولكنها تمثل مقهى مزدحم، لتتأمل الشارع والبشر يركضون تحت المطر، وهو يضاحكهم بحنان ولطف، ويدغدغ مظلاتهم المنفوخة في يوليو، لتقرأ كتابا لفترة زمنية طويلة وتنوع في مشروباتك بين القهوة والكوكتيل، غير حافل بالتعرف على البلد تماما، (وكأنك قادم لهذه البلد لتقرأ فقط، وكأنه لا يوجد في بلدك مكان للقراءة، ولشرب القهوة كما سيتندر عليك البعض!) (وفعلا لا يوجد)، فهي حالة تخليد للمكان في ذاكرة الكتاب.
وأن تحمل أطفال القلب إلى البحر، وتضحك روحك من أعماقها إذا يشرقون بالفرح وهم يسبحون، ويحفرون الرمل، ويبنون قصورهم الرملية الواهية ويدمرونها بشهوة الخراب، وأنت على كرسيك تسبح في كتابك، متناسٍ كل التوصيات بالحذر والخوف عليهم، (وترد على أصواتهم داخلك إذ البحر والقراءة والأطفال؛ تولد حالة تحرر قصوى لا يصلح معها الحذر).
أن تقرأ لصغير دون الثانية وهو في حضنك، أو ينام إلى جوارك، ما لا يفهمه وفق أي منطق فكري أو عقلي "كمادة فلسفية" أو "قصيدة مترجمة" أو "جزء من رواية" ، ولكن بتنويع صوتك باتجاه طفولته الطافية بالمودة والحنان؛ يعتقد أنك تقرأ له كتابا مناسبا لعمره، وتعتقد أنت جازما أن هذا الكلام يصل لعقله، ولقلبه تماما، فينام وكله رضا.
وأن تقرأ لساعة قبل أن تنام أو أقل أو أكثر قليلا، فهي حالة مشاغلة للأرق، وحالة مغازلة حنونة للنعاس، كما أنها تدريب للحواس على اليقظة والفهم إذ يفترض غيابها، وهي في الأخير عادة طيبة تسلمك ليوم آخر بأقل قدر من كآبة الليل المقبل بكل كتائبه وفيالقه وجنوده، ليلتهم جسدك وقلبك وعقلك، ويغير بكآباته المتكررة على ما حصدته من أفراح صغيرة في يومك المضيء.
مقامات الظل . مسودة حياة "1" 2014

تعليقات