شاعرة عمانية ترى أن اللغة كائن متجدد ومبهر في طاقاته
الحداثة حالة فكرية روحية عميقة وليست ادعاءات مهلهلة لإثبات التقدمية
بيروت - سجا العبدلي:
جريدة السياسية ، الخميس 2 يناير 2014 -(السنة45) العدد (16238)
تؤكد الأديبة والشاعرة العُمانية فاطمة الشيدي في حوارنا معها أن الكتابة بالنسبة لها مشروع حياة, ولذا فهي تكتب دائماً, وترى " أن اللغة كائن متجدد ومبهر في طاقاته وعلينا دائما محاورته ومحاولته بالكثير من الأشكال والمضامين. وتقول " نحلم دائما أن تحظى نصوصنا بقارئ مختلف, يأخذها لأبعد مما كتبناه, ويضيف عليها من روحه ووعيه آفاقا أخرى, اكثر حيوية وبهاء" وأن " الكثير من الأسماء والتجارب الشعرية العُمانية الجديدة تتقدم بوعي شعري عميق, وغير جاهز, محاولة برؤية وروية صنع عالمها الشعري الداخلي الخاص والمتفرد, محاولة تجاوز ارتباكة البدايات, وعدم تقليد الأقدم منها من التجارب".
فاطمة حاصلة على درجة دكتوراه الفلسفة في الآداب تخصص اللغويات الأسلوبية 2008, تعمل أستاذة للأدب والبلاغة,حضرت وشاركت في عدد من الورش والندوات والمؤتمرات والملتقيات والمهرجانات الثقافية والفكرية, ونشرت في الكثير من المجلات والملاحق الثقافية في عمان والخليج والوطن العربي, صدر لها في الشعر : على الماء أكتب, بيروت, 2014, مراود الحلكة "شعر" وزارة الثقافة - مسقط 2008, خلاخيل الزرقة "شعر" دار المدى- دمشق 2004, هذا الموت أكثر اخضرارا "شعر" - دار الرؤيا مسقط 97, اما في السرد : فصدر لها مقامات الظل, مسودة حياة 1- بيروت 2014, دم دم ـات "نصوص سردية ومسرحية", دار نينوى, دمشق 2010, حفلة الموت "رواية" دار الآداب- بيروت 2009, وفي النقد صدر لها " المعنى خارج النص أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب", دار نينوى,2011 بالإضافة إلى الكثير من البحوث المنشورة, التفاصيل في الحوار التالي:
1.
من يعبر عنك اكثر النص الشعري ام الروائي؟
في الحقيقة أنظر للكتابة بشكل كلي وكبير، الكتابة كوعي
داخلي وعميق بالحياة والإنسان والكون، الكتابة كحالة وجودية جارحة تشغل ذاتي عن كل
ما سواها، وقد لا يطاولها في حضورها الخاص داخلي أي شيء آخر.
أما كيف تأتي الكتابة، أو كيف تتشكل فهذه فكرة أخرى،
النص غالبا يفرض ذاته بشكله وحضوره، ولعل الشعر هو صوت الإنسان الداخلي المتأثر
بالخارجي، أما الرواية أو السرد بشكل عام فهو صوت الخارجي متأثرا بالداخلي، لذا
فكلا الفنيين يعبران عني بشكل ما، فقط يظل الشعر الأقرب إلى الروح، الومضة الحية
التي تجترح المخيلة، وتثبت حضور الروح في النص حتى دون اشتغال كثير غالبا، هي روحي
المتشظية في الذات الكون والحياة.
2.
الحداثة الشعرية ورؤاها في نصوصك كم تقترب من الواقع
اليومي ؟
الحداثة ليست فكرة عليا ينبغي مطاولتها والنظر إليها
بتأليه فوقي، أو حتى صناعة الجسور والسلالم للوصول إليها سواء عبر اللغة أو عبر
الحياة، الحداثة وعي عميق بالداخل والخارج، التفاعل المستمر مع الوجود والموجودات،
الحداثة هي الجدة والتمرد على السائد، وخلق عالم جديد برؤى خاصة، هي لخروج على
المألوف، والتواصل مع أحدث ممكنات الوعي والإنسان ووسائل الحياة.
والحداثة حالة فكرية روحية عميقة، وليس إدعاءات مهلهلة
يدّعيها البعض ليثبت تقدميته، وتطوره الفكري واللغوي، في حين تقول ممارساته
الإنسانية عكس ذلك تماما. فاللغة هي تعبير عن الكامن من الروح والفكر، وبالتالي
فهي ينبغي أن تكون متسقة مع جوهر الإنسان وتصرفاته ووعيه.
واليومي "شعريا" يختلف عن اليومي الذي نعيشه،
الكثير من التفاصيل تحدث لنا كاستجبابات حتمية لحياة طبيعية، ولكنها ليست
شعرية، تمر بتراتيبية عادية وغير مدهشة،
ولا تصلح لكتابة نص، في حين قد يمر على الإنسان في لحظة ما من يومه الطبيعي في وقت
ما، ما يجرح كينونته الأعمق وروحه البعيدة فيكتب نصه فيها.
لا يمكنني أن أدعي الكثير حول الحداثة في نصي، أو حول
تقاربها مع المعيش واليومي بالنسبة لي، فلا يمكن أن ندعي أننا نقبض على فواصل النص
وممكنات حضوره بوعي تام، كثيرا ما يحدث النص بلا إرادة تامة، كثيرا ما يكتب العميق
منا، والعميق مشرّب باليومي والبعيد، والفيزيقي والماورائي، متشرب بتربيتنا،
وقيودنا، وأحلامنا، ومحاولات انعتاقنا، وإيماناتنا وقناعتنا والكثير منا .
3.
حدثينا عن اجواء روايتك "حفلة الموت"؟
حفلة الموت كانت محاولة سردية لكتابة المكان والإنسان
فيه بأقسى وأقصى ماهو معروف عنه، وماهو مسكوت عنهفي ذات الوقت، كتابة الوعي
المغيّب بأفكار جاهزة يتوارثها الإنسان العماني جيلا بعد جيل، مثل السحر والشعوذة
من جهة، والعبودية وظلم المرأة من جهة أخرى، كانت صرخة مدوية ضد كل ظلم وكل قهر
للإنسان باسم الطبقية والعادات والدين والجبروت الإنساني؛ لتحريك رواسب المجتمع
الثابتة تقريبا، وبالطبع كان الحب هو المخلص الذي أؤمن به شخصيا كسبيل للخلاص
الإنساني متى ما كان حقيقيا وصادقا.
ولقد أردت بقصدية حقيقية أن أبدأ في السرد من المكان
العماني، وبأكثر ما عرف عنه -مهما كانت الفكرة ضبابية وغير مقبولة- لأنه من المفترض كتابة المجتمع والإنسان من
أعمق نقطة فيه، فهذه وظيفة السرد.
4. هل من الممكن أن
نرى "دم دم ـات " على المسرح العماني او العربي يوماً خصوصاً
وانها نصوص سردية ومسرحية ؟
في الحقيقة أتمنى ذلك كثيرا، خاصة في الجزء الحواري
"المسرحي منها" ذاكرة الفراغ، فهي نصوص يمكنها- رغم غرائبيتها في الفكرة
أحيانا، ورغم كثافتها الشعرية العالية، وتجريديتها العميقة - الحضور المسرحي العميق
والمختلف، ولذا فهي تحتاج مخرجا مسرحيا ذا وعي تجديدي أو تجريدي عال ومختلف .
ولقد حدث يوما أن تواصل معي مخرج عراقي من كردستان،
مستأذنا في تمثيل نص "مردة الوهم" ولكن بطريقة البانتوميم، وأرسل لي
لاحقا صور بذلك.
ولكن رغم الفكرة الخاصة والعميقة في النص، إلا أنني
أعتقد إن لغته هي التي تمثل القيمة الحقيقة له. فـ "دم دمـ ات" كتاب يحوي مجموعة نصوص تتراوح بين الشعر والسرد
والمسرح، كتبت سردا بروح الشعر، وهي محاولة تفكيك الكثير من الحالات الإنسانية
الداخلية، والأفكار البعيدة، ومحاورة اللغة عبر أشكال جديدة، وهذه فكرة أحب
الاشتغال عليها كثيرا، اللغة كائن حي يعيد تشكيل ذاته بأشكال وآفاق أخرى، وبحيوية
ولذا على الكاتب التجريب دائما للوصول لذلك، الجمود الشكلي أو المضموني لا يليق
باللغة، اللغة كائن متجدد ومبهر في طاقاته وعلينا دائما محاورته ومحاولته بالعديد
من الأشكال والمضامين.
ونحلم دائما أن تحظى نصوصنا بقارئ مختلف، يأخذها لأبعد
مما كتبناه، ويضيف عليها من روحه ووعيه آفاقا أخرى، اكثر حيوية هاء، فهذه أيضا
ضمن طاقة اللغة وإعادة إنتاجها المستمر بين الكاتب والقارئ.
5. من خلال بحثك في
التجارب الشعرية العمانية الجديدة"، ما هي أبرز الموضوعات التي يشتغل
عليها جيل الشباب اليوم في عمان؟
الكثير من الأسماء والتجارب الشعرية العمانية الجديدة
تتقدم بوعي شعري عميق، وغير جاهز، محاولة برؤية وروية خلق عالمها الشعري الداخلي
الخاص والمتفرد، محاولة تجاوز ارتباكة البدايات، وعدم تقليد الأقدم منها من
التجارب، وهذه من وجهة نظري هي أساسيات الذهاب للمستقبل الشعري، فهم يكتبون من
داخلهم، وعن جيلهم، بوعي يخصهم كجيل جديد له أسباب ثقافية جديدة، ليس آخرها
الانترنت، جيل له عالمه وطموحاته المتفردة، تماما كما له أوجاعه وأحلامه المتفردة،
وعلى الجميع تفهم ذلك، واستقراء ذلك من
ذات النقطة التي يكتبون منها، من قلق العصر الذي يتسع حتى تضيق روح الإنسان، من
تمدد مدن الاسمنت، وتفكك العلاقات، وتقولب الانسان على نفسه، وغياب الكثير من
العادات والأفكار والقيم القديمة، من تقدمية الوعي لدى الشباب، وقوة المرأة وتفوقها
كند لا يستهان في كل شيء تقريبا، من طغيان المادي، وقلة التشفع بالطبيعة، وغياب
حميمية الذاكرة الجمعية، وطغيان ذاكرة الفكرة والفرد، من الهزائم الوجودية
المتوارثة في الوضع العربي والتي تتجلى في كل العوالم المحيطة بهم، ومن ألم
الإنسان أمام الطغيان والتسلط والظلم السياسي والديني.
كل هذا يشكل عالما شعريا لهؤلاء الشباب يتناولونه بشكل
ظاهر أو موارب في نصوصهم، ولكنه يشكل خلفيتهم الثقافية محور نصوصهم التي تحاول
الخروج على الذات، أو صياغتها في العام مع تقدم الوعي، وتبلور الذات الشاعرة.
6.
ماذا عن وضع المرأة المثقفة في عمان، حضورا
ونتاجات، ومشاركة ؟
المرأة في عمان الحديثة منحت كل الفرص للخروج من شرنقة
نظرة المجتمع العربي للمرأة؛ المحكومة بتصدير ديني جاهل أو جاهز وغير عميق لفترة
طويلة، على أنها "ناقصة عقل ودين"،
وأخذت فترة لتربي أجنحتها على الطيران والتحليق، وأخذ مكانتها في الحياة
تعليما وعملا، ومكانة اجتماعية وثقافية وسياسية.
ورغم صعوبة الأمر وعدم كماله تماما في مجتمع قبلي وأبوي
ذكوري حاد، ومتمترس خلف حصن حصين من العادات والتقاليد، الموشومة بصفة الدين
والأخلاق، إلا أنها نجحت كثيرا في تغيير تلك النظرة للمرأة، وبدعم حكومي جاد وضعت
ذاتها في موضع أهّلها لخوض غمار الحياة بقوة وتقدمية عالية، حتى نكاد اليوم لا
نلمح مشكلة كبيرة للمرأة في التعليم أو العمل أو السفر أو حتى الحياة الاجتماعية
إلا كحالات نادرة مشفوعة بالجهل أو بتعنت البعض، وسيكون الزمن كفيلا بالقضاء عليها
تماما.
والمثقفة في عمان أخذت دورها الطليعي في
الحضور الثقافي منذ زمن مبكر، كما كان هناك أيضا تراكمات تاريخية لحضور المرأة،
وفي الدولة العمانية الحديثة فُتحت كل
المنابر لها للمشاركة ونشر نتاجاتها، فليس هناك من عائق لحضورها أو تفاعلها مع
المشهد الثقافي .
ولدينا بالفعل نخبة من المثقفات العمانيات في الشعر،
والسرد، والمسرح، والنقد يساهمن في إثراء المشهد كل حسب تخصصها وفنها الذي تكتب
فيه، والموضوعات الخاصة والعامة التي تميل إليها، وتناولاتها الفكرية والإنسانية
الداخلية والخارجية، وبالطبع يتباين الأمر حسب الوعي، والعمق، والحضور الحقيقي.
7.
الشعر العُماني في رؤى النقّــــــــــــــاد هل وضع في
ميزانه الصحيح ؟
بالطبع لا، فعمان بلد خصب ثقافيا وشعريا منذ أقدم
العصور، وعدم الالتفات كثيرا لمنتجه الثقافي قديم أيضا، يتحمل هو جزءا كبيرا من
هذا التجاهل، ويتحمل الآخر جزءا أيضا، فطبيعة الجغرافيا التي حكمت على إنسانه
قديما بالعزلة -مع أنه جاب آفاق المعمورة تجارة، ودعوة للإسلام- منحته روحا شفافة
نقية ميّالة للتواضع والهدوء وعدم الميل للظهور والتسويق والدعاية، هذه الروح
المحبة للانزواء والصمت، والمحبة والسلام بتواضع وخلق جم (وليس في المطلق
طبعا) لا تتناسب وهذا العصر الفج والوقح،
والذي يميل للدعاية والإعلان في كل شيء من المادة حتى الإنسان، ومن الجسد حتى
الروح، هذا العصر الهاجم بوحشية ودموية
ومادية ودعائية فجة على جوهر الإنسان العميق والنبيل؛ جعل العماني (غالبا) يغيب
أكثر في صمته هروبا من كل هذا، وتمحورا حول ذاته لحمايتها من العنف والصخب
والضجيج.
ولدينا في عمان حالة ثقافية (شعرية وسردية) جادة وعميقة،
ولدينا أسماء وتجارب متحققة بعمق وقوة، تكتب وتنشر في صمت غير مبالية بالمعايير
التي تسوّق للشعر والأدب كمنتج في هذا العصر، ولكن العميق والحقيقي يظل، ويترسخ في
الوجود، وفي الحالة الثقافية العامة، ويظهر ولو بعد حين، والكثير منها معروف عربيا
وعالميا.
8. وفي ظل التغييرات التي
طرأت على العالم العربي مؤخراً .. برأيك
ما هي اكثر القضايا التي يعاني منها الإنسان العربي اليوم؟
الفقر والجهل، هي أهم قضايا الإنسان العربي منذ زمن وليس
الآن فقط، وهما محركا الربيع العربي الأساسيان، وهما جوهر الثورات العربية،
ومحورها، والتحرر منهما هي غاية الغايات. وللأسف فالأمر ليس سهلا فهما صناعة
خارجية وداخلية، وربما زراعة بكل وسائل الاستزراع الحديثة، والرعاية الواجبة،
فالجهل والفقر يعضدان بعضهما من جهة، ويسندان كل قيد وظلم وتخلف، وكل سلطة غاشمة،
باسم الدكتاتورية أو الدين أو أي مسميات
جديدة، ويحولان دو أي محاولة للتحرر من جهة أخرى.
ولذا على الشعوب العربية أن تدرك ذلك جيدا، وتركز على
قيمة الإنسان وممكنات الحية الكريمة، ووعيه، وثقافته، بالعصر والوجود. لأن الإنسان
إذا كان واعيا متجاوزا قوت يومه، سيكون حرا من الداخل، ويدرك حقوقه، ويستطيع المطالبة بها، ولن يستطيع
أي أحد كائن التحكم فيه، وتقرير مصيره.
9.
ما الجديد الذي تعملين عليه الآن؟
الكتابة بالنسبة لي مشروع حياة، ولذا أنا أكتب دائما،
ودائما هناك جديد ربما سيحضر يوما ما في كتاب.


تعليقات