التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا



جريدة عمان - ملحق شرفات
10-11-2013
فاطمة الشيدي

1.
يعيش الكثير منا اليوم حياة موازية لحياته الطبيعية، هذا إذا كانت هناك أصلا حياة طبيعية مفترضة،  ذات معايير محددة سلفا، فلكل شخص حياته الخاصة بطبيعتها ونظامها وتركيبتها النفسية والاجتماعية والمهنية الخاص به وحده، ولكن خارج هذه الحياة، هناك الحياة الافتراضية، أو الحيوات الرقمية التي نعيشها جميعا في عوالم الضوء، وشبكات التواصل الاجتماعية، بدءا من الواتس الأب مرورا بالفيس بوك، وليس نهاية بتويتر والانستجرام وغيرها من العوالم الرقمية.
ولا يستطيع أحد منا أن ينكر أهميتها في حياته، هذا إذا لم تكن حياة كاملة للبعض أو أكثر أهمية من الحياة الطبيعية. فالكثير منا أصبح متصلا بعمق بتلك الحيوات، إذ يعيش الجانب الأهم من حياته ضمنها، يشكل صداقات ومعارف، سواء كان يعرفهم في العالم الطبيعي الواقعي، أو لا يعرفهم، صداقات قائمة على الفكر والإبداع، ومتعالية على فكرة المكاني الجغرافي، واضطرارات التعامل اليومي، وعلى الكثير من الحيثيات الحياتية، مثل المجاملات السمجة.
ففي العوالم الافتراضية تجد نصاعة الاختيار، خارج حاجات وضرورات التعامل اليومي والحياتي ضمن عالم محدود، تشعر بضرورة التعاطي ولو نسبيا معه، مهما كثرت أمراضه، وتفاقمت علله؛ لأنك تعيش فيه، ولكنك هناك تقرأ وتفكر وتحكم بحرية، وتختار بوعي وإيمان، ويبقى التعامل محدودا، والتسيّد الأساسي لروح الفكرة، وعمق النص، وجماليات الإبداع.
2.
مات أحمد فؤاد نجم؛ شاعر العامية المصري، الشاعر الذي ربى الكثيرون ذائقتهم السياسية الرافضة على حسه الشعري، وتغنى الوطن العربي من الماء إلى الماء، بقصائده مع الشيخ إمام، الشاعر العفوي والبسيط، والبعيد كل البعد عن حذلقة المثقفين، وفذلكة الثوريين، وهيمنة الشعراء، البسيط كأي رجل شارع مصري، الشاعر الذي لم يهادن، ولم يستسلم، وظل متمسكا بموقفه الثوري، منحازا للشارع والإنسان البسيط بفقره وأوجاعه وآهاته، في كل مراحل حياته، حتى فاضت روحه الكريمة لبارئها  لذا لا عجب أن بكاه الجميع من الماء إلى الماء، فمن يخلص لفكرة إنسانية عظيمة، ويذهب في مداها حتى آخر قطرة في دمه، يستحق الاحتفاء والتقدير.
ذهب النجم لمكانه الطبيعي، فالنجوم مكانها السماء، أما ضوؤها الذي يوسع شريان الأرض بالحرية والجمال، فلا شأن للموت به، فهو يظل يمارس عمله بهدوء وثبات. رحل هو، وظل شعره محرضا على الثورة والإنسانية والعدالة، وظلت مواقفه خالدة في ذاكرة الإنسان العربي، وفي صفحات النضال والوعي الإنسان. ليقرأ أكثر ويسمع أكثر كما يحدث عادة مع الخالدين.
3.
تقف الحرية على رؤوس أصابعها لتطاول الغياب، والأرض المعشوشبة بالرؤوس والدبابيس والقلق، تبكي بصمت، هي تعرف حراس الأحلام والضوء، وتؤمن بالعدالة أكثر من الموت؛ لكنها تبكي إذ تتصنع الحنجرة السمراء الحشرجة بعد أن صرخت طويلا وقويا في وجه الظلم والتمييز وقهر الإنسان، ويتصنع الجسد الذبول بعد أن قاوم بصدق ووعي وجهد خارق، ليدخل في أذن التاريخ الواسعة، ويبدأ في قص الحكاية الطويلة لرجل عاش حياته من أجل فكرة الحرية والعدالة والإنسانية، ومن أجل أن يحظى شعبه بحق الحياة والكرامة، و تنبري اللسن والأعين للقراءة العالية لرمز تاريخي للنضال والصبر والشجاعة والمقاومة.
تبكي الأرض بجسدها الكروي كاملا من الشرق للغرب، ومن الشمال للجنوب، تبكي بكل حبة رمل في التراب، وقطرة مطر في الغيوم والأنهار والبحار، وكل ورقة في الشجر، ونسمة في الهواء، إذ يرحل “نيلسون مانديلا” عن هذا العالم، ويبكي البشر وتبكي السماء، إذ يرحل من وسع في شرايين الكون فسحة حقيقية للحرية، وأمد العالم بروح العشق والثورة والبهاء عمره كاملا.
تبكي الأرض، ولكنها تتماسك وتردد بهمس؛ أيتها الحرية؛ وسعي مدخلك ورئتيك، فثمة عالم كثير استوعب درس المعلم واستلذ فعله، ومريدوك لا ينضبون مادام هناك ظلم وقيد وجهل .واقرئي الرحمة والسلام على روحه العظيمة، وعلى جميع الأضواء المغادرة لتفسح الطريق للقادمين، فالطريق طويل والظلام أيضا!
4.
جاء فوز الشاعرة الإماراتية ميسون صقر بجائزة كفافيس للشعر، فوزا وتكريما رائعا لها وللشعر وللمرأة، ففوز ميسون صقر ليس فوزا ذاتيا لشاعرة جميلة عاشت وسط القصيدة عمرا كاملا، غذتها من روحها، وسقتها من دمها عطرا وجمالا ومحبة، عاشت بها ولها، وسافرت وأرقت وكبرت معها وفيها؛ فقط ،  ولكنه أيضا فوزا مستحقا للشعر، الذي أقصاه القارئ والناشر العربيين، وقدموا عليه شقيقته الحكاية، وقلّ الاحتفاء به، وقلت الجوائز والمحافل التي تهتم لشجنه، وحناناته المرهقة، وهو فوز للمرأة العربية التي جعلها المثقف والجمهور الذكوريين خارج حدود التميز، وربما أقل من صفة الإبداع ذاتها، فكم أقصيت من النساء، وكم حوربت من المبدعات، وهو فوز للمبدع الخليجي الذي لا تزال الثقافة العربية تراه خارج المركزية الثقافية، وبعيدا عن الحضور الفعلي لدور الثقافة في التغيير والبناء الفعلي للمجتمعات، وصناعة الإنسان والفكر والوعي والخلود الإبداعي خارج ثقافة المال والمهرجانات الجاهزة.
إنها فكرة متصلة الذيول، وجائزة مستحقة لشاعرة حقيقية.
5.
أ.
كنت “وما زلت إلى حد ما” أؤمن أن المبدعين والشعراء تحديدا؛ رسل السلام والمحبة والحرية في هذا العالم، الممتلئ بالحروب والشر والقيود والغباء، بل وأظن “برومانسية وشطط” أن القبيلة الجاهلية كانت تحتفي بميلاد شاعر لهذا السبب تحديدا، لأنها ستواجه الصحراء الكامنة في النفوس بالقليل من المطر وستواجه القيظ الطويل بظل نخلة سامقة .
ب.
لا يحتاج الشاعر إلى أشياء البشر الصغيرة، ولا يخوض حروبهم التافهة، لأن عليه أن يكون ممتلئا من الداخل بالجمال والحب فقط.إنه مترفع بلا جهالة التكبر، وعميق كالجرح وليس كالسكين، يسكن أعلى الشجر والسطوح غير المرئية، يؤمن بالروح وبالحرية فقط كأعمق ما وهب الله للإنسان ليجعله لائقا بالتميز.
ج.
الشاعر الأوسع من كون يستوعب كل ما حوله، يأخذ ما يميل له، ويترك للآخر أن يأخذ وأن يترك أيضا؛ فالإبداع هبة مقرونة بالنبل والحرية والاتساع غير المشروط والإنسانية الظليلة كغابة وافرة الشجر والماء تستوعب كل شيء بامتنان أم، ووعي سماء .
د.
لا يوجد مبدع كبير، ومبدع صغير إلا من حيث عمق الرؤية ونبل الروح، الكتب الكثيرة ليست معيارا حقيقيا، الترهات غالبا كثيرة، والهذيان سمة الممسوسين أكثر من المبدعين، والكتب القليلة ليست معيارا أيضا فالشلل قد يصيب الروح قبل الجوارح. والحضور والشهرة والاحتفاءات المجانية والجوائز والمهرجانات هي وسيلة قتل بطيء للإبداع، يقابلها المبدع الحقيقي غالبا بالهروب للظل والعزلة الداكنة، ونفض غبارها المؤقت بالكثير من التأمل والصمت.
هـ.
الوعي العميق لا يحدث ضمن الإبداع فقط، هناك وعي أكثر اجتراحا للحكمة، وأكثر امتثالا للتأمل الكوني الجارح في الحياة وبين الكثير من البشر خارج الكتابة.
ز.
الحكم الإبداعي نسبي، ومشفوع بالرؤية الذاتية مهما كانت موضوعية الحكم، وثقل رؤية وتجربة من أطلقه، فما قد يراه البعض جميلا، قد لا يراه البعض كذلك، والعكس جائز دائما.
ح.
الإبداع ثقل كبير يجعل من صاحبه ثقيلا محفوفا بالهدوء والتواضع، وبطء الخطوة وعمق التأمل، والغرور خفة وارتباك في الرؤية العميقة لحقيقة الأشياء لا تليق بالمبدع.
ط.
يزيد عدد من ينتمي للإبداع كل لحظة، وينقص عدد المبدعين الحقيقيين بالتوازي مع ذلك أيضا.
ك.
النميمة الثقافية هي حالة جهل وقبح في الأوساط الثقافية العربية، تربَّت بلا وعي عميق لقيمة الإبداع وأثره في الرقي الإنساني، في مجتمعات مريضة بالعتمة والنفاق وكل الأمراض الاجتماعية .
ل.
المبدع “الكبير” هي حالة سلطوية قادمة من مناطق الدين والسياسة، في المجتمعات القائمة على الأبوية والتبعية، يجر إليها الإبداع بلا تفكيك عميق للمفاهيم، والزاوية الواحدية للرؤية الإبداعية، وتكفير ما دون هي حالة جاهزة من النرجسية المتوارثة ضمن فكرة السياسي والديني ” هذا من شيعتي وهذا من عدوي”. والقمة هي حالة متوهمة في الحالة الإبداعية العربية، يسعى الجميع لها، وقد يضع كل مبدع نفسه في قمتها، وهي غير موجودة أصلا، وليست أكثر الأوهام الثقافية حضورا وإثارة للشفقة . والأصنام الثقافية هي امتداد للثقافي ضمن الديني والسياسي أيضا، فصناعة الأصنام هي صناعة التبعية والأوهام والسجود والانحناء والطواغيت.
م.
الخجل الإبداعي هو جوهر الإنساني العميق في المبدع، المتمثل في التواضع الشفيف القائم على احترام تجارب المبدع الأسبق، واجتهاداته وما بذله من زمن وجهد ضمن فعل الإبداع المضني.
ن.

وفقط المحبة والحرية والإيمان، ثمار الروح الطيبة، ولوحها النقي الصالح للإبداع.