فاطمة الشيدي
22 ديسمبر 2013
جريدة عمان ملحق شرفات
22 ديسمبر 2013
جريدة عمان ملحق شرفات
في الثاني عشر من ديسمبر حلّت ذكرى رحيل الشاعرة فدوى طوقان عن هذا العالم الفاني، بعد رحلة قضتها في النضال ضد المحتل والكتابة والشعر، والرفض للمجتمع التقليدي ونظرته للمرأة، ومحاورة الحرية الداخلية للإنسان، والخارجية ضد المحتل، جاعلة حياتها قلما، وروحها وردة جبلية، أو ضوءا يخترق العتمة، ويهدي الذاهبين في مسارات الوجود الخاص والهش، ذهبت تاركة ثمانية دواوين وذاكرة خصبة من الشعر والعشق للأرض والكون والإنسان. فيكتب على قبرها قصيدتها المشهورة:
كفاني أموت عليها وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشباً على أرضها
وأبعث زهرة إليها
ولدت الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان في مدينة نابلس سنة 1917 لعائلة عريقة غنية ومحافظة جداً، وتلقت تعليمها الابتدائي، ولم تكمل مرحلة التعليم التي بدأتها في مدارس المدينة، فقد أخرجت لأسباب تتعلق بانغلاق المجتمع ونظرته الضيقة للمرأة، وشكّل حرمان فدوى طوقان من التعليم جرحا كبيرا في ذاكرتها وروحها، حيث كان هذا الحرمان حرمانا من الحب والتعليم مرة واحدة، وفي كتابها "رحلة جبلية، رحلة صعبة" تستفيض في الحديث عن ذلك بأسى وحزن ووجع لكل ذلك الظلم الذي حدث بقوة ومرة واحدة، تقول: " كان غلاماً في السادسة عشرة من العمر. ولم تتعد الحكاية حدود المتابعة اليومية في ذهابي وإيابي. فما كان لمثلي أن تزوغ يميناً أو شمالاً. كانت الطاعة من ابرز صفاتي. وكنت مسكونة دائماً بالخوف من أهلي. كان التواصل الوحيد الذي جرى لي مع الغلام هو زهرة فل ركض إلي بها ذات يوم صبي صغير في (حارة العقبة) وأنا في طريقي إلى بيت خالتي. ثم حلّت اللعنة التي تضع النهاية لكل الأشياء الجميلة.
كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخي يوسف ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة: (قولي الصدق)..وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الأثقال.
أصدر حكمه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي، كما هددني بالقتل إذا أنا تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.
قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلة، لا أكاد أصدق ما حدث. ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم"
إلا أن عودة أخيها إبراهيم طوقان بعد أن أكمل دراسته كان الفرج الإلهي ويد القدر التي رسمت لها حدودا أوسع مما تتخيل لتصبح من أشهر شاعرات العربية، حيث كان الأخ الأحب إليها، وكان يحنو عليها منذ الصغر وفتح لها بابا للمعرفة والشعر، وكانت تحبه لجرأته وانفتاحه وطيبته، لذا أصبح أستاذها ووهب لها بابا جديدا للولوج للحياة، فقد بدأت في تعلّم الشعر ونظمه على يديه، ثم إلقائه في ملتقيات ثقافية، ومن ذلك الباب عادت لها الحياة مرة أخرى تقول " ها أنا أعود إلى الدفاتر والأقلام والدراسة والحفظ. ها أنا أعود إلى جنتي المفقودة. وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلألأت بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء. خط التلميذة في الثالثة عشر من العمر الاسم- فدوى طوقان الصف - شطبت الكلمة وكتبت بدلاً مكنها "المعلم" : ابراهيم طوقان"
توفيت فدوى طوقان عام 2003 تاركة ذكرى عبورها وخلودها على هذه الأرض شعرا وأوسمة وكتبا منها المجموعات الشعرية: ( أنا وحدي مع الأيام، دار النشر للجامعيين، القاهرة 1952م - أعطني حبا ً- أمام الباب المغلق- الليل والفرسان، دار الآداب، بيروت، 1969م- على قمة الدنيا وحيدا ً- تموز والشيء الآخر- اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م)
وكتبا نثرية هي: (أخي إبراهيم، المكتبة العصرية، يافا، 1946م- رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) دار الشروق، 1985م- الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية) دار الشروق، عمّان، (1993) ترجم إلى الفرنسية.)
تميز شعر فدوى طوقان بأنه كان صرخة قوية ضد المحتل، وقصيدة خالدة للإنسان والروح
ولذا فإن أبرز اتجاهين في شعر فدوى طوقان هي:
- صرخة رفض ضد المحتل: فقد تأثرت فدوى طوقان باحتلال فلسطين بعد نكبة 1948، وخاصة بعد احتلال مدينتها نابلس خلال حرب،1967 فذاقت طعم الاحتلال والقهر وانعدام الحرية، وشاهدت الظلم جليا في الكون، وسمعت روحها ثم قصيدتها فيما بعد أنين المظلومين، وقهر المشردين، وموت الشهداء وجسدته في كلمات ثائرة وحرة وغاضبة.
- صرخة المرأة ضد المجتمع: هي التي ولدت ونشأت في مجتمع تقليدي تحكمه التقاليد والعادات البالية، حيث المرأة بلا حرية ولا حقوق يتحكم المجتمع، والأسرة في تعليمها وزواجها، وحقها في المشاركة في الحياة العامة، لذا كانت قصائدها ثورة ضد الظلم والتمييز الاجتماعي ضد المرأة، تدعو فيها إلى تحرر المرأة وإعطائها حقوقها واحترام حقها في الحياة والحضور والعطاء في كافة الميادين الثقافية والإجتماعية والإنسانية والعلمية.
وتميز أسلوبها بالبساطة في اللفظ والعمق في المعنى، والتعبئة الروحية والنفسية للألفاظ بكل المشاعر والأحاسيس التي تتدفق في الروح، فهي صاحبة رسالة إنسانية تريد أن تصل للإنسان فيستوعبها ويستشعر صداها في روحه.
تقول في مواجهة المختل في رسالة مباشرة وجريئة:
أتغصب أرضي؟
أيسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا
أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة
أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة
وتقول في قصيدة "لن أبكي" موضحة رفض الإنسان الفلسطيني لهذا الظلم والوقوف ضده بكل عزيمة وقوة، ودون خذلان وتخاذل أو هزيمة وانكسار:
على أبواب يافا يا أحبائي
وفي فوضى حطام الدور
بين الردمِ والشوكِ
وقفتُ وقلتُ للعينين :
قفا نبكِ
على أطلال من رحلوا وفاتوها
تنادي من بناها الدار
وتنعى من بناها الدار
وأنّ القلبُ منسحقاً
وقال القلب : ما فعلتْ
بكِ الأيام يا دارُ ؟
وأين القاطنون هنا
وهل جاءتك بعد النأي، هل
جاءتك أخبارُ ؟
هنا كانوا
هنا حلموا
هنا رسموا
مشاريع الغدِ الآتي
فأين الحلم والآتي؟ وأين همو ؟
موضحة الظلم الذي عاشه الإنسان البسيط على أرضه، بأن ينتزع منها انتزاعا ويخلف مكانه للصدى والذكريات.
ورغم كل هذا البعد النضالي والقضية التي شغلت فدوى طوقان، إلا أن روح المرأة العاشقة والمتألمة والمغرقة في الحلم والألم معا، كان حاضرا وبقوة في قصائدها، فنجد الحبيبة العاشقة، ونجد المرأة المغدورة المتألمة، والمرأة الحائرة بكل نجواها وحنينها:
تقول في رسم صورة للغياب والفقد للمشاعر:
لقيتك أمس، ولكن عينيّ
أنكرتاك، فلم تعرفاك
ورحت أسائل قلبيَ عنك
وهل مرّ حقاً عليه هواك
تلمّست جدرانه علّ فيها
بقايا غرام بقابا صور
فما نبضت من غرامك ذكرى
هناك، ولا لاح منه أثر
وحين مددت يدك إليّ
تصافحني، كنت أي غريب
ورحت أمدّ إليك أصابع
مات الشعور بها واللهيب
وحين تعثّر اسمك في –
شفتيّ وأرسلته في صعوبة
بدا باهتا لا جمال
يلوّنه، لا صدىً، لا عذوبة
أحقاً حببتك يوماً؟ وكيف ؟
4.
لا تزال الذاكرة مشتعلة بفدوى طوقان كامرأة شاعرة، وكشاعرة قضية، وهي ذاكرة قديمة مؤرخة بإحدى المراحل الدراسية، حيث كانت قصيدة "حمزة" مقررة في منهاج اللغة العربية وهي لا تزال على قيد الذاكرة:
"كان حمزه
واحدا من بلدتي كالآخرين
طيبا يأكل خبزه
بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبين
قال لي حين التقينا ذات يوم
و أنا أخبط في تيه الهزيمة
اصمدي لا تضعفي يا ابنة عمي
هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمة
والتي تنكمش اليوم بحزن وسكوت
هذه الأرض سيبقى
قلبها المغدور حيا لا يموت
هذه الأرض امرأه
في الأخاديد وفي الأرحام سر الخصب واحد
قوة السر التي تنبت نخلا وسنابل
تنبت الشعب المقاتل"
تلك كانت البداية الأولى لتعرفي على فدوى طوقان، إحدى الشاعرات اللواتي تركن بصمة في الروح والذاكرة معا، وفي عام 1999 كنت يومها أظنني كبرت، لأنني كنت أعد بحث الماجستير وعلى وشك أن أناقشه أيضا، ولي إصدار شعري وهن، حين سمعت أن فدوى طوقان في عمان، سأراها إذن، سأرى صاحية الكلمات دما ولحما، تقلّص جسدي حتى عدت تلك الطفلة التي كانت هناك تفتح عيونها وفاهها دهشة، وهي تتأمل تلك الصورة المدهشة والمؤلمة لحمزة، طفلة بضفيرتين فاحمتين وخجل كثير يمنعها من طلب صورة مع امرأة تسكن قلبها وذاكرتها عمرا طويلا، طفلة تحايلت على خجلها ومدت يدها مصافحة لها بكل محبة وإكبار (وهي التي كانت تتمنى أن تعانقها عناق أمومي وربما تبكي في أحضانها بحرقة تشبه الشعر والحلم والانكسار والثورة معا) موضحة لها أنها تشكر الرب أن أتاح لها هذه الفرصة لتسكن صداع الحنين لهذه الروح، وأنها تسكن روحها وذاكرتها كما تسكن ذاكرة الشعر العربي.
وحين ماتت فدوى طوقان شعرت فعلا باليتم، لذا كان نصي يومها مرتبكا، وهشا لكنه قال قليلا مما سقط في غفلة الروح من الدمع والحزن .