التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

نجيب محفوظ

فاطمة الشيدي
 20 ديسمبر  2013
شرفات -جريدة عمان 

- لو لم نصل للمعنى العام لا جدوى لكتاباتنا.
- علاقتي بالنص تنتهي لحظة أن أسلًمه إلى المطبعة.
- العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها.
- المرأة أهم رابطة تربطنا بالحياة.
- الحرية ذلك التاج الذي يضعه الإنسان على رأسه ليصبح جديرا بإنسانيته.
"نجيب محفوظ"
يحتفل العالم هذه الأيام بالذكرى المئوية لنجيب محفوظ الكاتب، والروائي العربي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل، حيث يسلّط العالم أضواءه على الكاتب الكبير في احتفاء مستحق لتجربة خالدة في الوجدان البشري، والعربي خاصة مع توالي مخاضات الربيع العربي في المحروسة التي يحاول أبناؤها الحفاظ على ملامح ثورتهم.
ونجيب محفوظ الذي ولد في 1911، ورحل في 2006، عاش حياة حافلة بكل شيء من البساطة والمحبة والهدوء، والبعد عن الأضواء، فالتجاهل والإهمال والفقر، والعمل في أكثر من وظيفة حتى الكره والحقد والتنكر الإنساني والأخوي له، فمحاولة الاغتيال الحاقدة باسم الدين والدفاع عن الأخلاق والقيم، فالتكريم العالمي الذي توّج بجائزة نوبل، كما ترك إرثا ثقافيا وحضاريا كبيرا يستحق معه سمة الخالدين.
فمن يقرأ حياة نجيب محفوظ لا يجد سرا، ولا نبوغا ولا تفوقا ولا تميزا عن أي إنسان عادي إلا فيما يخص عشقه للكتابة وإخلاصه لها، فلقد عاش في حي من أحياء القاهرة، ينتمي لأسرة متوسطة ويعيش حياة بسيطة تبدأ من كونه أصغر أخوته، حتى إكمال دراسته الجامعية، ومساندة أهله والتكفّل بمساعدتهم في ظروفهم المعيشية التي لم تكن ميسورة بطبيعة الحال.
ولعل هذا تماما هو سر تلك الخلطة الفنية في كتاباته، وذلك الاقتراب من الإنسان بشكله البسيط واليومي والهامشي، ذلك التماس الحقيقي والتعالق الطبيعي والمباشرمع الشارع والإنسان، هو الذي مكّنه من خلق عوالمه النصية الروائية بذهابها في لحم وعظم المجتمع، بتفاصيلها المغرقة في الإسهاب والإطناب، والموغلة في التفاصيل بدقة وتأنٍ وحنكة.
كان نجيب محفوظ يكتب في المقهى، بل كان يعيش فيه، ويرسم فيه تفاصيل وأحداث وشخصيات رواياته وقصصه، إن هذا القرب والتمازج الإنساني مع روح المكان وروح الإنسان، مع همومه ومشاكله وتفاصيله وملامحه كان هو سر نجيب محفوظ، إنه يكتب من ذات النقطة تماما حيث الأرض والإنسان، لا من نقطة أعلى قليلا، وكأنه يحمل في مخيلته وقلمه عدسة تصوير جبارة تجعله يلتقط التفاصيل بدقة، ويدونها بحرفة حكّاء شهي يجيد السرد ورسم الملامح والوقفات والصمت.
لم يكن يكتب بقدر ما كان يحكي، ولم يكن يبدع بقدر ما كان يرسم ويصور، ثم يعيد تشكيل كل تلك الصورة الرهيبة الواضحة بأحزانها وأوجاعها، بجبروتها وآلامها في تشكيل لغوي آخر مختلف، بسيط، وقريب، كامل وناقص، باهت وواضح، كل شيء تجده في صفحاته وكتاباته، لذا لا عجب أن يحبه الجميع، ويقرأه الجميع، رجل الشارع قبل المثقف، والمرأة قبل الرجل، إنه يكتب عنا، يكتب ما يشبهنا، ما يعنينا ويربكنا، عن خفقة القلب الأولى، عن تعلق الأم المرَضي بطفلها، عن جبروت الرجل الشرقي وضعفه في نفس الوقت، عن تلك الثنائيات والفصامات الحادة والموجعة في مجتمعاتنا المتجمّلة والمنافقة، ولكنه يملك السكين التي تصل للعظم فيكشفها، يكتب عن السياسة كما يكتب عن الحب، ويكتب عن المرأة كما يكتب الرجل .. إنه ببساطة يكتب الحياة كما هي دون رتوش ودون تلميع.
كانت كتابات نجيب محفوظ بمثابة الدرس السردي الأول للكثيرين منا، أو متعة القراءة الأولى حيث لم ينج أحد في بداياته من الاشتباك مع حكاياته وقصصه، كما لم ينج من الإعجاب بأحد قصصه الواقعية ورسوخها في الذهن، ولاشك أن القارئ لنجيب محفوظ يخرج بثلاث ملاحظات:
أ. رهافة الحس، وعدم تعمد البلاغة:
فالشيخ الذي شغل العالم بحكاياته وقصصه لم يكن يميل لتجميل اللغة، ولا صناعتها، كان يكتب برهافة وردة تعانق الصباح على مرأى من الكون، بلا تجمل ولا خفاء، يكتب عن الأرواح والأجساد، عن الحب والخطيئة، والسياسة والفقر في ذات الوقت، يقول كل شيء بلا مبالغات ولا بلاغات، يكتب وهو يشعر بكل كلمة يقولها لذا تنتقل روح الكتابة لكل من يقرأها بكلها، يكتب بلا تعقيدات لغوية جاهزة، وبلا مزايدات على البلاغة والصورة والتقنيات الفنية التي يعمد إليها البعض .. يكتب كما يريد وكما يجيد فلكل شيخ طريقة، وهذه هي طريقته.
ب. الواقعية الاجتماعية:
كان المجتمع والشارع والحياة هي أمهات بنات أفكار نجيب محفوظ، لم يكن يبحث عن طاقات ذهنية، ولا حالات فلسفية تولد لديه قصصا وحكايات وشخوصا وحبكات، إنه يتأمل ما يحدث في الحياة والشارع فتأتي لها الفكرة طواعية، فيأخذها إليها، يطوّع جمالها لصالح قصته، ويشذب رعونتها لتجلس على ناصية حكاياته ولغته، كل شيء خرج من هناك، ولذا كل شيء كان يصل بسلاسة وصدق.
ج. البعد النفسي:
كانت بعض قصصه ورواياته تميل لسبر أغوار النفس وتقصّي ارتباكاتها، وفضح عقدها، في محاولة تحليل قصصية للجوانب المظلمة في الأعماق السحيقة للذات، ضمن الحبكة الواقعية، وهي ليست كثيرة على كل حال.
ولعل ما يعبر عن فكر نجيب محفوظ، عن حبه للإنسان، واقترابه منه، عن تلك العظمة الروحية التي تجعله ينتمي لأرضه وعالمه البائس الفقير، انتماء المحب الناقد في ذات الوقت، انتماء يصدّر معه في أكبر محفل ثقافي في حفل تكريم جائزة نوبل أفكاره وأحلامه وأحزانه وثمرة تجربته عن العالم العربي، وأوجاعه وآلامه والقيود التي يرزح تحتها، ليوجه أنظار العالم إليه، ولطلب مساعدته، والخروج به من نفق الظلام، إنها روح المنتمي للأرض وللإنسان وللثقافة العربية بكل أحلامها وإحباطاتها وبكامل أرضها الحرة والمغتصبة، كوحدة إنسانية وفكرية وثقافية واحدة، تحمل أوجاع بشر ينتمون لذاكرتهم وثقافتهم ولغتهم كما ينتمون لأرضهم، يقول:
"لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجــد من فـراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون في أفريقيا من المجاعة. وهناك في جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفى الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة ـ رجالا ونساء وشبابا وأطفالا ـ تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا في السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين فى السلام الشامل العادل أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصا؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فأنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره وفى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن نتلاشى أنات البشر فى الفراغ. لا شك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب. وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعى فعل المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقى"
كان نجيب محفوظ متفائلا في حياته وكتاباته وفكره وسيرورته في حياته كلها رغم كل الاحباطات، كان متفائلا في تغيير مصير العالم والإنسان كل بطريقته، وبقدرته وبوعيه، التغيير الذي يبدأ من الكلمة كفعل حقيقي وقادر على إعادة رسم الكون بشكل أجمل، والإنسان بوعي أكثر. وكان مؤمنا بالإنسان كمحرك لهذا الكون، والمثقف كفاعل في التصدي للأمراض الأخلاقية في المجتمعات، لأنه أدى هذا الدور كثيرا ودفع ثمنه من روحه وحياته .. عاش مؤمنابه .. ومات مؤمنا به.. وخلد مؤمنا به.
ذهب نجيب محفوظ تاركا لنا إرثا ثقافيا كبيرا، وكتابات لا يمكن للثقافة العربية سوى الاحتفاء بها؛ منها فقط :" مصر القديمة- همس الجنون- عبث الأقدار- رادوبيس- كفاح طيبة- القاهرة الجديدة- خان الخليلي- زقاق المدق- السراب- بداية ونهاية- بين القصرين- قصر الشوق- السكرية- اللص والكلاب- السمان والخريف- دنيا الله- الطريق- الشحاذ- بيت سيئ السمعة- ثرثرة فوق النيل- أولاد حارتنا- ميرامار- تحت المظلة- خمارة القط الأسود- حكاية بلا بداية ونهاية- شهر العسل- المرايا- الحب تحت المطر- الجريمة- الكرنك- حكايات حارتنا- قلب الليل- حضرة المحترم- ملحمة الحرافيش- الشيطان يعظ- قشتمر"
تاركا لنا فكره عن تمجيد الإنسان والمحبة والكتابة، كدرس خالد ومستعاد لكل من يريد السير على نهج الشيخ وطريقته. 

تعليقات