التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

رسائل إلى أمي

 
فاطمة الشيدي
 

أنا حزينة اﻵن يا أمي؛ ليس تماما لأنك مريضة
ولكن لأنك حين تمرضين تمرض الأرض
 يصبح الكون قفرا بلا أنهار ولا حقول
وتنهض الشمس موجوعة بآلام المفاصل والعظام
ويكتئب القمر في وحدته الدائمة
وتنكّس اﻷشجار رؤوسها
ويختنق الهواء
وتصبح اﻷشياء باهتة بلا ألوان حقيقية
والقلوب لاهثة كالمستغيث في الجحيم بالرحمة والمغفرة

 حين تمرضين تمرض اللغة أيضا
وتصاب ذاكرتي بالحمى والصداع
ويتحشرج الشعر في أصابعي
ويختض الكلام -مهنتي الوحيدة - كالمحموم في حنجرتي

حين تمرضين يا أمي تنكرني ارصفة البلدة العتيقة
ولا يأبه بي البحر الذي تتكدر زرقته فجأة
ولا تعود تتذكرني السماء
ولا يعرفني بائع الأزهار الذي يضيف لباقتي كل مرة أزوره فيها زهرة بيضاء كبيرة
ولا المرأة التي تبللني بالدعاء كلما قابلتها محض صدفة
ولا المجنون الذي يشرب من عينيك ثم يبتسم لطفلتك
وتلتف الشوارع على ذاتها في شكل أفعواني حزين بلا بدايات ولا نهايات
 ويجف المعنى وتتكسر الكلمات

2.
يا أم؛  أخلع قلبي كحذاء رخيص
أضعه تحت قدميك تماما
هناك حيث الجنة التي هي أنت لا أكثر
أبعثر خوفي في الفضاء
أقصقص أذيال اﻷفكار الشريرة
التي تطعنني في الرئة كمسامير
أجعلها تركض خجلة كثعالب صغيرة
أتذكر رأسي الثقيل خفيفا على حجرك
أتذكر دموعي تسيل على ركبتيك
من لهذا الحزن الصدئ الذي هو أنا إلا نهرك يغتسل به؟!
من لهذه الشجرة التي تنهبها العواصف كل ليلة إلا أرضك الرطبة؟!
من للمسافات التي تركض عارية في كوابيسي؟
من للقلق الذي يسعل عند مفترق العمر كعجوز مصدور
ويعوي كذئب وحيد في غابة العمر
 فانتشلي دمى طفلتك البليدة
 وأقيلي عثرتها
وقومي

تعليقات