التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

كتاب «الأنوثة الساردة»

  


للباحث العراقيّ رسول محمد رسول قارئاً في المتخيّل الروائيّ الخليجيّ سيميائيّاً مدارات سرديّة تلهث فيها المرأة الكاتبة التي تعيش صراعها الأبديّ مع الجسد وسلطة الرجل 
«مع بداية القرن الحادي والعشرين أو مطلع الألفية الثالثة تكون الرواية في منطقة الخليج العربي قطعت أشواطاً طويلة صوب خلق مشهد إبداعي متخيَّل يمتلك شروط التعبير عن هوية المرأة في هذه المنطقة بالعالم». بهذا يفتتح الباحث العراقي الدكتور رسول محمد رسول كتابه الجديد «الأنوثة الساردة: قراءات سيميائية في الرواية الخليجية» الصادر لدى «دار التنوير» في بيروت مضيفاً: «ربما تعود نشأة الرواية الخليجية إلى ثلاثينات القرن العشرين لكن العقود الثمانية التالية على ذلك التاريخ شهدت ولادة عشرات النصوص الروائية المكتوبة بأقلام أنثوية إماراتية وبحرينية وكويتية وسُعودية وعُمانية وقَطرية أصبحت تستحق الاهتمام القرائي والتحليلي والنَّقدي».
يسعى رسول في كتابه هذا إلى دراسة ثلاثة عشر نصاً روائياً لاثنتي عشرة روائية خليجية هنَّ: بدرية البشر بثينة العيسى بشائر محمَّد رجاء عالم سمر المقرن مريم آل سعد مريم مسعود الشِّحي منيرة سوار ميس خالد العثمان فاطمة الشيدي فاطمة المزروعي وهدى عواجي.
في قراءته هذه النُّصوص كلّها يقول رسول: «لقد حاولت الاقتراب من الهويَّة الأُنثوية وهي تلج عوالم المتخيَّل الروائي سرداً بغية التعبير عن الذات الأُنثوية قدر تعلقها بصور العالم الخارجي أو الموضوعي الذي تعيش وتتواصل فيه المرأة الخليجية بوصفها أنثى».
ويقف المؤلف في الفصل الأول عند معنى الكتابة الأُنثوية في ظل جدال وسجال مفاهيم أخرى تفرض وجودها في مشهد كتابة المرأة مثل «الكتابة النِّسائية» و»الكتابة النّسوية» و»أدب المرأة» منتصراً لمفهوم «الكتابة الأنثوية». يقول رسول: «إن المرأة تكتب دائماً بماء الأُنوثة وذلك هو حبر هويتها وحبرها الوجودي الذي تخطه على بياض الصفحات عندما تدخل في تمثيلات إبداعية متخيَّلة مع محيطها».
اعتمد الباحث في كتابه العشرين منذ عام 1992 على مجموعة من المفاهيم الإجرائية بل على شبكة من المفاهيم التي تدور في فلك تلك الكتابة الأُنثوية ومنها مفهوم جوهرية الأُنوثة ومفهوم جينوم الأُنوثة ومفهوم الهورمون المؤنَّث ومفهوم الكتابة والإنجاب ومفهوم الذات والكتابة ومفهوم الأُنوثة المبدعة ومفهوم نكهة الأُنوثة وغير ذلك.
رغم محاولته اللجوء إلى بنية مفهومية مغايرة لمفاهيم عدة متداولة في هذا الشأن إلا أنه ومن منظاره المعرفي أو الايبستيمولوجي يعتقد أن مفهوم «الكتابة الأُنثوية» الذي انتصر له في هذا الكتاب يبقى في حاجة إلى بناء نظري يرتبط بالكيفية التي تندس فيها الهوية الأُنثوية في مفاصل الكتابة السَّردية لذا تحرَّك رسول في فضاء ثلاثة مفاهيم هي: ذوات المرأة ومنجم الأُنوثة ومسارات طاقة الأُنوثة. ليس هذا فحسب بل وجد في التوضيح البصري المجدول دليلاً لبيان انطلاق حركة الأُنوثة السّاردة في الكتابة المتخيَّلة لدى المرأة أي تحرُّك الأُنوثة في أي كاتبة مبدعة من نواتها الجينومية مروراً بالمكان والزمان والممثلين فالحدث واللغة وفعل السَّرد وصولاً إلى سطح النص وخطابه وبالتالي إلى تخوم المتلقِّي أو القارئ الدلالي الفطن وهذا كلّه في الفصل الثاني الذي أجاب عن سؤال: ما هي الأُنوثة السّاردة؟
تبدو المقدِّمات النَّظرية مهمة لدخول متون النصوص الروائية بحثاً عن حضور الأُنوثة السّاردة في تمثيلاتها وهي تمسك بزمام التحكُّم لتسريد جملة من الموضوعات Themes والمدارات Topics التي تلهث بها الذات الأُنثوية كمركَّب وجودي وكباعث مصيري وهي تعيش صراعها الأبدي مع الجسد والنَّشوة ومع السُّلطة الذكورية المزاحمة بجميع صورها القامعة وفي الوقت ذاته المرغوب فيها إلى جانب صراعها مع صنوف نزقها الأُنثوي الذي تجرِّبهُ بحثاً عن متعها ولذاتها وتأكيدات حضورها الأنثوي وثمَّ خلاصها. هذا كلّه في فصول الكتاب الخمسة التي يدرس فيها كرنفال الجسد ودروب النَّشوة أو الهوى وصورة الأب المتخيَّلة والقهر الذكوري وصورة المرأة خارج وطنها.
جادت المخيَّلة الأُنثوية الخليجية بحسب المؤلف: «بالمزيد مما كنتُ أبحث عنه وأنا أقرأ متونها السردية بل وجدتُ في تمثيلاتها الروائية المتخيَّلة متسعاً من الوفرة المعطاء التي تُمكِّن الباحث من مدِّ العلاقة بين المنهج والتطبيق إلى تخوم قرائية جديدة تخوم منتجة تتجاوز المتكرِّر الممل والمعتاد الباهت صوب المختلف الخلاق».
لمناسبة الحديث عن المنهج توسَّل المؤلف «المنهج السِّيميائي» بمختلف أشكاله الممكنة في الكثير مما عمل على تحليله من نصوص روائية مقروءة في فصول هذا الكتاب لكنه استعان أيضاً بعدد من مناهج العلوم الإنسانية الأخرى في تحليل الظاهرة الإبداعية مثل منهج التحليل النفسي ومنهج دراسة الشخصية وغير ذلك من المناهج التحليلية الأخرى التي تدعم تحليل الطبقات السطحية والعميقة في النصوص الإبداعية .
كتاب «الأُنوثة السّاردة قراءات سيميائيَّة في الرواية الخليجية» إضافة نوعية في دراسة الكتابات الأُنثوية المتخيَّلة ليس الخليجية منها فحسب بل والعربية أيضاً بغية فتح تحليل النصوص الإبداعية المتخيَّلة على شواطئ قرائية جديدة تثري المشهد الإبداعي العربي بما يرجوه المبدعون أنفسهم ناهيك عن النقّاد أو القرّاء الفطنين قرّاء دلالات النص على نحو سيميائيٍّ أو علاماتي.

تعليقات