التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

 

جريدة عمان  ملحق شرفات
الثلاثاء 19 - 11- 2013
فاطمة الشيدي

ـ1ـ
العزلة هي المسافة الفاصلة بين الغربة والغرباء، بين الذات الزجاجية، والأظافر الخادشة، بين القلب المرتجف ومصادر الرعب.
هي القبر الذي له نافذة تطل على الجميع، ولكن من الخارج فقط، نافذة تسمح للهواء بالتسلل لعمق الروح، وكلما خرجت من ذلك القبر باتجاه العالم والآخر؛ تشعر أن ثمة مشانق تتصيد روحك، حراب كثيرة تقترب منك، تحاول أن تنغرس في قلبك.
كلما ذهبت باتجاه الآخر؛ تشعر دائما أن هناك ما يتساقط منك، لذا تخشى أن تفقد بعضا منك، القليل من بياضك، ومن وهجك الخاص، ونبلك المقدس، ولذا تحتاط لذاتك -كلما تماديت في الحضور الجمعي- كي لايتساقط بعضك أو تفقد شيئا منك، وسرعان ما تتراجع نحو عزلتك التي تحميك وتحفظ توازنك وثباتك.
ـ 2ـ
لا يزال هذا الحزن المبتور القدم، المفقوء العين كآخر القراصنة، يرقص في دمي وحيدا ثملا، يتخبط في ولعه وولوغه في شراب العمر، ككلب أجرب، ويجأر بالوجع،فماذا علي أن أفعل؟!
ـ 3ـ
لعبة شطرنج جبارة
بكل احتمالاتها المرعبة
هي الحياة فقط
ـ4ـ
للقلب ذاكرة حية، وعصية على النسيان والموت، والمكان جزء من تلك الذاكرة، الأمكنة ليست حواف الكون، وليست خرائط الخارج الصماء إلا من ارتفاع أو انخفاض، وليست تلك التضاريس المتعرجة بجسد الكرة العجوز.
المكان هو ألوان الذاكرة المترسبة في قعرها، لتحدد تماما معنى اللونية؛ الأزرق هو البحر الذي تذوقنا ملحه على بعد ضحكة لا متلاشية، والأخضر هو السدرة الأم برمزية الحنان المتسرب من أفنانها الغضة، والبني هو الحناء المتضوع من ردن الجدة الحكيمة، المكان هو أرواح من سكنوه، وإذ نحب مكانا فنحن بضرورة العشق نحب ساكنيه، نحب لون أصواتهم، ورائحة قلوبهم، وإذ نغادر الأمكنة ولم تخدشنا ببقايا حنين، ولم تجرح الذاكرة بصدى ذكرى معينة، فنحن لم نعانق بحميمية اللقيا ساكنيه، ولم ننفذ لهم أو لم ينفذوا لنا بفوضى ضحكة يتيمة، أو عبث دمعة حقيقية، فلا مكان لذلك المكان في ذاكرة القلب.
المكان الذي ليس غواية الأطر، إنه حالة تأثيث للذاكرة بروائح الحزن والعشق، بصدى الصخب والفرح والضحكات الممتدة حتى أفق اللانهايات، إنه لغة الحب والصداقة، والكلمة الجارحة حد الماء، والحادة حد الحياة.
ـ5ـ
كلما كبرنا- ونحن نكبر كل يوم بلا رغبة وبلا تخطيط- تغادر رائحة العشب قلوبنا، لتصبح برائحة الدخان، ولا يعود لأرواحنا متعة الاكتشاف والتجريب والبحث، نصبح فقط راغبين بأن نتشبث بما لدينا، بالأرواح التي تعيش داخلنا وإن لم تكن بالقرب منا، بالأمكنة التي تسكننا وإن لم نسكنها، نتمسك بمن نعرف، وبما نملك، ونحرص أن يكونوا بالقرب حيث ذاكرة القلب تماما.
كلما كبرنا نصبح غير قادرين على الانحياز للجديد، يصبح كل جديد طارئ، وغالبا لا يعوّل عليه، فنستحضر كل شيء من الذاكرة القديمة، من زمن التدوين حيث كان كل شيء يحفر أخاديد لن يقدر الزمن عليها فيما بعد، نستحضر الأسماء المنقوشة داخلنا بشدة وسطوع، والوجوه المشرقة كصباحات ربيعية، والأمكنة التي خاطت الأرواح مع كل خطوة عبرتها.
كلما كبرنا لا نصبح بذات الحدة التي كنا عليها، ولا يصبح مقبولا منا أن نقسو؛ كي لا تنكسر أرواحنا  الهشة، كلما مر العمر نصبح أكثر اقترابا من الأرض، نحب ملامسة الأشياء بعمق، نتحسسها بلذة، لنستشعرها وكأننا نتنفسها تماما، نصبح أكثر ليونة وصفاء كالماء، وأكثر اتساعا وامتدادا كالتيه، وكثيرا ما لا ننتبه للكثير من الأشياء التي تعبرنا أو نعبرها، تصبح الرؤيا غبشية، والأشياء هامشية، لكن الماضي يزادا سطوعا، يصبح ثرثارا بلغة الأمكنة، وبحوارات الماء والزرقة، شهيا بلثغة العصافير فوق سدرة البيت، حكيما بأحاديث الرمل يُسرّها للغافة العجوز عند مدخل الذاكرة، وعند مخارج الفرح الأرعن.
ومع العمر يصبح كل شيء قابلا للطي، تصبح الأشياء التي كانت تشكل قلقا حادا سهلة جدا، حد أن تكون قابلة لأن تتخذ شكل صرة نرميها  في البحر، أو حزمة حطب نتدفأ بنارها إذ نحرقها ونتلذذ ببهجة تلاشيها، ويكون لزاما بين الفينة والفينة أن نعمل “دليت” للكثير من الأشياء كي نخلّص الذاكرة من عبء ثقلها التي ترزح تحت وطأته، وحين نواجه ما يستصعب على الحذف، نعمل “فورمات” (هكذا ككائنات رقمية)، لنستعيدنا بخفة.
وندرك جيدا أننالم نكن يوما حزانى، ولا غضاب بصدق،  ولم يكن يوما ثمة وجع حقيقي، ندرك أن كل شيء كان مجرد دلال شعوري، فلاشيء أبدا يستدعي الحزن.
ربما كنا ندلل أرواحنا بالحزن، ونغتسل بالدمع لنصبح أكثر خفة ونحن نكتب نصا جنائزيا، حين تكون درجة الوعي وطاقة التأمل القصوى على أشدها في التحفّز والجاهزية المرعبة، تلك الحالة التي تشبه حالة وخز حادة تجرح الروح، ولا تملك معها سوى الجزع والصمت لفترة، أو كتابة نص موجع.
وربما لا يمكننا حتى أن نكتب؛ فحين تمضي في الحياة وترى الأوجاع الحقيقية لا تملك سوى أن تصمت، أو تتظاهر به، تضحك أو تدّعي الضحك كحالة رفض أشد من الحزن ومن الكتابة عن الحزن، ووجع أقسى من الألم، ومن تجسيد ذلك الألم بلغة ما، إنها حالة إدراك فقط.
ـ6ـ
حديث عادي جدا مع صديق، قد يجعلك فجأة يغمرك شعور غامض، شعور بالألفة البسيطة والحقيقية، بالحزن الدافئ، والسلام الجميل، بالحنين لمشاعر عشتها يوما، وأمكنة أحببتها وكائنات قديمة في ذاكرة القلب، لها رائحة شجر الغار، أو رائحة البحر، أو رائحة الزمن الجميل المضرّج بالقيم الرفيعة، كالنبل والصدق، شعور يوقد فيك شجن حار قادر أن يجعلك تفرح وتحزن في وقت واحد، يجعلك تتحسس قلبك وتعرف أنه يملك ذاكرة لها لون قرمزي يشبه ألوان قوس قزح، وطعم ورائحة تشبه القهوة الممتزجة بالهيل والقرنفل، أو ماء الورد والزعفران، فتهز تلك الذاكرة ببطء لتتساقط أقمار العشق، ومطر الحنين .
ـ7ـ
الحزن صديقنا الحميم والخاص، والذي لايشاركنا فيه أحد، فالفرح كائن جمعي، بينما الحزن كائن فردي، إننا نبكي فرادى تحت الفراش، أو في الخزانة، أو تحت سريرنا الخشبي، بينما لا يمكننا أن نفرح إلا وسط الجميع، ولا يمكننا أن نضحك أو نقهقه دون أن يسمعنا أحد، وإلا اعتبرنا مجانين وفق أعراف الجماعات الساذجة، كما لا يمكن أن تكتمل دوائر الفرح دون مشاركة الآخرين لنا، كأننا نفرح بالنجاح، والتفوق، والزواج وبكل مناسبة بل حتى بتاريخ مولدنا، لنا ولهم، نفرح بأن نقاسمهم خبز الفرح الطري، وزبده العلني، وطعامه الشهي، نقاسمهم تواريخنا الخاصة وأعمار أطفالنا، وذكرياتنا وشهاداتنا، لأن الفرح لا يقبل الوحدة، ولا يقبل أن نعيشه فقط، بل لابد أن نتشاركه مع الآخرين، وهو مع ذلك يعبرنا بسرعة، فهو مشغول دائما، ويحمل هداياه الثمينة والنادرة للجميع.
بينما لكل منا حزنه الخاص، ودمعه الخاص، ووجعه الخاص، الحزن الذي يسكن تحت جلودنا دون أن يراه أحد، نتوحد معه، وننتحب في صمت دون أن يشعر بنا أحد، فالحزن كائننا الحميم الذي يلوّن أشربتنا وأحلامنا في حضورنا وغيابنا، في صحونا ونومنا، نشعر به حتى ونحن نتجاهله، ونعيشه حتى ونحن نضع قناعا من فرح مزيف، ونعبر حيواتنا الخاصة إلى العامة، ونغيّر هذه الأقنعة أو نرتبها كل يوم وكيفما نشاء.
إننا في الفرح جماعات داخل الحياة، لكننا في الحزن والكتابة كائن واحد خارج الحياة.
ـ8ـ
الشعر هو ذلك السائل الذي يتدفق في الدماء كحليب الأمهات، ذلك الكائن الذي يحضر بلا ميعاد، منذورون نحن له، ونحن لا نعنيه كثيرا ذلك المكتبر العنيد، ذلك الشيطان اللذيذ الذي يفرز لعابة اللزج؛ ليلطخ به كل الكائنات الأخرى (كتابية/ عامة)، ليأتي كل شيء يمتزج به لينا طريا، وربما مالحا جدا، ذلك الشيطان الذي صار يتقمّص دور عروة بن الورد، فيدس يده في جيوب المارة بصعلكة بهية؛ ليسرق حكاياهم وذنوبهم وأشياءهم الصغيرة (التفاصيل) ثم يحيكها في لحظته الأولى، ونشتغل معه على ما تبقى من لحظة ميلاد النص، وربما تلك اللحظة لا تحكم الشعر فقط، بل كل  الفنون الأخرى كالقصة والرواية والمسرح، والسينما.
النص يولد مرة واحدة في الكتابة الأولى (الدفق الشعوري)، يأتي في نفس واحد، ثم تأتي القراءة الشعرية النقدية الأولى (لنا)، وهناك الكثير مما يستحلفك الحذف،  والكثير مما يتقافز أمامك من معانٍ تستحلفك التضمين، وتأتي الحالة الشعورية، لتحتم مقدار الزيادة أو النقص في أي نص، وتتمنى أبدا أن يأتي نصك مختلفا حتى عنك، جديدا حتى عليك، لذا فحالة التجريب في النص حالة مشروعة، نحن نكتب؛ وندع للآخرين لهفة التنظير حول ما نكتبه، لعلنا بذلك نسبب لهم صداعا خفيفا، يكون إنجازا أجمل لنص جديد.
والنص في حالة حضوره الأولى، قد يأتي مشدود القامة محافظا على رشاقته باستنبات صور ضامرة الخصر خفيفة العجز، أو قد يأتي مكتنزا بالرؤى والعبارات والزوائد الدودية، والشحمية والكلمية،  فيأتي ثقيلا أو كيفما اتفق.
وفي الدفقة الأولى قد يأتي النص بسيطا، واضحا ثم قد نستخدم التلغيز، أو التعتيم المرمّز فيما بعد لنضفي على نصوصنا، حالات من البلاغة، التي تحول بين النص وبين أن نجلسه معنا على موائد الكلام، وكثيرا ما يبهرنا ذلك النص ويبهر الآخرين، ولكنا أحيانا أيضا، وكثيرا جدا ما نحتاج كائنا شعريا نجلسه على حجورنا، ويشاهد معنا المسلسل الذي نتابعه كل يوم،  نراه وهو بملابس البيت، لذا فالمراهنة في الكتابة ينبغي أن لا تكون سوى على شغب لذيذ، يشي بحالة تجريب مستمرة.
ـ9ـ
لحظة الكتابة تشبه مخاضا عسيرا،  ولها طقوس استثنائية أو عادات سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، وعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فعني لا أملك أن أشيح بوجهي خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، حيث أشعر في تلك اللحظة أن ثمة شيئا ما قاسيا يجبرني على تتبع حالة الجزع التي تعتريني غالبا، وتتصاعد في رأسي هذيانا، أشعر أن ثمة ما يستيقظ فيّ، يقتاتني بنهم، أشعر بي ممتلئة بشكل يصعب معه الاستمرار، عادة تكون مشاعري متحفّزة على أكمل حالات التربص والنضج، كثيرا ما أشعر أني حزينة، أو سعيدة، أو متوترة، أو غاضبة بشكل أكثر من المحتمل وأرغب في الراحة  .
قبل كتابة أي نص  ينتابني شيء يشبه المخاض، لذا فكلي يصبح منتظرا لحالة ولادة جديدة، بكل ألمها ورغبة التخلص، والانصياع التام لطقوس الألم، وكلما شعرت بهذه الحالة أفضل الاختباء عن الآخرين، أشعر بي منتفخة بما لا يسمح لي برؤية أحد، لذا أفضل الهروب للداخل قصيا، أمارس العزلة بافتتان مهيب، أحبس أنفاسي توجسا وانتظارا بعيدا عن الجميع. وثمة خوف ما، و توجس بأن لا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه  انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
عند الشعور بهذه الحالة التي تتصاعد في احتدامها المؤذي، أهرب للداخل تماما، لأقصى بقعة في العالم الحقيقي والنفسي، ألج أضيق مكان ممكن مني، لا بأس بالسكون طويلا تحت الغطاء، أو تحت طاولة الكتابة، أشعر بالرغبة في البكاء؛ لكن هذا لا يحدث عادة، لأن النص هو البديل،  ولو حدث ذات مرة وبكيت، فلا نص يولد حيث تتحول الكلمات ماءً طاهرا يغسلني برفق أكثر من ولادة القصيدة الجارحة .
من أظرف ما قد يحدث لحظة الكتابة كطقس (غير سوي) الميل  للفوضى في كل شيء، في الهيئة التي غالبا ما تكون أشبه بشكل جنية (هبت لتسرق الحلكة من جنبات الطرق، ولتبعث شيئا من رائحة الجزع في أرواح منبسطة)، المكان أيضا لابد أن يكون فوضويا بشكل محرّض على الكتابة، ولا بأس بالكثير من البعثرة والأوراق والروائح ربما، أليس الشعر مادة  تهرب لنا من وادي عبقر، بواسطة الجن الذي لا أظنهم يحبون الجمال والطيب .
كتابة النص ليست  قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا،  لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك.
مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزينه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي،  بين يدي القارئ  أو المتلقي.