التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا


فاطمة الشيدي
20 - 10 -2013

عزيزتي :
الكتابة ضد الحياة هكذا فقط أريد أن أخبرك الآن. وأنا أكره الكتابة، أكرهها جدا، وأكره كل محرّض عليها، كالحب والحزن والخوف (وماذا تبقى في الحياة خارجها إذن؟!)
نعم أكره الكتابة، أكرهها لأنها ضد الحياة ببساطتها وعفويتها، برقيها وعفونتها، إنها حالة تحنيط واستحضار لحياة ميتة، حالة رسم لحياة أخرى غير التي نعيشها.
ربما في الكتابة قد نستقى معاني بسيطة وجميلة من الحياة، ولكننا نشوّهها إذ نقدمها في أكثر الأشكال تجريدا "الكلمات".
الكتابة حالة عزلة إجبارية، مشروع لقتل قدرتنا القليلة جدا على التماهي مع الحياة والتعايش مع الناس، حالة حصار للروح وحصرها في مساحات ضيقة لا تتعدى بياض الورق أو علبة معدنية .
زوربا كان يرقص نشوانا وحزينا، وكان يتلمّس كل شيء بحرارة جسده، كان يستخدم كل حواسه في الحياة، في حين أن " السيد" (كزنتزاكي) كان يعيش محلقا يظن أنه يعرف كل شيء من خلال ما قرأ، في حين أنه في الحقيقة مجرد كائن معطّل الحواس.
إن طاقة المخيلة التي تشعلها الكتابة تجعل الكاتب يعيش في حالة حلمية فقط، حالة أشبه بأحلام اليقظة، حالة قبض وهمية على الماء، حتى إذا اشتد العطش لم يرتوِ، وحين يقرر أن يتلمّس الأرض يسقط من سمائه، وقد يموت أو يصاب بعاهة.
إذ نكتب فنحن خارج الحياة، داخلنا فقط، إذ نكتب فهذا يعني أننا عاجزون عن الحياة، عاجزون عن الحب، عاجزون عن الفرح أو عن الحزن، وإذ نعيش الحياة لا يمكننا أن نكتبها، فلا يمكننا الكتابة عن مشاعر نحياها، وعن وجع يتلبسنا، وعن كائنات تسكننا، تعيينا الكتابة في المناطق الحية والحقيقية، وتمنعنا الحالة من مطاولة شغفها بالحروف الميتة، ومقارنة وهجها برماد الكلمات، وموازاة كائناتها بفكرة خرساء. لكن ما أن تنتهي الحياة/الشعور حتى نلجأ للكتابة، الكتابة من الخارج ساعتها، لأن الداخل يكون منتهيا، الكتابة من ذاكرة الروح، وذاكرة الحب، وذاكرة الوجع. فتغدو الكتابة عندئذ حالة دفن أنيقة، حالة مواراة للوجع، وللكائنات التي تسببت في ذلك الوجع، وحينئذ نحن نكتب لنحفر قبورا وندفن مشاعرنا الميتة فيها.
فإذ نكتب عن كائن ما أو عن حالة ما، عن وجع ما أو فرح ما؛ يعني أن أننا ننفيه خارجنا، نعلّقه على حبال النص ليجف تماما، أو نجفّ نحن منه تماما، يعني أنه مات داخلنا، وآن أن ندفنه على الورق، أن نتخلص من ثقله، لنرتاح بعد ذلك ونحن نقرؤه بحيادية حقيقية، وكأننا نحتفي بجرائمنا الكبرى بحنان جميل. الكتابة إذن حالة أنيقة من القتل خارج دوائر البشر المفتتنة بالظهور.
ولابد من العزلة والحزن لتأتي الكتابة حقيقية، فمن الذي ينجب أطفاله أمام الملأ؟ وأي كاتب أو شاعر هذا الذي يمكنه أن يعيش وسط قطعان الظلام، ليربى ذاكرة الألم، التي تخربشها أظافر البشر، ومصالحهم النيئة التي يفردونها على قلوبنا الهشة؟ المصلحة التي صارت تتصدر حيواتنا حتى في أعمق وأرقى مستوياتها المفترضة.
لابد من العزلة مع الكتابة، لأن الكتابة حالة فردية لا يمكن أن نمارسها إلا في ظلال غامقة من الوحدة والعزلة.

تعليقات