التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

سليمان العيسى .

فاطمة الشيدي
25 سبتمبر 2013 جريدة عمان - ملحق شرفات

لا أذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها لسليمان العيسى، لكنني بالتأكيد أذكر أول مرة، كنت يومها أتعثر في غبار قريتي الصغيرة، وأنا أركض خلف فكرة الحلم الجديد، فكرة الخروج على صوت الأم، وعلى السرير الكبير الذي يخصها، والذي كان أسفله مخبئي السري، هناك حيث أحكي للكائنات الخرافية التي أصنعها وأجلس إليها أشياء عن الحب والمطر والفرح، وحين أذنت الحياة أن أخرج من تلك العزلة الطفلية الخائفة للعالم الممتلئ بكائنات حقيقية تشبهني، في مثل عمري وأكبر وأصغر، وأن أذهب فيما سيكون طريق العلم الطويل.
في المدرسة كنت أميل للعزلة والصمت كثيرا، ولم تستطع كل محاولات المعلمة الطيبة في جعلي اجتماعية أفرح وأمرح وأمزح مثل الجميع، فقد كنت صامتة وهادئة بشكل حاد ومزعج لهذه المعلمة التي تقيس ذكاء الأطفال بحركتهم وعلو أصواتهم (وما زال العالم كذلك).
ورغم وجود الكثير من الطفلات الطيبات التي كانت تزج بي وسطهن؛ لأتعلم الحضور الذي يشبهها ولا يشبهني، إلا أن ذلك لم يكن ليجعلني أكثر حيوية وشجاعة واجتماعية، كما كانت تريد منا جميعا وتشجعنا، وتحثنا على ذلك بحنان أمومي جميل.
وحده “سليمان العيسى” جعلني أبدو أكثر خفة وحضورا ومرحا؛ وأنا أقرأ على مسامع الجميع “نشيد المطر” بصوت يغازل الفرح، صوت مكتمل الثقة، شديد الحضور والتجلي، واسع الامتداد، ممتلئ بالماء، والخضرة والجمال الطفلي، المستحضِر لكل معنى المطر وجمال اللغة.
مَطَرْ مَطَرْ مَطَر
بِالنِّعْمَةِ انْهَمَر
بِالعُشْبِ وَالثَّمَر
تَهَلَّلي يا أَرْضُنا السَّمْراء
واسْتَقْبلي هّدِيَّةَ السَّم
مَطَرْ مَطَرْ مَطَر
غَداً يَمُوجُ حَقْلُنا سَنابِلا
غَداً تُغَنِّي أَرْضُنا جَداوِلا
سَنَابلاً سَنَابِلا
جَدَاوِلاً جَدَاوِلا
تَسْقي بِها العِطاشَ يا مَطَر
تُحَيي بِها النُّفوسَ يا مَطَر
تَهَلَّلي يا أَرضَنا السَّمْراء
وَعانِقي هَدِيَّةَ السَّماءْ
بِالنِّعْمَةِ انْهَمَرْ
بِالعُشْبِ وَالثَّمَر
يا مَرْحَباً ، يا حُلْوُ ، يا مَطَر !
مطر .
فيومها عرفت لأول مرة كيف يمكن أن تفعل بنا اللغة فعل السحر، لأول مرة أشعر بأن الكلام قد يكون أجمل من الفعل، وأن الشعر يوازي الحياة تماما، وأننا يمكن أن نفرح بالمطر والحياة بشكل آخر، غير ما كان قد درجنا عليه من رقصات جسدية، وهمهمات طفلية لا تقول شيئا، عرفت معنى أن تكون في اللغة، أن يجعلك الكلام خفيفا، ويهبك الشعر أجنحة لتحلّق بها، وأن قصيدة شعرية يمكن أن تحقق لك الحياة التي تفتقدها وسط هذا الكم من الأجساد، وتضعك في قلب عزلتك القديمة، ومرح الحياة بكائناتها التي تخصك وحدك.
يومها صفّقت المعلمة كثيرا، وفرحت كثيرا، وجاءت وطبعت على خدي قبلة فرح، لقد أدركت يومها أن الحضور قد يأخذ أبعادا أخرى، وأن الصمت قد يكون أكثر حضورا وتمكنا وجمالا من الصخب والعبث والضجيج، وأصلح للحكم على البشر.
بعد عام آخر كان درس الشعر الثاني وعبر “سليمان العيسى” أيضا، وهو "الفكرة"، التي هي جوهر اللغة أو وجه العملة الآخر لها، ففي قصيدة أخرى كنا نتعرف لأول مرة على أول فكرة، وأعظم فكرة، “الوطن” صرنا نعرف معنى الوطن، الوطن الكبير، والوطن السليب، والوطن الروح الذي هو أكثر من بقعة أرض نعيش عليها، الوطن كوجدان وذاكرة متجذّرة في الأعمق من الروح، عرفنا كل ذلك وأكثر عبر قصيدة فلسطين داري .
فلسطينُ داري
فلسطينُ داري
ودربُ انتصاري
تظلُّ بلادي
هوىً في فؤادي
ولحناً أبيا
على شفتيا
وجوهٌ غريبة
بأرضي السليبة
تبيع ثماري
وتحتل داري
ويرجع شعبي
إلى بيت جدي
وأعرف دربي
إلى دفء مهدي
فلسطين داري
ودرب انتصاري
بالطبع قرأت لاحقا كثيرا للشاعر السوري الكبير، وللأب العربي الجميل سليمان العيسى، قرأت لمن كوّن لذاكرتنا الإنسانية، ولروحنا العربية ملمح المحبة، والوحدة، وحمل قضايا الأمة في قصائده، الشاعر الذي جعل الطيور والأشجار، والأنهار والجبال، والأرض والغيوم تشدو برسالته العظيمة، الشاعر الذي ظل قلبه وقلمه يلهج للإنسان والمكان؛ ولكن ظلت تلك القصائد الأولى هي مفتاح الذاكرة الشعرية، وخارطة الروح للجمال واللغة والفكرة، ويد الشعر الأولى التي أخذت بالروح نحو تلك العلاقة بين الحياة والقصيدة، وبين اللغة والإنسان.
أتذكر الآن كل هذا بحزن ووجع؛ والشاعر يغادر الحياة وكأنه يهرب من كل هذا الدم، والقتل المجاني، والقبح الفادح، والعنف والقهر الذي يحاصر الإنسان من الماء إلى الماء، ويسرف كثيرا في دمشق، مدينته الأم، وحبيبته الأخيرة، وطفلته الأثيرة، يسرف حتى يكاد يغير ملامحها الجميلة، ويقضي على روحها التي تشبه روح القصيدة تماما، يغادر الحياة اعتراضا على الموت، يغادر الكون والأحياء ليقيم في قصيدته فقط.
إذن يا سليمان العيسى وبكل ما في القلب من نبض، وما في الروح من إيمان بالجمال والشعر والحياة؛ وداعا؛ ستظل مقيما في الذاكرة العربية كما يليق بك، وفي القصيدة كما يليق بكل الدروس الشعرية الأولى التي علمْتَنا أيها المعلم الأجمل.