التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الحبيبان

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
27-8-2013

إلى جدي العزيزين : محمد بن ناصر / شيخة محمد، في الفقد المضاعف، والرحيل الأخير معا 27، 28 يوليو 2013

نحن لا نفقد إلا من نحب، فالفقد يحدث داخلنا قبل وبعد كل شيء، نحن نفقد من نحب فقط، من يسكنون أعماقنا، وأرواحنا، وقلوبنا، ومن أحدثوا أثرا مباشرا أو غير مباشر في أجسادنا، نظرة حب تسعف الروح، لمسة حنان أرخت الجسد، لقمة خبز، هدهدة، كلمة عذبة، أشعرت القلب بالاطمئنان بأن هناك من يمكن أن يحمل القليل من وجعك، وأن يتصدر للعالم ليحميك من شيء ما، حضن يمكن أن تبكي فيه قليلا أو طويلا حسب احتياجك، هناك قلب يمكن أن تتمرأى فيه حنانك وجرحك، فرحك ودمعك معا.
إننا نفتقد فعل الحب، ورائحة المحبة، نفقد من نحب لأننا كنا نحبهم بكل جوارحنا، لن نفقد أبدا من لا نعرف، والمعرفة هنا ليست بالضرورة أن تكون فيزيقية، أو مباشرة، قد تكون أيضا معرفة روحية أو ثقافية، أثرت فيك عن بعد، وأسعفتك بشكل ما، ليس عليه أن يكون طبيعيا أو واقعيا أو عاديا، معرفة شكلت لك مساحة ما في ذاكرتك، أو جرحت تلك الذاكرة برائحة وردة أو حنين عشق أو صدى دمعة، ولذا نحن كثيرا ما نبكي فنان أو كاتب أو مخرج أو إنسان لا نعرفه مباشرة، نبكيه من داخلنا، من حفيف ذاكرتنا، ومن مد روحه في أرواحنا، بطريقة حتى هو قد لا يعرف أننا تأثرنا بها يوما، أو أثرت فينا بأثر ما، الفقد وجه الحب الآخر، ونحن لن نفقد ونفتقد إلا من نحب.
أن تفقد عزيزا ليس هو غيابه الفيزيائي تحديدا، ولكن غيابه فيك، وغيابك فيه، هو ذاكرتك التي تفقد جزءا من حضورها، والكثير من سلامها، تلك الذاكرة والروح التي تتصيّر موجوعة في استجداء صوته ووجهه وروحه، أو روحك داخله، هو تلك الوحشة التي تقف عند مدخل روحك، تناديه وتسأل عنه في فلا مجيب.
الفقد هو قضم عادات الحب التي اعتدناها ضمنه وله، ابتسامته التي لن تأتي، يده التي تغيب دون أن تلوّح، ودون أن تقدم لك تبريرات كافية للغياب، مكانه، كسر اعتيادات الحب والمحبة المبثوثة في ثنايا روحك وجسدك وذاكرتك، هو انتباه فجائي بأنه ما عاد هنا ذلك الحب، وذلك الاعتياد عليه، ففجأة تصحو على قطع حاد في كل ذلك، لتجد صفير الشوق في صحراء روحك الجافة، ولا شيء سيعود بعد ذلك، اسمك في فمه الذي لن ينطقه أحد -مهما كان- مثلما كان يفعل، لمسته الحانية التي لن تتكرر، رائحته المخبأة في ثنايا وجدانك، التي غادرت المكان، وظلت في روحك تماما.
الفقد هو جرح طويل في الذاكرة؛ يؤلمك بطول وعرض تلك الذاكرة، فإن كانت تلك الذاكرة هي عمرك الممتد من صرخة الميلاد حتى تباريح العمر، مع ما داخل حياتك من مرارات، ومحبات، وأفراح صغيرة، وأحزان كثيرة، حتى لو كانت تلك الذاكرة أشبه بشريط سينمائي، متقطع المشاهد، متباين الإضاءة، يخفت ويضئ في مراحل العمر؛ يصبح الفقد ضاريا وموجعا.
هناك أنت لا تفقد شخصا، بل تفقد أجزاءً من نفسك، أجزاءً حميمة وخاصة وجارحة من قلبك وعمرك ووعيك، تفقدك صغيرا تتعثر في النطق والكلام، وثمة يد وروح حانية، تساعدك على ذلك، تفقد روحك خضراء متوهجة بالفرح تشاركها روح أخرى مفردات الضحك الكثير، تفقدك جائعا ويد معروقة تطعمك، تفقدك حزينا، وكتف حنون تستند إليه، ويد كبيرة جدا كالسماء تحتوي وجعك.
تفقد ضحكة نسيتها عند حافة الماء، أو دمعة غافلتك خلسه، وسقطت عند التحام عناق حميم، تفقد تباريحك في الوجع، تفقد خطواتك المتعثرة والمتناثرة على الطريق الطويل، حركة نمو جسدك في الزمن، حركة الزمن في وعيك، والتحامك الطبيعي مع الأمكنة، حين كانت الأشياء ضمن الفعل الطبيعي والعفوي للحياة، والذي تتحول لاحقا لحالة استعادة ممضة وغير مدهشة إلا ضمن ملمح الفقد في ذاكرة تقتات على القديم .
في الفقد تتلاشى أجزاء منك كنت تظنها باقية، وكنت تظن أنك وحدك من يملكها، لتشعر فجأة إنها ليست لك، وأن آخرين يملكون أغلبها، وبغيابها تتلاشى هي أيضا، وتتلاشى أنت ضمنها.
الغبار يدلف بقوة، ومهما حاولت مسح طغيانه الخانق على الأشياء والوجوه والذاكرة، لن تفلح، فما أن تمسح من مكان حتى يشتد في مكان آخر، عاصفة كبيرة لا طاقة لك بها أو عليها، إنها شرسة في تغطية كل تلك الملامح، اجتثاثية في تدمير الممكن والمستحيل، طاغية في تلوين أمكنة الروح الحميمة بألوان باهتة، وفي كسر ظهر الوقت، وظهر العزم والعزيمة، والسقوط منكسرا، وذليلا عند معطيات الوجع، وملمات الحزن.
تتساءل في لحظة وهنة، ماذا حدث؟ لا تدرك إلا أن ثمة ما يغيب بسرعة، وفجأة، ثمة ما يتناثر منك وفيك بعنف، وذلك الوهن الذي تعرف جيدا، يمنعك من مطاولة الحنين، أو الاحتياط بالأمل أو الذاكرة، فالعاصفة أقوى منك، أقوى حتى من إنسانيتك، هناك تحديدا تلمح طفلك الصغير يقف على حدود البعيد منه، يبتسم قليلا ثم يبكي، إنه يفارقك الآن ويختفي في الغبار. تبكي بقوة، أنت لا تعرف من تبكي، المفقود العزيز، أم الطفل الذي كنته، تنتبه أنك كنت طفلا فقط ضمن حيز هذا الفقيد، وذلك المفقود، إنه الوحيد الذي كنت معه طفلا، الوحيد الذي عثر على طفولتك واحتواها، ودللها، وشاغبها، وكبرت بين يديه، فأنت كبير ووهن الآن خارجها وخارجه، الأشياء كلها وهنه، والوجوه كلها كبرت على حين غرة، التجاعيد بدأت تأخذ شكل منحيات أفقية وعمودية في وجهك وقلبك وروحك، الأرواح بدأت تشيخ وتذهب في البكاء على شيخوختها المفترضة والتي حدثت فجأة، الغبار يغطي الوجوه، وحده الغائب يظهر لامعا وساطعا في الموت، جثته الحانية تبدو أكثر شبابا ونضرة، وتضحك تحت سطوة الماء والعطر، جثته التي تبدو أكثر حياة وحيوية من كل تلك الأجساد المتهادية بوهن، والشائخة بسرعة فجائية.
الجثة تبتسم بطفولية مدهشة، وبحنان جم للأجساد الكبيرة المتحلّقة حولها، هي تصغر في الزمن وهم يكبرون، هي فرحة وهم يبكون، هي نضرة وهم باهتون، هي حية وهم ميتون.
تتطاول الحالة والمشهد حتى تأتي لحظة الوداع، الذي تحمل فيه جثة الغياب على محمل الفقد الحقيقي، فهي لا تزال كبيرة في سطوة حضورها، قبل أن تصبح كبيرة في سطوة غيابها، تتحلق حولها الأجساد التي تبدأ في الانكماش على نفسها، فقط تبدو الأيدي والأصوات والدموع في مستوى الجثة، ولذا تناوش الغياب والفقد بحرارة، ولكن الجثة تكبر تكبر، وتبدأ في التحليق ومع كل ما يتصاعد من حنانات الذاكرة ووجع الغياب، ومشتركات الفقد، تطير الجثة للقبر، تفترش جنانها الخضراء الشاسعة في حفرة صغيرة، وتتقزم الأيدي والأصوات والدموع لتتحد مع الأجساد التي عليها أن تقاسي الفقد وحيدة وغريبة بعد الآن، وعليها أن تتعلم كيف تنفض كل ذلك الغبار عن الذاكرة ، الأمر الذي لن يحدث أبدا، حيث ستتفسخ أجزاء من الذاكرة وتسقط للأبد.
وستظل تلك الأرواح الشائخة تبكي غيابها ضمن من غاب، وتصلّي عليها كلما عنَّ لها تذكر من رحل، تستعيد أجزءاها باهتة من داخل القبر تماما، ومن حواف المقبرة، تستعيد تفاصيل الفرح والدمع، والخوف والماء، والخبز واللبن، والهمبا، والبيذام، والزيتون والتوريان، والرطب والفافاي والمانجو.
اللبن يسيل يغطّي الذاكرة بالتفاصيل، بلذة الضحك الطفولي والعذوبة العذبة كالدهن المصنوع بأنامل تضج بالحنان والحب، تنفتح شرفة ما في الذاكرة على عنادك الكثير، وحنانهما الأكبر ، ترفض الكثير، وتمتد محاولات الحنان الأكبر لتشملك فتلين أمام الحب، تسأل كثيرا وتأتيك الإجابات المتعددة، وقد لا تقتنع ولكنك تفرح بلذة الكلام وحنان الحضور الدافئ، بحديث المنامات والطل، بالياسمين يتنزه بالقرب من المقبرة، بالماء يغسل الأجساد الطرية، بالخوف يقطر من طقوس الزار، ومجاورة الموتى، بالجنون المبكر، والتيه الذي تسعفه طقوس الود، والقلوب الواسعة، تتأمل الآن تلك المقبرة الموحشة، أصبحت البيت الأكثر غيابا وعزلة وفوضى، كل شيء أصبح مقرونا بالبكاءات المفجعة، والحنين المأخوذ بالفقد، لم نعد "نحن والموت جيران" فقط، أصبحت المقبرة هي البيت تماما، هي حاضنة الأرواح التي يا طالما احتضنت القلوب المكلومة الآن، أصبحت المقبرة مزار الحنين، وجنة الذاكرة، تبكي كثيرا، تتهاوى في مغبة الوجع ثم ما تلبث أن تستلم للفقد تماما، كما تسلم بغياب من رحل، ويبقى الحنين والطفولة والذاكرة تتسلق الروح وصدغ المقبرة بين فينة وأخرى، ونوبة حنين وأخرى.

تعليقات