التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

جارة المكان والقلب:


فاطمة الشيدي
25- 6- 2013


صديقتي الحمامة الطيبة:
ها أنت - كلما شاركتك هذا المكان الذي أسكن متنه المنغلق، وتسكنين هامشه الفسيح "شرفة مكتبي" تلك الشرفة التي ليست أكثر من هيكل حجري يزنر النافذة، والتي هي أبعد ما تكون عن الفسحة والجمال، ولا أعرف كيف تحتملينها، ولكنك تقيمين فيها منذ زمن بعيد، بل وأحيانا تدعين صديقاتك وأصدقاءك لمشاركتك المرح- تبادرينني بالغناء الموجع في محاولة لئيمة منك لشحذ الألم في قلبي  الحزين.
دعيني أخبرك أنني أأنس لك، وأفرح كلما رأيتك، ويلذ لي سماع غنائك الحنون،  وصوتك يسليني أحيانا، ويوجعني غالبا، سيما حين يكون القلب موهنا، يعتصره الألم بلا هوادة.
بل أشعر أيتها الرفيقة الحنون، أنك تعرفينني جيدا، فقد اعتدتِ صمتي ونظراتي الحنونة لك، وأدرك جيدا أنك تحاولين التحاور معي بشكل ما؛ لبث بعض ما في قلبك لقلبي، وربما تحاولين عقد صداقة عميقة بيننا، ربما تريدين أيضا أن تخبريني عن أسباب هروبك من العالم الكبير، لهذا المكان المنزوي، البعيد والضيق والذي لا يحوي أي ملمح للجمال وأي متنفس للطبيعة.
أفهم ذلك جيدا،  لا أحتاج الكثير من الشرح والتوضيح يا صديقتي، فأنا أيضا أهرب بذات الطريقة لذات المكان. تماما كما أفهم حيرتك مني، ومن وحدتي وصمتي،  ومن هذا العالم الإلكتروني الذي قد تستغربين انكبابي عليه فور دخولي للمكان، حتى أنني أتناساك تماما أحيانا، وأنشغل بالكتابة والقراءة فيه بعيدا عنك.
عم أخبرك يا صديقتي؟
عن هذه العلبة المعدنية "اللاب توب" التي أعيش فيها، والتي أستبدلها  أحيانا بعلب أصغر، فأنا ألهث خلف جديد أي مساحة  مفترضة للفرح أو المعرفة. وهذه الحياة الميتة، والعلب الكثيرة يا عزيزتي هي الحياة تماما بالنسبة لي، فلا حياة لي خارجها إطلاقا، فلم أعد أؤمن بالكثير،  ولا أثق بأحد خارجها سوى الله والطبيعة، فكل شيء قد تغير، والعالم الوقح ينشر رغباته المقززة في وجوهنا، ويشهر أظافره القاسية في أرواحنا، طغت المادية والمصلحية على كل شيء، وتعاظم الكذب حتى صار هو لسان العالم والإنسان الأكثر حضورا وبلاغة وسماجة، وانتفخت الأوداج والقلوب بالغل والحقد والغيرة، فالإنسان شوهته الحياة، وألتحف الكذب والنفاق، وأشهر أناه ليقصي كل كرامة وخلق ووعي ومحبة وجمال.
أعرف أنك تنظرين لي الآن باستغراب من كل هذه التعميمات، وكل هذه الأحكام المطلقة،  لا بالطبع فأنا أيضا مثلك أكره التعميم، وأكره إطلاق الأحكام جزافا، نعم لايزال هناك خير، وقيم إنسانية، وهناك بشر رائعون، وكما يقول المثل "لو خليت خربت" ولكن وكما يقول المثل أيضا "الشر يعم والخير يخص" فأهل الخير والنبل قلة.
وهناك قلوب زجاجية لفرط شفافيتها يخدشها  الضوء، وتربكها الحياة، ولذا فالعزلة منعة، و"روح بعيد تعال سالم" ولذا فلم يتبق إلا هذه العوالم الافتراضية، والعلب المعدنية الضيقة يا صديقتي، فهي تربي العزلة، وتحمي من أظافر البشر، وشرهم وشررهم، إنها عوالم الكلمة التي أعيش بها، وفيها، ولها، إنها الصحف والكتب والموسيقى واللوحات التي تشكّل عالمي.
ولذا فقد ألفتها، وآنست روحي الوحيدة والغريبة، فخارج  مناجاة حميمة مع الله، أو تأمل عميق في البحر والسماء والعشب والجمال، ومنظر عجوزين محبين، أو طفل مرح؛ لا يعنيني شيء  من ذلك العالم الكبير والمتوحش والذي لا يحفل فيه الإنسان بالإنسان، ولا بالكون والدمار الذي يحيقه به، كما لا يحفل بقيم الخير والعدل والمحبة والوفاء التي هي نور القلب والوجود.
إنها (أي هذه العلبة المعدنية) تكفيني من هذا العالم، وتحميني منه، فهي تحمل لي ما يناسبني ويهمني من أخبار العالم؛ كتاب صدر حديثا في مطبعة ما من العالم  ويستحق أن يُطلَّع عليه، إذ يمكن أن يضيف فكرة أو يدحض أخرى، مبدع  غادر هذه الحياة غير أسفٍ عليها، قصيدة جديدة ولدت في مكان ما من هذا العالم وتستحق أن تستنطق الحواس في حضورها، أغنية حلقت في السماء، وساهمت في ولادة الربيع مبكرا، أو المطر غزيرا في هذا العالم البارد، كما تحمل أخبار تلك الأرواح الحرة التي تتمرد على بؤسها الإنساني، وعلى قيودها المصطنعة، وعبوديتها المقنعة، ولذا تشعر روحي بتلك النشوة الروحية التي تتآخى فيها مع ثورة الأرواح الحرة، ورفضها كل قيد وحاجز، أباركها وأتبرك بها، لأستمر في هذا العالم بأقل قدر من الخسارات، وبالطبع أيضا وبكل أسف تحمل لي  ما يفعله الإنسان في كل مكان من ظلم وقهر ودمار للإنسان وللكون، ولكن لابد أن نعرف، فالمعرفة فعل مقاومة في حد ذاتها، أن لا تعرف أنت غير مكتمل الإنسانية، تماما كأن لا تتوجع ولا تشعر، ولا تتألم ولا تحب، ولا ترفض.
 هل تعلمين؟
مؤخرا صرت أستضيف أغلبية لصحف برسالة نصية، أو بريدية في "بريدي الإلكتروني" الذي هو بدوره هاتفي النقال. كأنني أستضيف الموت إذن؟
نعم أصبحت أستضيف الموت والوجع، والقليل من التطبيل، والمتع الزائفة في بريدي الخاص، وهاتفي النقال، والذي من المفترض أن يحمل رسالة حب، أو سؤال حنون عن الصحة والأحوال، أو حتى حفنة ياسمين  في صورة، أو ابتسامة طفل، أو موسيقى شهية للصباحات والمساءات، ولكن كل ذلك قد تضاءل الآن، لا رسائل شخصية، ولا متع نهارية أو ليلية في صندوق الوارد، حين تكبر الأرواح والقلوب على الحزن، تكبر على الفرح أيضا، علينا أن نتقبل ذلك، إذن وكما يقول ماركيز " لا أحد يراسل الكولونيل".
يوما ما كانت الموسيقى  أكثر ما يصلني ويوصلني بالعالم،  وأكثر ما أبثه في فضاءات الكون، كانت زاد القلب، وجسر الجروح الطرية، وشهقة البوح الحارة؛ حتى سطا عليها عقرب الوقت، سرقها، وحوّلها لدندنة مشروخة في زمن آخر، ومكان آخر، وقلب آخر، سرق عقرب الوقت كل الحنين، وكل الماء، وكل الموسيقى، فلم يعد الليل يتذكر نافذة القمر، التي كانت تطل منها موسيقى الماء، بعد أن صفقها في وجهها بقوة وعنف وقسوة.
كانت النجمة البعيدة حين تتصاعد أشواقها، أو يتأله حزنها تعمد لتلك النافذة الوحيدة للقمر، تفتحها في الليل، وتتحول لموسيقى الماء، وتبث تأوهاتها منها، ولكنها بعد أن سُرق منها كل الماء، وكل الموسيقى، لم تعد تستطيع فتحها، فهي لا تجيد  تحميل روحها على مشجب آخر، لا يشبهها أبدا،  ولا تستطيع عتاب الوقت، ولا تستطيع التشبّه بأحد، فهي لاتشبه إلا الماء فقط .
لاحقا؛ كانت حين يشتد الوله أو الوجع، ولا تجد من يسمعها، كانت تكتب شذراتها ورسائلها، أو تستعير من حَمَلة الضوء ومضة،  تقول عنها أكثر مما تريد، ثم تضعها في زجاجة صغيرة، أو  زورق ورقي، وترسلها بسرعة، قد يغفل الماء كل هذه الإشارات، ولكنها لم تكن تريد أكثر من مشاركة الضوء الحنين، والماء الوضوء بالعطر، في لحظة آنية مسروقة من الزمن، ولكن عقرب الوقت سرق منها، ذلك الأثير، وذلك الشغف أيضا.
لقد حجب عقرب الوقت الخيط الموصل بين القلب والماء، فمنع كل تلك الإشارات والبرقيات الصغيرة أن تصل، عقرب الوقت استل كل شيء منها، فلم تجد إلا الرسائل البريدية، فكانت حين تشتاق أن تعانق الماء، أو حتى تحلم به منسابا عند وادٍ بعيد، أو شجرة سمر نائية، كانت تكتب له، لكنه بدأ يتذمر حتى من ذلك، فعقفت أصابعها عن الكتابة إلا للضوء، فلا شيء مجدي، ولا شيء يستحق، عقرب الوقت سرق كل شيء، وهي لم تعد قادرة على تحمل فحيح الماء، كلما همّت بسرد هشاشتها حنينا بين يديه. لقد حلقت النجمة بعيدا، وغابت في السماء، وجفت الموسيقى، وغيض الماء.
 ومن يومها قررت يا صديقتي أن أصمت، وأن أجعل كل هذا العالم البارد الموجود في علب معدنية للموت فقط ، للقنابل التي تفجر الأطفال، لجثث الشهداء، للمسحوقين تحت أحذية العسكر، والمنوّمين بخدر العمامات التي تربى الغباء والموت، وللدموع الكثيرة التي تغسل هذه الشاشات من الأمهات والأطفال وذوي القلوب الحية، وللقليل من الكلام المكتوب هنا وهناك، الكلام الذي يجعلنا نصاعد في الحزن أو الوجع أو القليل من الفرح، والذي يحفز أصابعي على كتابة نص ما يشبهني، أو يقولني، نص أتوجع وأحب وأفرح من خلاله، لقد صرت أحيا على قيد الكتابة يا صديقتي، أصبحت أكتب لأعيش يوما آخر، وزمنا آخر غير زمن الارتباكات والاهتزازات والذبذبات والتناقضات  والكذب هذا.
وخارج هذا لا جديد لدي هذا اليوم لأقوله لك، سوى أن أنتمي إليك بقوة المحبة الكونية التي جمعتنا، وبقوة الروح الخيرة التي تبثين منها غناءك المحموم بالغربة واللوعة، والفقد والحنين الأبدي، والانتماء بقوة وحميمة ووجع، لغربتنا المشتركة، وأردد مع امرئ القيس، في رحلته نحو الموت:
أجارتنا إنا غريبان هاهنا  **  وكل غريب للغريب نسيب

تعليقات