التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

بول فاليري

فاطمة الشيدي:
جريدة عمان - ملحق شرفات
الثلاثاء 25-6-2013

لا تنتهي القصيدة أبدا، بل تُترَك»
بول فاليري

 1.
يا صديقي الشاعر،(والشعر رحم بين أهله) تحية تليق بجمال روحك الشاعرة، وبعد :
لقد زرت مدينتك الجميلة الحالمة في غيابك، زرت البحر الذي يقعي بالقرب من حرية العالم، زرت الشواطئ التي تمددت عليها عاريا إلا من الشعر، ذرعت الطرقات التي نسيتَ خطواتك عليها جيئة وذهابا، علّ القليل من الشعر، أو القليل من الحرية يعلق بثيابي،أكلت من خبزك المعدّ للطيور التي تشارك البشر حنانات الماء والفرح وطاولات المقاهي والحانات.
مدينتك الساحلية البيضاء، البسيطة والهادئة كطفلة يخطط لها القدر أن تكون شاعرة، طفلة منعزلة تماما إلا من البحر، أو ابتسامة ومرح خفيف، مدينتك المحايدة في الفرح والحزن كقطار حملني بهدوء وصمت وشساعة، والقليل من حزن لذيذ يداعب الروح والمخيلة والقلب الموجع، حزن دافئ وزّعني بين مفترق جغرافيتين، وتاريخين وسمائين وأرضين، ولم أعد أعرف كيف ألملم كل ذلك التشظي والانقسام الحنون!
2.
زرت مدينتك الزرقاء المفعمة بالطيبة، ومنذ البحر الذي قصم عرى الغربة بيني وبينها مباشرة إذ رأيته، كان ثمة حب بيني وبين مدينتك الصغيرة، مدينتك الطفلة، التي كبرتُ فيها فجأة وشعرت أنني عجوز تحبو على جدران المكان، وتتعكز على ذاكرتها الثقيلة، وظلها الخفي، تمشي بتؤدة ومهل، كأنني لا استطيع الذهاب أبعد من حلمي، مدينتك التي حمّلتني سلاما حارا لمدينتي التي تقف بساق واحدة كطيورها البحرية على بحر عمان.
وبعد عناق حار كسر قيد الصمت وارتقى بالمعرفة حتى الحضور والتجلي، أصبحنا أنا ومدينتك صديقتين حميمتين كما يليق بشاعرتين ولدتا في البحر، وشربتا منه ملحا حتى شرقا بالشغف والجمال والشعر، وذات قرب أرتني الشامة التي على صدرها بالقرب من القلب تماما، حيث قبلتَها ذات شغف، وكتبتَ قصيدة خرافية بعدها مباشرة ظلت خالدة، وفي ذات المكان تماما حفر قبرك ونقشت على شاهدته تلك القصيدة.
3.
حين مثلت بين يديك ذات ظهيرة ليست حارة، كنت راقدا في قبرك بسلام هناك قرب البحر أيضا، وكنت أحاول أن أستمد القليل من سلامك، لأهدهد كل ما يعتمل في روحي من تناقضات وألم، أحاول أن أبدد حيرتي وعدمي في يقينك الراسخ قرب البحر، ووجودك الخالد في الشعر.
كنت أعيد قراءة العالم بهدوء وحزن كما أفعل كل مرة، محاولات المحو والحضور، والوجود والعدم، أجرب فهم الحب بمعزل عن الكراهية، أجرب فعل الفرح الخفيف المنتفخ كبالونات الأطفال أمام جبروت الحزن الذي يلتصق بالروح كطفيليات ذات رائحة نتنة.بين يديك المرتخيتين بسلام كنت أحاول أن أفهمني ضمن العالم، خارجي، ضمن الشعر داخلي، كنت أجرب فعل الصمت أمام الكلام أو الكتابة. شيء من قبيل مصافحة الماء، أو الموت أو كلاهما معا، واستحضار ما لن يقال.
فلاشيء يستحق أكثر من الحب الذي تعرفه جيدا، وأعرفه أنا بتعاسة قصوى، ولاشيء أوجع من الصمت حين تشتهي الكلام أو الصراخ، تماما كمحاولة النسيان بالقليل من الندم فقط.
4.
مشيت بين جوانح مدينتك، وبالأصح ارتقيتها، فمدينتك صاعدة وناهضة وتجبرك على ذلك، الشوارع الجبلية، والطرق الذاهبة في الأعلى، تجبرك على الصعود المتعِب لأقدام خاملة كأقدامنا، تماما كما تحفّز على التيه الجميل، والغيابات القصيرة في مناطق صغيرة جدا، لأن الشوارع متشابهة ومتداخلة ولذا فلا عجب أن تاه أغلبنا في زقاقها الصغيرة، وشوارعها الضيقة، كأطفال يتعلمون السباحة لأول مرة، ولا عجب فالشعراء هم أبناء التيه الجميل.
5.
مدينتك يا صديقي كلها كلها تصبح من 20-29 آب، مدينة شعرية بامتياز، أو لأكن أكثر دقة فأقول مدينة فنية، محفوفة بالموسيقى، مولعة بالشعر، ومحاطة بالفن التشكيلي. فالجميع يستمعون للموسيقى والشعر من بيوتهم وشرفاتهم ونوافذهم ومحلات بيع الخضار والفاكهة والملابس، والمقاهي والحانات والحدائق، الشعر يصبح كالحياة تماما، أو لعله هو الحياة ذاتها.
مدينتك يا صديقي تتحول قصيدة عذبة، شاعرها أنت، ويلتف حولها مئات الشعراء من كل هذا العالم. وقد عبرت مدينتك ..وها ألقي التحية عليك.
6.
في مدينتك الزرقاء
وأمام قبرك تماما
أمام الفرح والحرية
كنت ذات ماء
وكأنني كنت أحلم فقط
وحين استيقظت كان على وجهي أثر احمرار
كأنني عانقت القصيدة بشغف
كنت أحدثك بحياء عن بلدتي العجوز
عن رائحة البحر الممزوجة بالحناء
عن شجرة السدر التي تتخضل بالدمع
كلما سمعت صفير البواخر الذاهبة في الصدى
عن الغافة التي تحتجز ظلي لظلها
وتسامر الموال في الغياب
عن ذاكرة متصدّعة بفعل التاريخ
وعن أصابع البحارة يجدلون الماء
ويداعبون هسيس الأشرعة
كنت هناك ذات ماء
لكننا تعارفنا بطريقة أخرى
تشبه الشعر أو الحلم إلى حد ما.

تعليقات