فاطمة الشيدي
16- 6- 2013
رجل
عاجز عن الحياة، وامرأة وحيدة إلا من ظلها الكبير، يقفان على روح فكرة مؤجلة، يتأملان جثة مائلة
للازرقاق بينهما، يحبان رائحتها التي كانت عطرة، وها هي الآن على وشك
التفسّخ، لتصبح نتنة، وقد يضطران بعد فترة قليلة لمواراتها في التراب،
وربما البكاء عليها بقليل من الحرقة.
هي
ميتة منذ فترة طويلة، ولكنهما لم يكونا يصدقان كل هذا الفقد، لم يكونا يودان الاعتراف بهذا الموت، كانا يتشبثان
في آخر قشة، وآخر لهفة، وآخر حلم، لكن عليهما الآن أن يفعلا، عليهما أن يصدقا
كثيرا، وربما أن يبكيا كثيرا أيضا.الرجل الغاضب، والمرأة الحزينة، بينهما حلمها القديم جثة هامدة ووجع عتيق، وعليهما أن يبكيا موتها وموتهما معها، يبكيان كل ذلك الحب والأمل الذي كانا يحاولانه أو يتجنبا فقده، وكل هذه الخيبة التي منيا بها أخيرا، وهذه مهمة صعبة جدا على رجل قلبه مستودع للموتى، ويأخذه الحنين بين فترة وأخرى للجثث القديمة حتى لو لم تكن تعني له الكثير، أو لم يحبها كما يجب، لأنه لا يعرف كيف يحب كما يجب أصلا، وكذلك على امرأة كالسلحفاة بطيئة في كل شيء، لا تجيد ممارسة الأشياء بالسرعة المحددة، أو كما ينبغي في مواصفات هذا العصر؛ فهي لا تجيد الحب بخفة ، ولا النسيان بسرعة .
الرجل الذي يقف على قدم واحدة كبجعة حائرة أي الطرق تؤدي إلى الماء، وأي حورية ستنتخبها له السماء لتروي ظمأه الأزلي، والمتكرر كل ليلة، والمرأة الغريبة التي لا تأبه للجهات فكل الجهات تؤدي إلى اليتم والغربة والماء، كلاهما أو لعل كل واحد منهما، يبحث في روحه وقلبه منذ زمن كيف يمكنه أن يتخلص من هذه الجثة، ويدفنها بالقليل من الحزن كي تنعم بالسلام وينعم هو بعيدا عنها بالراحة والخلاص؟!
أخيرا : قررا ؛ المرأة الغريبة بالقليل من الرضا بدأت تحفر حفرة كبيرة تردمها على مهل بالتراب والصمت، بعد أن وضعت فيها شطر الجثة الخاص بها، قررت ستقرأ عليها الكثير من الشعر، وستذرف الكثير من الدمع، وستشعل كل حنين شمعة، وتصلي لتنعم روحها بالسلام.
أما الرجل العاشق الأبدي فسيضع الخاص به من هذه الجثة في حديقته السرية، مع سرب من الجثث المتعفنة، التي يضع لكل واحدة منها نصبا تذكاريا أو شاهدة أنيقة، كتب عليها قصيدة شعرية، والقليل من المعلومات التي تضمن له التذكر، ولغيره سوء الفهم، وحين يأخذه الحنين لأي من تلك الجثث، يفتح تلك الحديقة ويدلف لها في ليلة شديدة الحلكة، ويبكي قليلا، ثم يغلقها ويخرج مرحا، وهو يتأبط يد حبيبة جديدة، ستصبح يوما جثة متعفنة أيضا !
