فاطمة الشيدي
شهادة من كتاب " ليس من زماننا ، عبدالله حبيب" ، الكتاب الصادر عن دار الانتشار العربي، تحرير سليمان بن علي المعمري . بمناسبة فوز عبدالله حبيب بجائزة التميز الثقافي 2011، ويضم شهادات لعدد من أصدقاء الكاتب، والكتاب والمبدعين .
ثمة كاتب يكتبه، يكتب شعوره وروحه وفكره، وثمة كاتب يكتبك، فتشعر أن كل ما يكتبه يشبهك، ويعنيك ويقولك، أو يقول عنك ما تعجز عن قوله. وعبدالله حبيب من النوع الثاني، حيث تشعر أن كتاباته تعنيك شخصياً، وتقولك بشكل ما، بل وقد تبحث في كل جملة عن شيء سقط منك في مكان ما من اللغة، والحياة، والماضي، فكرة عجزتَ عن التعبير عنها، شخصية لم تصافحها إلا في كتاباته، موت انحنى ليقبل صغيرا لا يعنيه، ولا يعرفه، فرحة ناقصة أطلّت من البحر وغارت في الظلام، ضحكة لم تكتمل على حد الماء، دمعة استوطنت الروح إلى الأبد وهجرت الأهداب، موت مراوغ، حزن كثير، وفرح قليل، وحيوات تقوم على أنقاض حياة؛
الأمر الذي يجعلك قارئاً له بشكل مختلف، أو بشكل حميم، قارئ من الذاكرة واللغة معا، وهذا تماما ما حدث لي مع عبدالله حبيب الذي قرأته نصاً قبل زمن طويل من أن أعرفه إنساناً، وهذا ليس غريباً، بل هذا هو الطبيعي في بلدٍ مترامي الأطراف كعُمان، وثقافة مركزية كثقافتنا. كالكثير من الأسماء تعرفت عليه ضمن الملاحق الثقافية، وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة الثانوية، فتاة تتشكل لديها موهبة أدبية بهدوء وصمت، وتذهب في اهتمامها بالأدب لتتبع الملاحق الثقافية، ووسائل الإعلام لتحظى بالقليل من مكونات المشهد الثقافي القريب والبعيد.
لاحقاً قرأت لعبدالله حبيب الكثير من الشعر، والنثر، والفلسفة، والسينما التي غالبا ما تجيء في نص واحد، أو كتابة عصية على التصنيف، إلا أن نصاً له بعنوان "الغراب" جاء متوزعا في الحنين بين علاقته بالغراب في طفولته، وقصيدة "الغراب" لإدغار ألن بو، لامس مساحة خبيئة في روحي، تشبه تلك العلاقة الخاصة لي بالغراب ذاكرة وحنيناً، كما أن إدغار ألن بو اسم لا يمكن أن تتجاهله روح تذهب في مسارات الشعرية، وعوالمها المشتهاة. وهناك ترسخ الاسم - الذي كنت أعرف جيدا أنه مترسخ بقوة في الثقافة العمانية المعاصرة منذ زمن طويل - في وعيي، دون أن أتحمل وزر أحكام الآخرين، بل ضمن فعل اختبار الشخصي والذاتي في النص، والكتابة، والحياة.
وبعد زمن من نص "الغراب" كان النص الأهم الذي مد لي يده ليأخذني للبحر تماما، نص "البيت" الذي يحكي فيه عبدالله حبيب عن بيت أسرته القديم في قريته مجز الصغرى. كان النص كتابة مائية ومالحة، نص غارق ومغرق في الحنين والذاكرة، وهناك شعرت أن هذا النص يعنيني مباشرة، يقولني، يكتبني بشكل ما، كيف لا وأنا وصاحبه خرجنا من رحم البحر، ومشت خطانا بارتباك الخطوة الأولى على رمله، وتباينت خطانا في المسير والغياب عنه لاحقا. وبعد هذا النص أصبحت القراءة فعل مستمر ويقيني مع كل نص، وفكرة، ومقال، وكتابة، وكتاب بدرجة كثيفة وعميقة كالحياة والكتابة معا، كما تشاركت معه في العديد من الحيوات الثقافية، كاللجان، والأمسيات، والقراءات، والاحتفاءات، والتأبين، والوقفات وغيرها من فعل الثقافة المستمر والصادق، والتي عمّقت وأكّدت صورة الإنسان الحقيقي، وجماليات النص، وعمق الفكرة، وصدق الإيمان بالإنسان.
تمثل تجربة عبدالله حبيب الأدبية حالة فريدة، ومزيجاً فكرياً خاصاً ومتداخلاً، فهو حصيلة الجمع بين التراث العربي القديم، والفكر الغربي المعاصر، وبين الشعر والنثر، والقراءات الفكرية والرؤية السينمائية المعمّقة معا، لذا فالمدخل الجزئي، أو المحدود لقراءته أو التعريف به سيكون مجحفاً في حقه.
ولعل التكوين المعرفي البدئي المتباين المنابع والأصول هو الذي أثّر في عبدالله حبيب، حيث خرج من مجز الصغرى، القرية الساحلية المطلّة على البحر بهدوء وصمت، كما كل قرى عُمان البحرية، مشبّعا برائحة الهدوء، والرويّة، والصمت، والزرقة، ومحملا بروح الموت، والفقد، والفجيعة التي يتركها البحر في حياة جيرانه غالبا، كما خرج محمّلا بحصيلة فكرية تراثية استقاها من مكتبة والده، ومن ثقافة عائلية دينية ولغوية متأصّلة، ليمضي فارداً جناحيه في الحياة، واللغة، والكتب، والمدونات التاريخية، والروايات الشفهية، رافضا، ومتسائلا، متعثّرا، وحانقا، ومتشكلا ضمن الوعي الفكري والسياسي المبكّر للقومية العربية، ولمفاهيم الحرية، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، مشفقاً ومتعاطفاً مع الكثير من الوجع، والشظف، والجهل، والظلم، والفقر المحيط به، راتقاً له ضمن اللغة، ذاهبا في الوعي، والعشق، والكتب، والأصدقاء، والعمل بدءاً، ثم منطلقا نحو آخر أصقاع المعمورة دارسا وباحثا في الفلسفة والفكر، فالسينما، مشغولا بالشعر والنثر، لتأتي كتاباته متنوعة ومتداخلة، شفيفة وواضحة، عميقة وجارحة، وتشبه الحياة تماما. ولعل كتابه الأول "صورةٌ معلَّقة على الليل: محاولات في الشعر والسينما والسرد" (1992) كان يعكس هذه الحالة البدئية والمستمرة في التداخل الفكري والفني والإن
في السرد كانت البدايات حيث كان عبدالله حبيب ابن القرية المحفوف بالتفاصيل التي تنسج الذاكرة بتؤدة وجمال، والمأخوذ بملامح الحكاية التي يرددها البحر كل صباح، ويغيّر نهايتها كل مساء، الحكاية الخضراء كالمزارع النامية على أطراف القرية العجوز المكتحلة بالمراود الفضية في المساءات الدافئة والباردة معا، الحكاية المدهونة باللذّة، والسدر، وبالماء، والزعفران، و"السركى صالح"، والغافية على صدر الرمل، الحكاية الطرية كصرخة مولود تسمعه القرية جميعا، وترتفع الزغاريد في صوت واحد، كأنه وُلد من رحم كل النسوة، ومن أصلاب كل الرجال معا، الحكاية المتعثّرة في الحكي كصياد أكل البحر إحدى ساقيه، وظل يعرج بين ممراتها على أرصفة الكلام، والبكاء، والحنين كلما شاهد طقوس "الضغوة" كل صباح، الحكاية التي تسردها شواطئ المعاني حين تنفجر الآه عند كل غياب ترافقه القرية كلها للمقبرة، حين يتوارى الثرى، الحكاية المرسومة كـ"دينار" على جبهة الطفلات كل عيد، ولثغات النساء المدهونة بالورس والحناء كل عرس، الحكاية المتكررة مع تغيير الشخوص في جلسات العصاري، وكذب الرواة، وتداخل الحبكات، واشتباه الكلام بالكلام، الحكاية التي لا تشب ولا تشيب كالحنين والماء تماما.
القرية التي علمته فكرة الاشتراكية الأولى بلا معلِّم، ولا دليل، ولا تنظير، إلا قلبه المشفق والمليء بالمحبة، وعلمته الانحياز العاطفي للفقر، والجوع والشظف، وللهامشي من الحياة بنور البصيرة والخير والحق، القرية التي رتّل فيها دروس الفقد والفجيعة مذ كان طفلاً يصافح غياب اختيه لطيفة ومحفوظة، ويستمر في مصافحة الموت، وتجرُّع الفقد، وتجسيده حنيناً لغوياً باهظ اللوعة لاحقاً في كل كتاباته تقريباً، القرية التي أُجبر على تركها، إما للقريب من المكان حيث العمل المبكّر، والصراع الحيوي بين الأجيال، والثقافات، والحلم، والواقع على جميع الأصعدة الشخصية، والوطنية، والقومية، والعالمية، أو للبعيد منه حيث ستأخذه الحياة نحو آفاق، وثقافات، وتثاقفات عديدة ستشكّل وعيه وتبلور رؤيته للحياة.
ومنذ البدايات كان السرد خاصاً وجوانياَ، أو داخلياً منطلقاً من عوالم الشاعر والإنسان النفسية العميقة، ولذا جاءت مجموعته القصصية الأولى "قشة البحر: في سرد بعض ما يتشبث (1994) كصرخة ترتق ثقوب المخيلة والروح، وتمضي بين أروقة الكلام بغنائية جزلة اللغة، ولهفة حادة، تحكي الأنا كما تحكي الآخر، كما جاءت مولعة بالتفاصيل، ومولعة بالشعرية المتقنة، والألم المصيري والوجودي العظيم، ومحمّلة بصدى العذابات الداخلية، وبروائح القرية وعَرق الصيادين، ودوار البحر، جاءت لتتأمل الغيابات وتنسج الحنين، وتكتب سيرة الروح في سيرورتها الاغترابية التي لن ينجو منها لاحقا.
ثم جاء كتابة " فراق بعده حتوف" (2004) في الجزء الخاص منه بالسرد يحكي سيرة الغيابات التي تشرق في الروح كحد السيف، فيهيض معها الجناح، ويسقط الألم في مغبتها، ليبقى حاضرا متجليا، الموت، الغياب، الانقضاء، الرحيل، وكل ما يخلّفه من هدم، واقتلاع، وقتل، وتدمير للعميق من القلب والروح كان في ذلك الكتاب، حكايات تستجلي الغيّاب، تستحضرهم، تحاكيهم، وتحكي عنهم، في محاولة لتسجيل سيرة حضورهم على الأرض، وتعالقات الكاتب معهم في الحياة والموت بلغة سردية قائمة على الحكاية، تسجل حضور الموت في الحياة، وغياب الحياة في الموت، لمجموعة من الأشخاص، وللكثير من الرؤى الجمالية التي يغيبها الموت، ويستحضرها السرد.
في المتبقي من السرد كانت الكتابة الذاتية، أو اليوميات، أو السيرة الذاتية، وما يشبهها ويتشابه معها ومع الحياة تماما، التسجيل لكل مفترقات الحياة، والحب، والنساء، والأصدقاء، والأعداء، والأغنيات، والأفلام، والكتب، والموت، والفقد، والمشاعر المتغيّرة، والمواقف التسجيلية للمبدأ، وللفكرة، والحالة والشأن المحلي والدولي والعالمي، استحضارات داخلية، وخارجية، لمفاهيم جمالية وإنسانية، والتيمم بماء الغياب لمن ذهبوا، والتنقل على سرير الكتابة في الحب، والقلق، والأرق، كتابة تجمع الرؤية، والفكر، والفلسفة، والحكاية في منطق سردي حكائي جميل، وبسيط، وذاتي، ويسعف القارئ المحب للحكايات والسيّر. وكان كتابه غير المنتمي للأشكال، والخارج على المضامين "تشظيات أشكال ومضامين: عنوان مبدئي في أحسن الأحوال وأسوئها" (2009) يسعف هذا الاتجاه لديه في الكتابة المتداخلة، أو غير النوعية، كشكل من أشكال النص المفتوح على الذات وعلى الآخر، والمنفتح على جميع الأشكال، والخارج عليها في ذات الوقت، والذي استمر لاحقاً فيه في كتابته في الملاحق الثقافية، مما يدل على أننا بانتظار كتب أخرى، مفتوحة الشكل، عميقة المضمون، خارجة على التصنيف.
الشعر كالحب بدءاً وآخراً، لكنه جاء في النشر بعد السرد، ربما لأن الحكاية هي ما يحكينا، بينما الشعر هو ما يكتبنا، ولأن الحكي قبل التدوين غالبا.
جاء الشعر مع التكوّن الأكثر نضجا في الكتابة، والذهاب الأكثر عمقا في الروح والحياة، ومع التجريب المعارِك لأشكال اللغة، ولمضامين المعنى، الشعر الذي بدأ عند عبدالله حبيب في مجموعته "ليليميات" (1994) غامضاً، وباحثاً، وقصيراً، ومكثفاً، ومتناثراً، ومتشظياً في الفكرة واللغة كشذرة أو "هايكو"، جاء لاحقا في "فراق بعده حتوف" (2004) منساباً، عذباً، مصوّراً عذابات الروح، ووجع الفراق، حميمياً، دافئاً، ونقياً كقطعة بلور، أو لوحة فنية من المذهب الواقعي.
وفي التخصص جاءت السينما، السينما الشعرية غالبا، السينما المشغولة بالتوجهات الإنسانية والفكرية والسياسة، السينما المنحازة للإنسان والفكرة والأرض والجمال، التي بدأها منذ تخصصه الفرعي في مرحلة البكالوريوس في جامعة سان دييغو ستيت الأمريكية ثم في دراسته العليا في جامعة تكساس وUCLA، وفي هذا جاءت صناعة الأفلام القصيرة: شاعر"، و"حلم"، و"رؤيا"، و"تمثال"، و"هذا ليس غليوناً" (1989). ثم أصبح مترجماً لها في كتابه "ملاحظات في السينماتوغرافيا" لروبير بريسون (1998)، فباحثاً، وأكاديمياً، وعضو لجان تحكيم لمهرجانات دولية، ثم ناقداً، ومنظّرا فيها، وتوج اهتمامه العميق بها بإصدار كتابه "مساءلات سينمائية" (2009).
أما الفلسفة فهي مشروع حياة، وجماع كل ما سبق: الشعر، والنثر، والسينما، والمعرفة، والفكر، والحياة معا، وبين نيتشه العبقري المجنون، الهادم لكل قائم، والمقوّض لكل مستمر، وماركس المنطلق من قيمة الإنسان في صناعة التاريخ، وتمكين الحياة من الأحياء، وكل من تبعه من منظّري الفلسفة الاشتراكية الأهم في العالم كغرامشي وغيره، والتي تقوم على مبادئ الحق والخير والعدل والجمال، والتي تستنهض قيمة الإنسان في الوجود، وترسم صورة المثقف العضوي، المنحاز للبسيط، والهامشي، والعمالي في الحياة، والانتصار لنضال الشعوب، ولحقها في الحياة الحرة المستقلة، والوقوف ضد كل ما يمنعها، أو يحول دونها في ذلك، كانت رؤية عبدالله حبيب الفلسفية، حيث تسري روح الفلسفة الراديكالية المتحررة في روحه، ويسير على نهجها ومنهجها تنظيرا وتطبيقا، رافضا لكل أشكال العنصرية والفوقية مهما اتخذت من مسميات جديدة، وأساليب مبتكرة، وتقنيع عالمي، ويمكن تتبع خيوطها في كل عمل كتبه، وفي كل موقف اتخذه وعاشه.
يحتل الموت كفكرة أو كفلسفة وجودية الكثير من كتابات عبدالله حبيب، الموت غير المقوّض لفكرة البقاء والوجود، الموت الضمني، والعام، والخاص، الموت السطحي، وغير البليغ جداً، الموت الذي يعني تارة الغياب، وأخرى الفراق، وثالثة الحب، وغيرها من تنويعات مفاهيمية ومضامينية له. الحياة في الموت، والموت في الحياة، هي أبرز المداخل التي لا يعتوّزك الكثير من القراءة والتأمل في نصوصه لتجدها حاضرة ماثلة، صنعها الغياب الأوّل، وذكّاها الفراق الأخير، لذا تجدها عميقة جارحة من أول إصدار، حتى آخر كتاباته المنشورة في الصحف، وجسّدها في كتابيه "فراق بعده حتوف" (2004) و"رحيل" (2009) الذي كتب فيه عن غياب الكثير من الشخصيات التي أتقنت الحياة بالعشق، والموقف، والجمال، ولذا لم يكن غيابها سوى حالة عبور ضمنية لضفة أخرى، غياب لا يؤثر على وجودها الحاضر، والماثل، والحقيقي في التاريخ المكاني، والزماني، والشخصي للبعض، هذه الشخوص التي ليس عليها أن تكون مشهورة، لأن بعضها حميم كالشارع وكالقرية، وبعضها قريب كالحياة، وبعضها متداخل كالعلاقة الطبيعية بين الموت والحياة، والتاريخ والإنسان.
يحضر عبدالله حبيب بكلِّه في تكامل غير منفصل (الإنسان، والنص)، فأنت تجده في الشارع منحازا للإنسان، يكتب نصه الشخصي والتاريخي، وشهادته الحيّة عن المكان والذاكرة والإنسان. وتجده نصاً إنسانياً بليغاً قوياً في الصحف والكتب، ناهضا في المواجهة، عميقاً في التجليات الفنية والفكرية، جارحاً في الرفض، ذاهباً في التغيير. لذا لا يمكنك أن تقرأه في النص إلا إنساناً ذا موقف من الحياة، ولا تقرأه في الحياة إلا نصا عميقاً جارحاً.

تعليقات