حاورها عماد شرف الدين
من مكتب جريدة الخليج بمسقط
على قيد الكتابةّ!! إلى متى ستبقى فاطمة الشيدي على قيد الكتابة، هل تشعرين أن هنالك طائل من الكتابة رغم كل ما يحدث من حولنا؟
الكتابة بالنسبة لي ليست خيارا وجوديا فحسب، بل هي كل شيء أتحرك ضمنه، أقرأ وأعيش وأعمل وأمارس تفاصيل حياتي الصغيرة كأنني أمشي على الورق تماما، أكتب الحياة التي أعيشها بكل تفاصيلها الصغيرة التي قد لا تعني أحدا غيري، وأعيش الحياة التي أكتبها بخفة وعزلة متناهية، أكتب لأعرفني، ولأعرف الآخر " كما يقول سقراط "تكلم لأعرفك"، أكتب لأعبّر عن الصرخة المكتومة في قلبي، لأعيش وأعشق وأموت وأفرح وأحزن أكثر من مرة، أكتب لأتضامن من كل جرح وصرخة وألم، ومعدة خاوية وجسد هزيل، مع كل وحيد ومظلوم وجائع وبردان وحزين وعاشق على هذه الأرض، ولأقف ضد كل متكبر وظالم وقاتل ومغتصب، أكتب لأصرخ في هذا العالم الوقح أوقف القتل والموت والدمار، ولأنتشي مع كل مبدع حر، وفكر سامق، ولأشهق بمحبة مع كل وردة تنمو في شق جدار، ولكل قصيدة ترتفع كغيمة فوق سماء الوقت، ولكل أغنية تعيد لنا الحنين البدئي لبكارة الأشياء. الكتابة فعل مقاومة ضد التكلس والجمود، والعادية والروتينية والقطيعية التي تجعلنا نركع ونحن لا ندرك أننا لن نقوى على النهوض مرة أخرى، وضد الصفعة المهيأة من كل زاوية وكل جهة في هذا الكون، الكتابة فعل استمرار في حياة لا تهيئ لك دروبا صالحة للمشي والفرح وعليك صناعتها في المخيلة، وإضافة الكثير من الرتوش والجماليات المفترضة لك ولآخرين يتابعون مايتساقط من أصابعك. الكتابة هي طاقة الحلم الوحيد الذي يضيء الغد، ويجعل القادم أجمل، والذهاب للمستقبل أكثر خفة؛ ولذا أظنني سأظل على قيد الكتابة فهي الحياة التي أحبها.
2. من يتتبع مدونتك في الأشهر الأخيرة يتلمس شعوراً جارفاً بالعروبة، هل مازالت الشيدية تؤمن بالقومية العربية في ظل مناخ عام من الانعزال والتفكك بين أقطار الوطن العربي "الواحد" ؟
وحدة الإنسانية هي الفكرة الأكبر داخلي، وحدة الألم ووحدة المصير، ووحدة الروح الإنسانية التي عليها أن تكون مكللة بالنبل والرقي والجمال، ومحفوفة بالخير والحق والعدالة والمساواة، ومشاركة الآخر في هذا الكون بعمق وصدق ومحبة.
لذا أستشعر ألم الآخر، بل وأعيشه وأكتبه، الألم الذي هو روح الكتابة كما قال دوستوفيسكي للشاب الذي جاء ليتعلم الكتابة "تألم .. تألم لتكتب"، الشعور بكل قطرة دم كأنها تسقط من قلبك تماما، وبكل دمعة كأنها تحرق مقلتك أنت. وكلما كان الألم قريبا كان الوجع أكبر، حين يموت شهيد في بلاد نحمل دمها وذاكرتها وتاريخها ودينها وكل مقومات العروبة تشعر أن روحك تغادرك للأبد، وأنك تحمل ثأره الخالد، ووجع بلده وأسرته.
وردا على سؤالك نعم لازلت أؤمن بالإنسان والتاريخ واللغة والدين كمقومات لا يمكن أن تفرقنا مهما فرقتنا السياسة، وخذلنا الوقت.
3. كيف تقيمين شخصياً مسيرتك في عالم الكتابة، هل استطاعت فاطمة أن تترك وراءها أثراً في مجتمعها المحلي؟
في البدء هذا السؤال تصعب إجابتي عنه، ربما أحتاج مقيّما آخر ليجيب، ولكن من جهة أخرى غايتك من الكتابة هي من يحكم على منجزك، وأنا أكتب لأعيش، ولا أعيش لأكتب ولذا فلا أرغب في أي شيء، وكما يقول كنتزاكيس " لا أرجو شيئا/ لا أخشى شيئا/ فأنا حر"، فالكتابة بالنسبة لي حياة معادلة تماما للحياة، وهذا في حد ذاته يكفيني، بل أن الضوء والشهرة بكل صدق وموضوعية ترعبني، تماما كما كانت ترعب سيوران وربما أكثر، الكتابة بالنسبة لي تتطلب عزلة وهدوء وروية، كما تتطلب إخلاصا وتواضعا ومحبة، وهذا فقط ما أحتاجه وأريده من هذا العالم، وهذا ما أحصل عليه.
أما عن مجتمعي فهو الدائرة الأصغر والأهم والأكثر حميمية من دوائر الوجود الإنساني التي تعنيني، ولذا فأنا قريبة منه، بالقوة أو بالفعل، ضمن الحالة الثقافية طبعا، لأن هذا تخصصي ومجالي، ولذا فقد حاولت كثيرا الحضور ضمنه وفيه، ضمن مقدرتي النفسية غير الميّالة للحضور الكثيف، والضجيج الضوئي، فلا أحب الأسماء المكرّسة إعلاميا، ولا أحب سطوة الظهور التي تعيق القراءة الموضوعية للمبدع، ولذا لا أحب أن أكون منها وضمنها، ولذا أيضا أهرب كثيرا من الضوء، أحب الزوايا والحالة الطبيعية للثقافة المتقاربة مع الحياة، والتي تتساوى فيها القامات، خارج فكرة الأبراج، والدرجات، ورسمنة وتأطير الفعل الثقافي.
وضمن هذا المبدأ الشخصي حضرت بهدوء وشاركت في العديد من الفعاليات واللجان، كتبت عن الإبداع العماني خاصة الجديد، ولازلت ضمن الفعل والحالة الثقافية، ولازال لدي الكثير من المشاريع التي تخص الإبداع العماني، كما أنني أعتبر كل كتابة أكتبها هي مشتركات إنسانية مع هذا المجتمع، وتسجيل له وعنه بشكل ما، ولدي قراء من جميع الشرائح المجتمعية يتقاربون مع ما أكتب، كما لدي أصدقاء ومتابعون من جميع الأعمار، وأعتبر كل كاتب عماني هو شقيق الكتابة والتراب معا، وقلبي دائما مفتوح لكل جمال وإنسانية.
4. حدثينا عن الحالة الثقافية الأدبية اليوم في عمان و ما هي رؤيتك المستقبلية لذلك؟
الحالة الثقافية في عمان متشكلة ضمن الحالات الثقافية الطبيعية والمتعارف عليها، وضمن دوائر الإبداع وأشكاله وأنواعه المختلفة، وشخوصه وكتاباته، فهو لا يختلف عن أي وسط ثقافي عربي، هناك شعر، وهناك شعراء، وهناك سرد، وهناك ساردون، وأحيانا ليس بالضرورة أن يكونوا متلاحمين، وهناك نقد يحضر قليلا، ويغيب كثيرا، هناك صدق، وهناك كذب، هناك نبل، وهناك تسلّق، هناك محاولات جادة، وهناك ظهور إعلامي لامع، هناك كتابات رائعة وعميقة تتخلّق في العتمة والظل، وهناك قامات تطاول الضوء، وتقصر في مناطق الإبداع، هناك كل شيء، ولكن العميق والكثير والحقيقي – كما في كل مكان أيضا- هو ما لا يظهر، وما لا يزاحم على الحضور والتشكّل الخارجي المعلن عنه، ربما لأن الفرصة لا تمتد للجميع للإعلان عن مشروعه، أو أنه لا يحتاج هذا الضوء أصلا، أو أن نبل وعزلة هذه التجارب يمنعها من التصدي للضوء، وخرق عتمتها التي تنتج إبداعا جميلا .
5. كيف تنظرين لتجربة جمعية الكتّاب في السلطنة، هل استطاعت أن تضيف شيئاً للمشهد الثقافي؟
المؤسسة الثقافية سواء كانت أهلية أو خاصة لا تخلق مبدعا، ولا إبداعا، ولكن مهمتها رعاية الإبداع وتوفير السبل لمساندة المبدع، ونشر نتاجاته، وصناعة المشهد الثقافي بحالاته ومناسباته، التي تتمخض بالتالي عن ندوات ومحاضرات وأمسيات ومناسبات ثقافية يشترك فيها المبدع وتنعكس آثارها على المجتمع. وهي بذلك تسهم في صناعة الحالة الثقافية للبلد، وهذا الدور تقوم به الجمعية الآن، وفي كل إداراتها السابقة.
وربما يطمح المثقف في الأكثر والأجمل دائما من حيث ديموقراطية الفعل الثقافي القائم على المشاركة والتشاور والاقتراع في كل شيء من اللجان حتى المناسبات والمواقف، وإشراك الجميع، وتغليب الإبداع على المظاهر والشكليات والأسماء اللامعة، وتنوع الفعاليات، والاستمرارية، والنوعية، والمواقف الحقيقية للمثقفين والمؤسسة التي ينتمون إليها، ويمثلونها وتمثّلهم، وتعميق وتجذير دور المثقف في المجتمع، لأن الكتابة ليست رص كلمات، ونشر كتب، وإقامة فعاليات، وإنما هي صناعة وعي مجتمعي، وتعميق الحالة الثقافية في الشارع والإنسان كموقف وقيمة إنسانية وحضارية وتاريخية.
6. حدثينا عن فاطمة الناقدة الأدبية، ما هي حدودها و كيف تقرأ تجارب الآخرين لنقدها؟
هي واحدة، تكتب وتقرأ بذات الروح المحمّلة بالشغف والإنسانية والانحياز للجمال والصدق، أحب النص الذي يخرج من الروح حارا وطازجا "ليست النائحة كالثكلى" أحب النص المتمكّن من اللغة والمعنى والشعور معا، أقرأ النص الذي يدعوني لقراءته بدلال وخفة وجمال وعمق جارح، و لا أحب النصوص التي تجبرني على مواصلة القراءة بتعنت أو ضجر، أو تتركني في منتصف المسافة في حيرة من أمري، أنحاز إلى الجمال أو إلى القبح، أحب النصوص التي تخبرني عن إنسانها من داخله، وعن ساردها من رأسه، أحب الكتابة بالدم كما يقول نيتشه، وأحب الكتابة المشغولة بلغة شعرية جارحة، ولذة فكرية عامرة بالوعي والإنسانية والنبل، شعرا كانت أو سردا، وكهذا النص يجبرني على قراءته وتتبع مغالقه ومفاتيحه، ورصد جمالياته، ويحرضني على استحضاره في أوراقي وقراءاتي، والكتابة عنه تكون في حالة تشبه "كتابة على كتابة" أو "نص على نص"، وبيان مواطن الجمال، ومواضع الفتنة التي لامست روحي، وأقلقت وعيي، واستنفرت ذائقتي الكتابة عنه.
كما أكتب كثيرا عن كتابات ونصوص الغائبين الذي كونوا ذائقتي، وأورقوا في ذاكرتي، أكتب من ذاكرة متكوّنة على مهل على يد كتاب ونصوص عظام، أستحضرهم لاحقا بروح تلك الذاكرة الطفلية من جهة، وبوعي ناضج لاحقا، أكتب عنهم محبة ووفاء، وإعجابا وتقديرا.
ولأن الكتابة عن نص هي تخليد له، وتحريض للقارئ عليه، فأنا اكتب فقط ما أربكني وأقلق روحي أو أسعفها، ولذا أيضا لا أكتب عن نص لا يعجبني، ولا يحرك ذائقتي ووعيي، لأن القدح والتجريح "ليس مهنتي".
7. هل لنا أن نختتم هذا الحوار بإلقاء الضوء على مشاريعك للعام القادم؟
لازلت على قيد الكتابة، أكتب بخفة وهدوء، أشعر أن الكتابة كالحب لا تحب الظهور كثيرا، ولا المبالغات، ولا الزيف، فلابد من عتمة والقليل من العزلة، وبعض شوق وشجن حتى نلتذ بها، وحتى يسري ما نكتبه في قلوب القراء، وعقولهم، وحتى نستشعر معهم الحياة في الكتابة، والكتابة في الحياة، لدي مشاريع في الشعر والسرد بعضها مكتمل وسيظهر قريبا بين دفتي كتاب، وبعضها ناقص يشتهي الاكتمال، وبعضها مؤجل كفكرة تحتاج الوقت والزمن لتختمر، كما أكتب شذرات وملاحظات عن الكثير من الحياة ومني، ومن الألم والإنسان والحب والوطن والأمل في مدونتي، وفي صفحتي على الفيس بوك، وهكذا أحافظ على وجودي على قيد الكتابة.

تعليقات