التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

إلى صديقات الغياب

فاطمة الشيدي
30 أكتوبر 2013
جريدة عمان -شرفات

1.
إلى “خديجة” التي غادرت على عجل:
كنت على عجل تعيشين كل شيء بكثرة ووفرة، قلبك الأخضر المولع بالحياة والمحبات، كان ينبض بسرعة وتدفق لا يضاهى، مسكونة مذ كنت بالدهشة المفرطة التي لم تحفل بالتوازنات يوما، وعلى عجل كنت تخيطين صدارات القلوب الصغيرة، والقلوب الوهنة لتشتعل بالأمل.
كنت كغزالة شاردة، أو مهرة عصية على الترويض تركضين في كل مجال ومكان، تزرعين الجمال، وتنثرين الطاقة، وتثيرين زوابع الأمل، وبطاقة لا تضاهي -تثير العجب أو الحسد إن شئت- تفردين أجنحتك كعنقاء في كل مرة. وبعد كل وهن أو ضعف أو انكسار؛ تعودين أكثر خفة ومرحا وحضورا.
كنت عصية على الحياة، فلم تكن لتكسر عودك الأخضر، ولا روحك الجميلة، عصية على كل قبح يحاصر ما هو قربك، متمنّعة خلف متاريس بهائك الروحي، وجمالك الذي كنت تعبرين بك العالم بخفة فراشة هاربة من سطوة الضوء، وشباك الصيادين، الذين يصيدون الفراشات الباهتة ليكسروا أجنحتهن في مصائد الملل والقهر.
عصية على الألم، لذا عمدت لتفتيت الفرح الذي خذلك يوما ما لأفراح صغيرة، لأساور وخواتم، فكنت كلما حركت يدك البيضاء ينتثر الفرح في كل درب، وفي كل خطوة.
كنت مشغولة بصناعة الأمل، ولم تلتفتي يوما للقلوب المريضة والبصائر الضريرة، كنت مشغولة بالبهاء، بالعطاء، والبناء، بصناعة الفرح والخير والجمال، كنت مؤمنة بالإنسان في كينونته الأولى، وأصله الطيب، وعمقه الحقيقي، لذا كنت تخيمين بأجنحتك الممتدة من مفرق الروح، حتى أخمص القلب في كل مكان وزاوية من مكانك الممتد منك إليك، ومن شغاف الروح حتى أوردة القلب.
كنت تعبرين الأشياء والأمكنة والحياة بسرعة، وكأنك تتبعين نجما بعيدا في السماء، أو نداء غامضا يقول لك ليس هذا مكانك، لك مكان أجمل في مكان ما، كنت تمتصين الحياة بعشق موغل وعميق مهما قصر وقته، كنحلة تجد متعتها في الامتصاص لا في غاية العسل، وكأنك كنت تتزودين من كل شيء بسرعة قبل أن يحين الوقت للغياب المبكر.
كنت عصية على الموت وكان الموت مقتنعا بذلك، لذا عمد لتفتيت عزمك رويدا رويدا، أخذ القوة وأضعف الجسد، حتى سلمته مفاتيح التسليم والجسد، وحلقت روحك البيضاء إلى السماء حيث تليق بها.
كنت عصية على كل شيء، وها أنت عصية على النسيان الآن، ففي كل قلب أشعلتِ فيه فرحا نديا، وأملا شهيا للحياة، وزرعتِ فيه ظلال ابتسامتك الوارفة بالحنان كقلوب الأمهات؛ ستظل لك ذكرى، وفي كل زاوية ودرب، من مكانك الذي ذرعتيه جيئة وذهابا وأشعلت فيها سرج الفرح، وشموع الأمل؛ ستظل لك ذكرى، وفي كل حبة رمل، وارتفاع موجة بالغناء أو البكاء على ساحل البحر حيث ترعرعت وكبرت بين يدي زرقته؛ ستظل لك ذكرى، وفي كل صباح تشرق فيه الشمس على صروح العلم، وكل خطوة يخطو فيها تلميذ صغير للمدرسة لأول مرة بأمل جديد، وفي كل نشيد صباحي أو أغنية تزغرد بها حناجر الصغار في كل مدرسة؛ ستظل لك ذكرى. فالسلام والرحمة لروحك الخضراء.

2.
إلى روح "فايزة" الفتاة التي جرفها الوادي اليوم في ولاية "صحم" وهي ذاهبة لجامعتها محمّلة بالأحلام والأمل في الغد : 

لا أعرف ياصديقي ماذا أقول باسمك للمطر، أنا أسأله باسمك، وبروحك المعلقة في العدم الآن، إلى متى أيها المطر، تأتي هكذا مغداقا حافلا بالمحبات والمرارات معا؟ ولا تخبر الشوارع المكسورة الظهر بالفقد الأبدي عن موعد قدومك، كي تخبئ أحزانها وجروحها الصغيرة، وكي تتوسلك أن لا تكون غامرا جدا، فهي لاتملك ما تواجه به محبتك القصوى، وجنونك المهتاج، وهطولك الغزير، مما يمكن أن تدفع به عن نفسها، أو تدافع به عن عابريها عنف وديانك السائلة بلذة المشتاق، وسورة الغضبان، وهي تأخذ معها كل شيء من مصابيح الشوارع وحبات القلوب، حتى أعناق النخيل، وألعاب الأطفال، وبعض الأرواح الطيبة لتسامرها في عبورها الطافح بالسخط حتى حين، ثم تتركها فريسة للغياب والفقد الأخير .
تلك الشوارع التي لاتملك إلا أن تتمايل وجعا وحسرة مع جذوع النخيل وأنين الغافات، وغضب البحر، وحنين الماء، وفراغ القلوب العاجزة، وهي تربي الفقد يوما بعد يوم، وتلوّح للغرقى، وللقلوب المتشظية، وللبيوت التي ينقصها ضوء ووهج كلما ارتفع شوقك، واشتعل عشقك للأرض؟
هل تعرفين ياصغيرتي لم أنم البارحة، كانت روحك تحلّق حولي بردانة وقلقة وخائفة، لم تدرك بعد معنى الموت، ولم تتعود بعد على الغياب، وعلى فقد حنان الوالدين، حضنت روحك في روح كي تهدأ، ولكنها ما لبثت أن حلّقت بعيدا تبحث عن حنان أمها.
كنت طيلة الليل أتخيلك وأنت تضعين ملابسك في الحقيبة الوردية الأسبوعية، وأنت تحملين الكثير من الحكايات لصديقاتك عن الإجازة والنزهات ولذة الطعام الذي أعدته أمك، وشقاوة الأطفال ومواقفهم غير المتوقعة، عن شيء جديد اشتريته، وفرح كثير احتضنتيه، ثم تودعين أمك وتقبلين أخوتك الصغار كما تفعلين كل أسبوع، "وكما فعلنا ذلك طويلا"، وروحك منقسمة بين رحلة العلم التي لابد منها للغد الذي لن يأتي الآن، ورائحة الحنان التي تغمرك وتفتقدينها كلما خطوت خطوة واحدة خارج البيت.
لاحقا تخيلتك وأنت تصرخين، وتطلبين العون والمساعدة والغوث، ولا مجيب، ثم تستسلمين لحنان الماء وقسوته الجبارة معا، تخيلتك تسبحين كسمكة ملوّنة، وروحك تطير فوقك كفراشة الحقول، لاتكاد تصدق ما حدث، تبحث عن حنان العائلة، ودفء البيت، حتى أصبح جسدك الصغير خفيفا منتفخا، مزرقا، وعائما هائما في الماء.
تخليت أنني أمك "خطف رجل ما طفولتي في الثالثة عشر، كما يحدث كثيرا في بلادي، أو خطفني الحب وقررت الذهاب إليه رغم نصائح أمي الكثيرة، ولكني خالفتها وخضت مغامرة الحياة باكرا، وكنت أنت ثمرة روحي الأولى، يحدث ذلك أيضا كثيرا" وحين كنت أمك كان قلبي فارغا تماما، وكانت نيران الفقد والشوق تأكل عقلي، كنت أصرخ في كل من كان إلى جواري " جيبوا لي بنتي ي ي ي، ما أريد أي شي من هالدنيا غيرها، ليش الله ياخذ بنتي أنا بالذات"
تخيلت أنني أختك الكبيرة ، دلفت للجامعة لأتعلم اللغة والأدب والشعر، حين جاء جسدك للحياة صغيرا وطريا، بعد عدة شهور كنت أقرأ القصائد في وجهك أنت أكثر من قصائد الشعراء، وأتعلم الحب من لمعان مقلتك أكثر ممن كتبوا عنه . والآن جاء الموت ليختطف قصيدتي الأولى والأخيرة، فأي وجع وألم يعتريني.
تخيلت أيضا أنك كنت طالبتي النجيبة في مدرسة "حديجة الكبرى" وأنك بجسدك الصغير وابتسامتك العذبة تسابقين الصباحات لروحي بوردة تقطفينها من شجرة بيتكم الأثيرة كل صباح، قبل أن تخطين بخطواتك الطيبة للمدرسة، وتقدمينها لي لأحلّق وأستشعر جماليات الصدق والعذوبة.
أو أنني أدرسك الآن بالجامعة، فلا أجدك وأنا أتتبع طلابي الحاضرين .. كيف أكمل الدرس، كيف أتواطأ مع الغياب على فقدك، ومع الموت على غيابك، ومع الماء على بعدك. كيف...............؟
صغيرتي الغالية التي لم أصافح وجهها ولا كلامها يوما، كثيرة أنت على الموت، وتافه كل ما يمكن أن يقال الآن لك ولأسرتك .
رحمك الله .. ورحمهم .. ورحمنا .

3.
إلى سميرة في سفرها

ها أنت اليوم تذهبين في ظلال القادم وحدك، وأظل أنا هنا معلقة في خيوط الزمان والمكان وحدي، زمن طويل ونحن معا، كنا بالقرب البعيد، والبعد القريب، نرعى العزلة التي تحترمها معا، وننسكب في الشكوى كلما التقينا.
الآن في "الهناك" سيأكلك البرد والوحدة، و(هنا) سأكون أوهن من فكرة لاتجد صداها بريقا في عينك أو لوحاتك.
الشعر الذي ترسمينه، والفن الذي أكتبه، والصمت الذي يجعلنا خارج كل الضجيج الذي يجرح روحينا المتعبتين أصلا ، وحّد بيننا، وأوجد ذلك النوع النادر والخاص من الصداقة العالية، غير المنسكبة، وغير السريعة ككل الأشياء على هذا الكوكب الهش.
الصداقة التي صنعتها الدروب، والمسافات، والسفر، والغياب، وهذّبها الفن والشعر والموسيقى والحزن الشفيف داخلنا.
الصداقة التي تكونت ضمن مزاجنا المضطرب، ووحدتنا الحادة، وضمن الغربة المكانية والوجودية، وتقاسمنا لحظاتها في ضجيج المطارات، وفي شوارع إربد، ومقاهي عمّان، وفي اتليهات الفنون، وقاعات الموسيقا، وصالات الشعر.
وكنا بعد كل غياب نحكي عن حكة في الوريد، وألم صغير في المرئ، عن حلم بعيد يضمحل كضوء يذهب في الغروب، وانكسار يعمّد خيباتنا لهزائمه الوجودية كل أمل، فتمد الأخرى يدها لتصبح جسرا لكل ذلك الوجع، ولمسة حانية لكل الأحزان، وقطنة لكل الجراح الطرية ابدا، تماما كما الصفحة البيضاء التي ننسكب عليها حنينا لونيا، وكلما مضرجا.
ياصديقتي : الآن هنا وهناك وحيث الجديد الذي نسعى إليه دائما، وكثيرا، الجديد الذي يكسرنا غالبا بعد وقت قصير بحمى الغربة، وحنانات المكان الأم التي تسكننا، كوني بخير ورقي، وفن جميل يسعف روحك الجميلة المرهقة، كوني الصديقة الأجمل برهافة الروح وجمال الصمت وعذوبة ما يرشح من أناملك لونا وفكرة وبهاء. كوني بخير دائما وكثيرا.

تعليقات