فاطمة الشيدي
أكتوبر ٢٠١٢
تختلف نظرة الجمهور للمثقف حسب أمزجتهم وتوقعاتهم قبل ثقافتهم ووعيهم، فالبعض يظن أن وظيفة (المثقف) النواح والعويل والرفض الدائم والصوت العالي الذي يخترق الآذان بالخطب الرنانة والشعارات لأنه يقود العامة ويغير مجرى التاريخ، ولذا على المثقف _من وجهة نظر هؤلاء_ أنه يمثّل الجانب المظلم للقمر، و يقف في الزاوية الأخرى للعبور، والضفة الأخرى للنهر دائما رافضا كل شيء ومنتقدا كل أحد. أو أن يحمل سيف دون كيخوته ليحارب طواحين العالم ويواجه كل مستبد بجسده مهما كانت النتيجة ومهما حدث له من عواقب هذا التحدي.
ربما لأن الجمهور يحتاج لمسيح جديد دائما، يحتاج لكبش فداء يقدّم للمسلخ السياسي والثقافي والاجتماعي وتكون وظيفته بعد ذلك _أي الجمهور_ التصفيق له أو رثاؤه وتقديسه والتغنى به. فالجمهور الجبان بطبيعته يريد أن يصنع أبطاله من المخالفين والمختلفين مهما صعبت مهمة الآخر/المثقف ومهما عانى من الويلات والقهر والسجن والتعذيب.
بل وقد يتخلى ذلك الجمهور المصفّق عنه لاحقا في محنته ويدير له (ظهر المجن) فيتبرأ منه ويلومه على تهوره. بعد أن يستفيد من عطاياه وهبات الساسة للموقف المخالف.
وهنا يكون السؤال هل يستحق الجمهور تلك التضحية، أم أن المثقف يذهب غالبا حول فكرة أفلاطونية كبيرة فهو يحارب من أجلها ولا يهتم بردة فعل الشارع؟ لا إجابات فالفكرة تختلف من مثقف لآخر، ومن جمهور وزمن ومكان لآخر أيضا.
المهم أن الكثير من المثقفين تأخذهم حالة النشوة الكونية، فيستلذ للتضحية والمواجهة والاختلاف بسبب أو دون سبب؛ فيصدق مطلب الجماهير ويمضي في محاولة تغيير العالم، ولذا أيضا يغمر الزعيق والنعيق والنهيق العالم اليوم، ويباركه الناس، ويتقبله البعض كوظيفة حتمية للمثقف، في حين أن القليل من (المثقفين) يضع يده على جرح، أو يشرّح فكرة، أو يوصّف ظاهرة، أو يحلل حالة، أو حتى يبث بعض الأمل، ومن يفعل ذلك قد لا يجد الاهتمام الكبير والمفترض لعمق رسالته، وبعد مضمونها في صناعة الوعي وقيادة الجماهير، لأن الجمع غالبا يؤخذ بالصوت العالي والبهرجة والسفسطة.
كما أن بعض الجماهير تفترض أن كل من خط سطرا أو قدم عملا إبداعيا أصبح مثقفا عظيما ينبغي الهتاف له وتقديسه والإيمان برسالته التي تحمل بذور التغيير، وعليه أي المثقف أن يبرهن _شاء أو أبى_ بزج نفسه في معمعة التحدي لسلطة ما، ودفع ثمن ذلك من جسده وزمنه، مع أن ثمة فرق ساشع بين المبدع والمثقف، وليس على أي منهما أن يكون الآخر بالضرورة.
فالمبدع كائن مسالم ومرتبك ومعذّب بوعيه وموهبته غالبا، وراكن إلى ذاته وإبداعه الذي هو نتاج موهبة وملكة لا يد له فيها إلا بتقويتها وتعميقها عبر الوعي والاطلاع والمحاولة. أما المثقف فهو كائن قوي بذاته أولا ثم بالمعرفة ثانيا، يأتي ليواجه القهر والظلم ويوازن العالم بوعيه وثقافته ومواقفهد وأحيانا يشاكسه ويتحداه. بالطبع قد يكون المبدع مثقفا، أو المثقف مبدعا، فتكون لديه مهمتان، ولكن هذا ليس بالضرورة طبعا.
وفي عالمنا العربي اليوم نحتاج للمثقف الواعي ليساعدنا على الفهم أولا، ثم يأخذ بأيدينا نحو التغيير بهدء وخطوة خطوة، ثم يقدم لنا حلولا واعية للمشكلات الشائكة التي يعاني منها المكان والإنسان. إننا بحاجة إلى المثقف المفكك والممنطق والشارح أكثر مما نحتاج إلى مسيح جديد، نعلّق عليه أوهامنا ونبكيه لاحقا؛ لأن مشكلتنا الثقافية والفكرية والإنسانية مزدوجة بين السلطة والشعوب، ووظيفة المثقف الراسخة أبدا تبدأ بالتحليل والتفنيد والتفكيك لصناعة الوعي، ثم تنتهي بالثورة الفكرية ولاحقا تأخذ طرقا أخرى، فوعي الجماهير هو المطلب الأول وهو الطريق الأول والأخير للتغيير دائما واليوم أكثر من أي وقت آخر، فأغلبية الجماهير والشعوب _للأسف- هي السبب الأول والأهم في التردي الحضاري الذي تعانيه أوطاننا العربية. وفي تسلّط السلطات (الدينية والاجتماعية والسياسية) على الإنسان وقهره ومحقه. فالشعوب بأغلبيتها الساحقة التحفت التخلف باسم الدين والعادات وغيرها، واستلذت التفرقة بالعنصرية القبلية والمذهبية وغيرها من أنواع العنصريات اللانهائية، كما صدّقت السلطة السياسية التي تصنع لها خيالات مآتة بين فترة وأخرى لتشغلها عن مصيرها وعن طريق التغيير الواجب اتباعه، فهادنتها الجماهير طمعا وخوفا، وتلقفت عطاياها الشحيحة وهباتها الحقيرة وصفّقت لها، ولمّعت صورتها القبيحة وأفعالها الشائنة، وأوجدت لها المبررات والمسوغات لكل ظلم وقهر وفساد، بل وحتى لقتل بعضها بعضا أحيانا كثيرة.
وهكذا أمنت الحكومات جانبها الكبير والفاعل، ثم أحكمت القبضة على الثلة الخارجة من الواعين ومن المثقفين والمفكرين، وتصدت لهم بكل آلتها الجارحة، وحاربت محاولاتهم المستمرة للتغيير.
ومن هنا فإن دور المثقف العربي اليوم أولا هو خلق وعي نوعي للإنسان العادي أو للجماهير، بخلخلة الثوابت الاجتماعية والسياسية والدينية، وتثقيف المجتمع بحقوقه وواجباته.
دور المثقف الفعلي اليوم هو النحت في العقل العام لتجهيزه للخروج على كل سلطة تستغل تسليمه وتطبيله، وبعد ذلك يعمل مع الجماهير في التغيير يدا بيد .
