التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

وجوه صفيقة

فاطمة الشيدي
24 سبتمبر 2012
جريدة عمان -ملحق شرفات
1.
الرجل الذي يجرجر خلف اسمه صفة "ثقيلة"، حتى يبدو للناظر مائلا لجهة ما، وهو يعبر الممرات غير المصقولة تماما، وهو يحضر الاجتماعات في القاعات غير المرتبة تماما، وهو يسير في سيارته في الشارع غير المستقيم تماما،يذهب في الحالة منصاعا لقوى خفية تهبه هالة ما، تقوي بهذه الهالات الكثيرة هالة أكبر، وتصنع منها سلالم افتراضية لحالة ما، وطبقات اجتماعية وإنسانية مانزّل الله بها من سلطان.
الرجل الذي يفترض من العالم أن ينحني قليلا لظله حين يعبر، وأن يقدمه قليلا حين يقف في طابور ما، وأن يهبه ماهو أكثر، وأسرع وأوسع من كل شيء في كل شيء.
الرجل الذي يحصل على كل شيء إضافي وكثير، يستمتع بنرجسية ما حين يتمطّق أحد المنافقين له بهذه الصفة، أو يتمسّح به أحد المعدمين الذين سرق هو وأمثاله حقهم في الحياة الكريمة، وفقط حين ينام ويخلع تلك الصفة، ويضعها على المنضدة القريبة من السرير كنظارته الطبية التي تبدو أقرب للمجهر لضعف نظره، وطقم الأسنان المصفر من القهوة والشراب، يستوي ويعتدل في استقامه حقيقية في فراشه، ولكنها أيضا أول مايرتديه صباحا، وهي طبعا آخر ما يحتاجه حين يدخل دورة المياة، وحين يقف في صفوف المصلين، وبالطبع حين سيدخل القبر وحيدا.

2.
الفتى الذي لم يستطع النجاح في الإعدادية، والذي كان يحب أن يتسلق شجر "الهمبا" و "البيذام" ويلقي بالثمار لبنت الجيران لتفرح به، هي التي أكملت دراستها الجامعية، ورفضت لاحقا الزواج به بعد أن هام بها، وزرع صورتها وصوتها في روحه، وفي اخضرار المراعي وعلى الجدران في مرحلة الطفولة والمراهقة وبدايات الشباب.
الفتى الذي كان يذهب وراء المتع البسيطة والطفلية ...بعد أن طرد من المدرسة، مثل الجري وراء الأغنام في المراعي، ورفع صوت المذياع لأقصى درجه خاصة مع بعض أغنيات ميحد حمد كـ "لاتذكرني بحبك ياغناتي" وأغنيات سميرة توفيق مثل "والله تصبوها القهوة وزيدوها هيل" .
الفتى الذي كان لايملك من الذكاء مايؤهلة إلا لمحبة الأمهات الطيبات وتحفيزهن لادعاؤ له بأن يصلح الرب عقله ويهديه، بعد كل عمل بسيط يطلبنه منه، ومشوار يقضيه لهن.
الفتى الذي سمن كثيرا لاحقا، إلا فيما يتعلق بوعيه وعلمه وفكره، فقد ظل ضيئلا شحيحا كمصباح زيت قديم، وكما كان، لايزال يأخذ بالظاهر من القول، والقشور من الأشياء، ولأنه لم يكن طويلا لذا أضحى مربوعا بلحية طويلة تصل لمنتصف صدره تقريبا، في حين انحسر ثوبه كثيرا كالقمر في ليالي المد في القرية الغافية، وأصبح يكشف الكثير من ساقين ضخمتين مشعرتين، الأمر الذي جعل نساء القرية تخجل من النظر إليه، فهن لم يعتدن هذا المنظر الخادش للذوق العام .
الفتى الذي تغير كثيرا، أصبح يرتدي البياض من رأسه حتى قدميه، وأصبح لايُرى إلا وفي يده قصاصات وكتيبات صغيرة يوزعها على الناس، وقيل أنه صار يؤم في المساجد، ويقدم الدروس والمواعظ، وعلى صعيده الشخصي صارت نظراته حادة ومتربّصة وكأنها عين وحش، أو طير جارح يبحث عن فربسة، وصار وجهه الأحمر المستدير مخيفا بالبثور السوداء المتناثرة عليه، ولحيته الكثة التي تملأ ذلك الوجه، وأصبحت يده عريضة مشعرة مرعبة، وحين نضج بالتقوى التي يظن لم تجد يده تلك إلا وجه أخته الطفلة الصغيرة لتهوي على خدها الزهري وهو يصرخ في وجه الخصلة الصغيرة المتهادية على جبينها "دخلي شعرك يافاجرة، أنت عورة وهذه الشعرة قطعة من جهنم "، وأصبح صوته الطيب البسيط أجشا خشنا، ولم يجد سوى أمه الطيبة العجوز ، ليصرخ في وجهها المستنير بمحبة الله، "لاتخرجي من المنزل إلا بمحرم، المرأة عورة .. عورة ألا تفهمين؟"
وكأن البياض الكثير ظل في الخارج فقط، ووحدها الحلكة هي ما يقيم في قلبه المجروح، وعقله الصغير، ولأنه لم يدرك جماليات الجوهر الديني القائم على المحبة والنور والأخلاق الرفيعة، ظل يعتني بالخارجي منه فقط، ومع هذا فقد صادف أن أصبح "شيخ طريقة" وأصبح له جماعة وأتباع مخلصون، يؤمنون بما يقول، يحثون على طهارة البدن، وكثرة الأذكار، ويزجرون النساء "الناقصات عقل ودين" كثيرا جدا .

تعليقات