التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

مخاضات المواطنة العربية

 القدس العربي
فاطمة الشيدي
2012-09-23

لماذا قامت الثورات العربية؟ وما هو محركها، سؤال يطرح نفسه بقوة في الذهنية العالمية، ولعل إجابة ذلك السؤال تتضح ببساطة في شعار هذه الثورات "الشعب يريد ...."هذه المقولة التي ظهرت في 2011، المقولة التي كانت أشبه بتحوّل جذري في الخطاب الشعبي والإنساني العربي، الذي ظل صامتا لزمن طويل، في مقابل خطاب حكوماتي رسمي كان يقول كل شيء، وبالطبع يريد كل شيء، ويحقق كل ما يريده أيضا، "الشعب يريد"كانت هي صوت الثورات العربية، أو صرخة الإنسان العربي فيما يعرف "بالربيع العربي" من الماء للماء.
فلماذا ظهرت هذه المقولة في هذا العام تحديدا؟ وليس قبل ذلك؟ فهل لم يكن الشعب يريد قبل هذه السنة تحديدا؟ هل كان مكتفيا، وتفجرت ينابيع إرادته وحاجاته دفعة واحدة فقط مع الثورات الشعبية؟!
بالطبع لا، فالشعب كان يريد قبل عام 2011، وكانت هناك الكثير الحاجات، كما كان هناك الكثير من المطالبات والإرهاصات المبكرة، والمبشرة بهذا الميلاد المجيد، الذي ربما لم يكن إلا نتيجة لوصول الغليان الشعبي للسطح، وطفح ظواهر الحرمان والأسى والوجع على حواف القدر، الذي ظل يغلي لفترة طويلة، وهو يزداد يوما بعد يوم مع زيادة ماء القمع والظلم، كما كانت الكثير من الكتابات والمحاولات والاحتكاكات مع السلطات، الكثير من الرفض العلني والسري، الكثير من الهمس والجهر بالقول، الكثير من التدوينات والمطالبات، الكثير من النقد المنمّق، والحيي إلى حد ما، أو حتى النقد اللاذع (ممن كانوا خارج يد السلطات)، ولكن الحكومات العربية (المتشابهة جدا في التفكير، والتخطيط، والتسييس، والتعامل مع شعوبها) كانت تضع أصابعها في آذانها من الصواعق حذر الموت. ولذا كانت 2011 بداية الانفراج والانفجار المدوّي ورفع شعار الشعب يريد.
فماذا يريد الشعب، أو الشعوب العربية بمجملها؟ وهل الحكومات عاجزة عن توفير هذه المتطلبات الشــــعبية، حتى تدفع الشعوب إلى الانخراط في هذه الحالة الدموية بهـــذا العنف؟ وبهذا التفريط في الأرواح والممتلكات، ودفع كل هذه الأثمان من الدماء والأموال والفوضى والعبث وعدم الاستقرار؟!
ولماذا لم تتعلم الحكومات الدرس من بدايات السقوط، لأول كرسي وحاكم، بل كانت تصر أن تسير على نفس الطريق الوعر، وبذات الحالة الأمنية المرتبكة والموجعة، ولهذا تتابعت الثورات العربية واحدة بعد الأخرى، ودفعت الشعوب العربية الأثمان الكبيرة، وقد يستمر المسلسل الدموي، لأن الحال لا يزال مستمرا، ولا نعرف من القادم في هذا المسلسل المرعب والذي لا نعلم هل ستكون نهايته سعيدة أو لا.
ومازال الشعب يريد .. فماذا يريد الشعب؟
علينا أن نسأل أنفسنا هذا السؤال الكبير والعميق، الذي رفع شعاره الملايين، والذي بالإجابة عليه ندرك حجم هذه الحاجة التي دفع البشر أرواحهم ثمنا لها.
بالطبع تتدرج معطيات هذه الإرادة ضمن مستويات الحاجات المعروفة سلفا، ومنها الحاجات البيولوجية، والنفسية، والفكرية، فالشعب يريد الحياة الكريمة، يريد لقمة العيش الحلال الطيب، وبالتالي فهو يريد وظيفة توفر له سبل الحياة الكريمة، من زواج ومسكن ومأوى، الأمر الذي سيجعله يكوّن أسرة، وبالتالي فهو يريد تعليما حقيقيا لأطفاله، تعليما يخرّجهم في مستوى ما تقتضيه متطلبات العصر وإنسانه، تعليما ليس تقليديا، ولا مكـــــرورا، ولا مسيّسا، ولا يشبه أو يقل مستوى عما حظى هو نفسه به، ويريد أن يشارك في وضعه، وينتقد سياساته إذا لم تتوافق مع السقف المنشود للتعليم الحقيقي، خاصة من ذوي المستويات العلمية العالية من أولياء الأمور، تعليما يغنيه عن أن ينزف دمه، وماله بالذهاب للمدارس الخاصة ليحظى أطفاله بالمستويات اللازمة للتعليم الجيد.
يريد مراكز صحية توفر له ولأطفاله الرعاية الصحية اللازمة، والحقيقية، والأدوية التي تشفي العلل، ولا تزيدها، ولا يكون مضطرا للجوء للمراكز الصحية الخاصة أو السفر للخارج لأنه لا يثق في الرعاية التي تقدم للمواطن العادي هذا إن حصل عليها أصلا أو يوما ما قبل أن يموت، أو كانت أكثر من مسكنات ومخدرا للوجع، كما الكثير من مخدرات العقل والوعي والآدمية.
يريد مساواة وعدالة في تقدير المواطنة، وتوزيع مصادر الدخل، والتعليم العالي، والوظائف، والفرص للترقي والتقدم الوظيفي، تماما كما يريد إعلاما حرا يستطيع من خلاله التقييم، والنقد والمساءلة لكل مؤسسات الدولة.
يريد وطنا جميلا يملك ساحات وميادين وأرصفة ومنتزهات له ولأطفاله، ومكتبات ومتاحف حقيقية، وطن يستطيع أن يعيش فيه في كل الأوقات، ويفخر به وبمنجزاته التي تلبي حاجاته وحاجات أبنائه.
يريد الحرية، يريد أن يعيش مواطنا حرا كريما على أرضه، يعرف مصادر دخل وطنه، وميزانيته وأين تذهب، وعلى من تصرف، لا عبدا ذليلا مطواعا خائفا يأكل بقوت يومه، ولا يمكنه أن يعلم من أمر وطنه شيئا، ولا يمكنه أن ينتقد أو يساءل أحدا، ولا أن ينتقد سياسة أو مسؤول أو مؤسسة، لأن ذلك مصيره العقوبة والحبس والظلم والقهر، وربما النفي والتهجير، وقد تمتد للتخوين والموت.
كانت هذه هي الصرخة التي امتدت من الماء للماء، والتي للأسف أغفلتها الحكومات العربية، أو تغافلت عنها، ومضت الشعوب خلف صداها، ولا تزال، حيث دفعت الكثير من الشعوب ثمنها غاليا، ولا يزال بعضها يسير بخطوات تتراوح بين الحثيثة والهادئة في مناوشة الحال، وطرق الباب تلو الباب للحصول على هذه الإرادة العربية المؤجلة والبعيدة، والمقموعة بقوة القانون المصنوع لقهر الإنسان.
هذه الصرخة التي لا تزال تراوح الحناجر، واللسن بعد كل ذلك الحراك الشعبي الكبير والجميل والواعي منذ 2011، وبعد الكثير من إرهاصات الحرية في كل الدول العربية، نتيجة للكثير من المناورات بين الشارع والمثقف والسلطات، والمناوشات التي تذهب باتجاه الديمقراطية والوعي، واحترام المواطنة، وحريات التعبير، إلا أن السلطات الأمنية لا تزال غير مقتنعة بأن كل هذا حراك ثقافي وسياسي حتمي بحكم المرحلة، وضروري بحكم الحالة، وطبيعي بحكم التغيّر العالمي، لذا فهي تعمد لرفع منسوبها من المحاسبة والتضييق، بإيجاد قوانين جديدة تذهب في قمع حرية التعبير، أو مواجهة الرأي العام، مثل قوانين "مخالفة قانون الاتصالات" أو "منع التجمهر، والتحريض" أو حتى "النيل من مكانة وهيبة الدولة" وغيرها من التهم التي تبدو مطاطة وفضفاضة ولا يمكن القبض على مكنوناتها، أو فهم مكوناتها ببساطة وعقل ومنطق تام، بل يمكن حشوها بكل التهم لاحقا. لتبرير اعتقال الشباب لانتقادات أساسية وضرورية، وباسم القانون الذي لا يختلف اثنان على أنه في الأساس وضع لحماية الإنسان.
وبالطبع ووفق هذه الحالة لا تزال معظم الشعوب العربية تعيش حالة القلقلة والارتباك العسر في مخاضات الحرية والعدالة، المندفعة من رحم فكرة الثورات/الحراك الشعبي 2011، وضمن إرهاصات فكرة المواطنة الحقيقية التي تبتغيها، فلا يمكن لأحد أن يقر محاكمة الكلمة، ولا مصادرة النقد الذي يصب في المصلحة العامة، أو أن يقر تقليص مساحات حرية التعبير، وتكبيل دوائر البوح والمساءلة، أو تحجيم دور المواطن، وتهميش فكرة المواطنة الحقيقية القائمة على النقد والحقوق المدنية، بل إن تجريم هذا الفعل هو من إنسانيات الإنسان المتصلة بالحريات الطبيعية والثقافية الضرورية ليتمتع بشعوره الطبيعي المستند للأمان والقانون والحرية. ووجود هذه المساحة من الأمان والاحترام بين القانون والمواطن هي ما يعوّل عليها في فهم طبيعية العلاقة بين المجتمع والقانون، القانون الذي عليه في البدء والخاتمة أن يكون لحماية الإنسان، من الآخر مهما كانت مكانته وقوته.
وبذلك ينبغي أن يكون الوعي والنقد ضمن القانون، أو ضمن الدعوة لمراجعة القوانين الصارمة التي أوجدت لتقلل من حرية الإنسان، وتقليص مساحات حرية التعبير، وتقويض أساسات عميقة الامتداد في روح الإنسان ووعيه وقلمه وأرضه، لأن وجودها سيتسبب في خلق حالة غير مستقرة، وسيدفع بالجميع لطرق أبواب خارج دوائر القانون والنظام، وبالتالي تختل الثقة بين المجتمع والقانون.

هذه الطريق التي يجب أن تسلكها الحكومات العربية بوعي ونبل لتحقيق فكرة المواطنة بكل ممكناتها من المدنية والعدالة والحرية، والتي عليها ألا تكون طويلة على الشعوب فهي مرهقة ولا تزال في امتداد الصرخة من 2011.


كاتبة وأكاديمية من عُمان