جريدة البيان الإماراتية سبتمبر 2012بقلم: ظبية خميس
الكتابة الإستبطانية فى الرواية والشعر كانت أحد ظواهر وسمات جزء من الأعمال الأدبية فى الخليج.يلجأ الكاتب إلى عالمه الداخلى الموازى للعالم الخارجى الذى يكاد يغيب عنه أحيانا.يسقط هواجسه وأوهامه وأحلامه وروءاه على الخارج مفسرا ما لا يفسر ومحددا نقطة وقوفه فى وسط العالم من خلال عالم مواز وجدانى وشيحى أحيانا.كان تفسير ذلك فى وقت ما هو غياب التجربة والخبرة الإجتماعية المباشرة وإيقاع الحياة المدنية والشارع والتفاعل الإنسانى الذى تقتضيه التجربة لكتابة الرواية تحديدا.وفى حالة المرأة-الكاتبة ربما يكون القيد الإجتماعى الثقيل للتقاليد واتلجو المحافظ والعزل والفصل بين الجنسين بحيث تستنبط الحياة عبر عزلتها الخاصة وتوهماتها وتوقها ووجدانياتها.وفى كثير من الأعمال تجد الأحداث الروائية والقصصية الخليجية فى الخارج وليس الداخل:ربما دول عربية أخرىأو اور وبا أو آسيا فإذا لامست روح المكان وجدته غائبا والخارج مسطحا فى طرحه بصورة شبه سياحية فى الغالب.
فى روايتين عمانيتين قرأتهما حديثا,أيام فى الجنة لغالية أل سعيد,وحفلة الموت لفاطمة الشيدى,حضرت الأماكن الأخرى الموازية للحرية الفردية فى الخارج فالأولى تدور أحداثها فى لندن عن العلاقات المرتبكة والإنتهازية العاطفية لرجل نصاب عربى(ربما عمانى) يستعمل النساء والحب والجنس والواج لمصالحه الخاصة وتبدو لندن برمتها كحديقة خلفية لذلك الرجل.أما رواية حفلة الموت لفاطمة الشيدى فإنها تأخذها إلى أماكن أخرى أيضا وبالتحديد البحرين ولندن وتبدو عمان شبحية وموحشة للغاية من خلال سرد البطلة أمل,وهى رواية عن حب مرتبك آخر تتلعثم به بطلة الرواية عكس بطل رواية أيام فى الجنة.والملفت أن الروايتين أخلاقيتان فى المقام الأول فأيام فى الجنة تعرى بطل روايتها وتجعله شر مطلق وتقدم صورة كاريكاتورية للتعددية فى العلاقات والمادية المفرطة التى طغت على حياة بطلها العربى الشرقى الساقط تقريبا أخلاقيا فى سلوكياته مع المرأة والمجتمع.أما فاطمة الشيدى فى حفلة الموت فإنها تكتب بعاطفة جارفة وألم مستميت وشاعرية عالية مسبطنة ما تريد من مخيلة ووجدان بطلتها.تكتب عن عمان وتستخدم طقوسية ومعتقدات سحرية وشعبية تسيطر على حياة بطلتها العاشقة والمسهدة بكوابيسها والضائعة فى أطوار نفسها.
حفلة الموت رواية عن كابوس أنثى تحاول الخروج منه بخلق عالم عشق مواز وهى ضائعة بين أشباح الجن والقط الأسود وحبيبها الفنان أحمد الذى تريد منه أن يكون هو المنقذ لها من ذلك السحر الذى تلبسها ومن ذاكرة طفولة دامية فيها صورة الأب القاسى والمستغل والعنصرى والأم العاجزة التى حملت بها من إغتصاب سيد لعبدته التى تزوجها بعد حملها منه بالطفلة بطلة الرواية أمل.تعيش أمل تمزق بدأ من طفولتها فى عالم كابوسى يبدو حقيقى من شدة سطوته عليها جسدا وروحا ومخيلة فتضاجع أشباح الجن الذين ينتهكونها وتكون المغيبة التى نجت من موت أسطورى فى حفلة السحرة التى كانت ضحيتها.الرجال أيضا بما فيهم أبيها يبدون كالسحرة والجبابرة ويتقطرون قسوة وشهوة وإضطهادا للنساء من حولها.تتكرر بشاعة صورتهم ولا ينجو من ذلك إلا أحمد البحرينى-العراقى الذى أحبته أثناء دراستها الجامعية فى البحرين.وما يؤنس أحمد ربما كونه فنانا كأمل ومن زواج مختلط مثلها.
تنتقى فاطمة الشيدى كلماتها فى الرواية فى تدفق وجدانى وشعرى مذهل.تقول عن روايتها:رواية متخيلة نسجت أحداثها من ميثولوجيات المكان العمانى.
تبدأ روايتها بالمشاعر العشقية التى تولدت لدى البطلة وما يفعله العشق بحواسها وجسدها المكبوت-المنتهك سحريا.تتحدث عن لقاء مع الحب تفر منه وتستسلم لعشق المخيلة بعيدا عن تفاصيل الواقع الحقيقى.تهرب من الحب إليه ولكن فى رأسها وعذاباتها.تقول-(هل سيكون من السهل على سلسيلة الجبال والأفلاج والحاس والنفط,حفيدة الخناجر واللحى,وريثة العقد والشياطين والجن,إبنة القبائل التى عار حتى أن يسمع صوتها أن يسمع صوتها أن تسقط فى شراك الحب؟)ص12.
ترسم أمل البطلة للمعشوق صورة ساحرة فهو المنقذ المنتظر الذى لاخلل به ولا وصمة.هو حجم خيالها وحمى جسدها المقموع وإشتهاءها الذى يفتح لها باب الحياة.وهو المنتظر _للمغيبة) كما أسمت نفسها بعد وقوعها فى شرك مايشبه الموت السحرى ومحاولة إنتهاكها عبر السحرة فى طفولتها.
أمل فتاة مسكونة وشبحية وقصية,وهى أيضا تتدفق بالعواطف والشهوات والرغبة فى الحياة وتعيش فيما بين العالمين.ترى أنها وحبيبها يتحركان فى جغرافيا داخلية واحدة.تكتب عن تلك الجغرافيا الداخلية والتاريخ الداخلى الذى موضوع للرواية بكاملها.
تحاول أن تنتصر على إضطهاد محيطها لها وعدم زواجها بالعلم والدراسة لتتميز عن بنات جنسها فى القرية,ولكنها متلعثمة وخائفة من الحياة والحب ولا تعرف كيف تطلق شياطينها الداخلية تجاه الحياة.تفضل الصمت والعذاب الداخلى والتوق على البوح والتحقق ونيل ما تريده من حب وتقول أنها بنت شرعية للخوف.
وحتى حين تحدث المصارحة بالحب بين أحمد وبينها فإنها ناقصة.تخاف أن تتزوج وأن تصارح حبيبها بقصتها.وتخاف من عالم الجن الذى يحتلها.حتى الحب يأخذ مساحته الكبرى عبر الماسنجر والإنترنت بدلا من التواصل الحقيقى والمباشر.
وحين يكاد يتحقق الحب والزواج ويسافر أحمد إلها فى لندن تسقط فى غيبوبة موت بعد أن تحكى له عن كوابيسها والسحر والجن ويتركها عائدا على أنها جثة ميتة فى المستشفى ويسافر.غير أنها تستيقظ من موتها بعد شهور وعلى الحياة وعلى خروج أشباحها منها لتبدأ بدورها نية البحث عن أحمد.
حفلة الموت هى أسطرة للمكان والذات والعلاقات ولفكرة الحب,وهى رواية تحمل الهواجس والعواطف والغياب والحضور للغياب فى وجدان البطلة.هى رواية العذابات العاطفية والحياة الناقصة ومحاولة لأنثى أن تجد لأنوثتها تحققا فى عالم لا يزال يثير رعبها.
القاهرة.
19-8-2012
المرجع:فاطمة الشيدى,حفلة الموت.(بيروت:دار الآداب,2009)
تعليقات