فاطمة الشيديشرفات جريدة عمان
15 / 1/ 2009
على بعد خيطين صغيرين، متوازيين أو متقاطعين، غارقين في الظلمة، أو طافيين الغرق، وهميين في ذاكرة العدم، أو حقيقيين في ملعب الفوضى، كان ثمة ماء، وكان ثمة صرخة مكتومة في ذاكرة مهترئة من شدة السطوع، صرخة عاتية، عاجزة عن التحقق، وعن المثول، وعن التراجع، وعن الخفوت، وعن التقلص، وعن التكاثر، صرخة بين نعم ولا، بين الصواب والخطأ، بين الفضيلة والرذيلة، صرخة بين كل المتناقضات والمتنافرات، وكل المترادفات والمتشابهات، صرخة منحازة للانحياز.
صرخة لا أعرف تحديدا منذ متى كانت، فقط أعرف الآن جاهزيتها للمثول، (وأعرف في الثانية أيضا مشفوعة بكل الريب ولا علاقة لها باليقينية)، ولا أعرف حقا لم كان علي أن أذهب في طريق هذه الصرخة العابرة للقارات؟ ومنذ متى تحديدا، ربما منذ كنا معا عند مفترق الطريق المؤدي للحلم والتهلكة، منذ كنت أعرفك وكنت تعرفني، ولم نكن كذلك يوما!
أعرف أنني كنتُ أحمل شمعة في ذاكرة الصمت، تضيء التربص قليلا كي تشتعل ذاكرة الحلم، وكنتَ حين تدنو مسارات الوجع الرابضة عند مد الجرح، تغني، وكنت أحب صوتك الرخيم، المتوحش، الجافل ،المتهادي، الغاضب، الحنون، القاسي، الطيب.
يومها رأيت تلك الصرخة تتفصد من أحلامي، ومن عرق اللغات التي نعرف، ويومها أيضا لمحت ارتباكاتك المتآخية كسرب من النخيل، أو من اليمامات الآخذة في الهديل في قيظ قرية ساحلية غارقة في الملح والغرق، لم أكن أعرفك أبدا، فقد كان الظلام يقف حاجزا بيننا، بيننا نحن فقط، بينما كانت الشموع تضيء المتبقي من جوانح البلدة الغافية في السكينة، وتُضحِك نواجذ الدرب الذي تحكمه قوانين الغافة العجوز.
حين رأيتك بعدها عرفتك تماما، كنت أريد أن أعرِّفك بي، وبها أي تلك الصرخة العظيمة التي نمت في مغبّة الحلم، ولكنا كنا كغريبين يلتقيان لأول مرة، وعلينا أن نفعل ما يفعله الغرباء؛ علينا أن نفتعل المجاملات والمجازات، وأن نوهم الآخر بالكثير من الكذب، وفي المرة الأولى يصبح الحديث عن صرخة حالة مجنونة جدا، لا تليق بصرخة من هذا النوع. فالصرخة التي أود أن أعرفك عليها طفلة طيبة، لا تمثل صخبا، ولا ضجيجا ولا إزعاجا، صرخة لها ذاكرة وحلم، ولها ذكريات كثيرة ممتدة كشريط سينمائي، ولكني لازلت أتساءل أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني؛ فكيف نمت بيننا تلك الصرخة؟ ومتى؟ ولم؟
ومع هذا فهي صرختنا المشتركة! طفلتنا المعوّقة، نعم فهي صرخة بكماء صماء، ومشلولة أيضا، ولكنها تتحرك كثيرا، وترغب في التحقق، ربما تستخدم كرسيا متحركا. أقول ربما! لكنها مجبولة على الصمت والهدوء، مقدودة من ذاكرة حلم فقط، ولها الكثير من مساومات الوجع الأخرق، والانصهارات المتكررة في بوتقة الأشياء الخفية والحميمية، والأشياء المفترضة والمراهن عليها بثبات في زمن الانكسارات.
هذه الصرخة (صرختنا) لا تُسمع ولا تُرى، وقد تشم فقط، وقد تشعر بها في مراياك الداخلية ما أن تكون معها في ذات السياق، وقد تلمح لمعانا غريبا في داخلك عنها من اثر انعكاس حنانها فيك، إنها صرخة برائحة غريبة ليست سيئة ولا جميلة، ليست نتنة ولا عطرية، رائحة ليست قوية، ولا عدمية، إنها رائحة محايدة تقريبا، رائحة قد تشبه أنفاس البحر في صيف القرى الساحلية إذ تستقبل النسيم المشبّع بالرطوبة، أو رائحة الحشائش الجافة قبيل حلول الشتاء في الحقول الممتدة على الطريق المؤدي لتلك القرى.
تلك الصرخة التي نمت باكرا وفي ظهيرة حلم أصهد، لم تتضخم أبدا، بل ظلت صغيرة جدا، ومحافظة على حضورها المحجّم نسبيا، كما لم تتضخّم رغباتها في الظهور، فقط تركت شعورا هادئا بالرغبة في الإفصاح عن ذاتها لتقول أشياء كثيرة، ولكنها أشياء خافتة أيضا، تريد أن تقول أنها رهينة قوى غيبية، أعادت لها الحلم إذ شهدتك على مشارف زمن موغل في كل شيء، وفي اللاشيء، وكأنك كنت منذ الأزل هناك، ولم تبرح المكانات والأزمنة.
فقد رأتك تمسح بيد طرية على الرمل الأول، فتمحو خطوات كل من عبروا صمامات الدهشة في ذاكرة الشاطئ القديم، وفي القلب الميت، وتركوا فوضى حواسهم واجتراحات مخيلاتهم الظللية على هامش الأفق.
رأتك تسوي بيني وبين الجراحات القديمة، وتثقب الذاكرة لتتساقط منها الأنجم على سدرة الوهم الملوّنة باللعنات والفرح القصير، السدرة الصديقة رفيقة أزمنة البراءة والغيم، حيث كنا ننام تحت ظلها الظليل على ظهورنا، ونرشق السماء بتحديقنا المركّز لنبحث عن شكل ما في ملامح الغيم، ونصرخ حين نرى هيكلا حقيقيا، وجدته.! (إنها ذات الصرخة!) والتي تحضر حين كنا نجلس تحت غافة الليالي والنهارات الطويلة، الرابضة عند مفترق مسارات الوجود الهش والبسيط لزمن طفلي حالم، وبعد زمن قليل صرنا وبافتعالات حضور مختلف ساذج نسميها شجرة أعياد الميلاد، كما أصبحنا بعد ذلك نلوي أعناق الكلمات، لتكون أكثر خفة وبلاغة وربما غرابة أحيانا، ونتشدق بالإثم الجارح، والألم المبين.
كنتَ هناك إذن، يا طالما كنتَ هناك!
عند ذلك الفراغ الموحش الفاصل بين القرية والمدينة، بين البحر والليل، بين الصبية والملاعب، بين عرائس الإسفنج ودمى الخيزران!
كنتَ هناك، وياطالما كنتَ!
في صدى صوت الغربان الحنونة نطعمها خبزنا اليابس، وتدلل يباس أيامنا بالنعيق، في بيوت النحل نبحث عن لسعاتها لنختبر الألم، ونجرب فوضى الأشياء البعيدة لبرهانات ناقصة لغياب كثير.
كنا معا، على بعد مد من الفرح النيئ، نربي الشهقات في الصحف البنية التي تهبنا الأشياء بلا تبريرات فلا تعنينا، نتسلق الأشجار، وندوزن الطرقات، وننتبه للتفاصيل الصغيرة، ونرضع ملامحها بنهم كي نروي غيابنا القادم لا محالة.
كنا نأكل من ضحكات الكون الطازجة، كأرغفة للوجد المتوحد بيننا، والذي كان بلا مسميات وبلا أشكال، نستبيح عرى الحنانات والأحزان المترفعة في هياكلها المقدسة، وهياكلنا الهشة.
عرفتنا الصرخة، ولم نعرفها حين التقينا، لأننا أصبحنا بحزم كاذب، وبجدل مفتعل، نحاور الفراغ، والأشياء العادية جدا، لنجد مبررا لزمن قادم يمر سريعا بعجلاته على أجسادنا ولا ننتبه!
أصبحنا ننتعل قيظ الأرواح، وبرد المسافات في فكرة واحدة، فكرة تتحد فيها المتضادات لتخلف صفرية الأشياء، ولا شيئية التكوّن!
أصبحنا نكتهل بالدموع، وكنا نكتحل بشفقتها الطروب، وحزنها المراوغ وكذبها الأنيق، بالتمني اللعوب، والدلال الكاذب.
أصبحنا نركن إلى الحذف، ونخشى من الإضافات، أصبحت هناك أشياء كثيرة يجب التخلص منها، نردد ذلك دائما، الارتباكات المورقة كخذلانات مهيبة حين نلمح ظهور الآخرين وقد رسمت عليها لوحات مقيتة بالدم والفحم، وجوههم الأكثر وجوبا للتخلص منها، تلك الالتماعات الزائفة في المقل والافترارات الزيتية في الشفاه فيما يشبه ضحكة أو حتى كلام، نحن غالبا لا نسمعه لأننا تغيب في فكرة تحرك الأشداق، وفي النجوم المتحركة أمام المتحدث تخبرنا بكذبه. وأحيانا قليلة نستشعر وخزة حادة في الصدر تعاطفا مع أوجاع صادقة، أو إغضاءة في الطرف عن حنين يتسرب كالرعاف إلينا من نظرة حادة أو فقد جارف.
ولكنا أيضا كثيرا ما نترك الأشياء على عواهنها تمضي، كي تذوب بسرعة كقطعة سكر وحيدة في كوب قهوة عظيم.
الصرخة العظيمة هي ربما ما يجب أن نتخلص منها الآن بعد كل هذا التحول واليباس، وجريرة تلك الصرخة؛ الأحلام تلك الرحلة الفجائية التي تأخذك بقوارب من فضة، أو بعربة تجرها أربعة أحصن زجاجية، أو بمنطاد ملوّن لمناطق آهلة بالحنين أو بالفرح، أو بصرخة كصرختنا سيئة الذكر. وقد تكون رعشة ظامئة في كنف وحش عجيب يحاول أن يقتلع أحشاءك وأنت تسمع وترى، أو طائر كاسر يحملك بوهنك بين أظافره، وتمتد محاولاتك في التخلص حتى تصحو وأنت تغرق في بحيرة من عرق. وتستفيق محملا بذاكرة الرعب، أو بصرخة حنونة تقبع في ذاكرتك وروحك زمنا، وربما تتيح لها المجال ذات فرج لتعلن عن رغباتها في (الآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه)، فتتحقق رؤى في الحنين، أو تذهب هباء في الضمور.
صرخة لا أعرف تحديدا منذ متى كانت، فقط أعرف الآن جاهزيتها للمثول، (وأعرف في الثانية أيضا مشفوعة بكل الريب ولا علاقة لها باليقينية)، ولا أعرف حقا لم كان علي أن أذهب في طريق هذه الصرخة العابرة للقارات؟ ومنذ متى تحديدا، ربما منذ كنا معا عند مفترق الطريق المؤدي للحلم والتهلكة، منذ كنت أعرفك وكنت تعرفني، ولم نكن كذلك يوما!
أعرف أنني كنتُ أحمل شمعة في ذاكرة الصمت، تضيء التربص قليلا كي تشتعل ذاكرة الحلم، وكنتَ حين تدنو مسارات الوجع الرابضة عند مد الجرح، تغني، وكنت أحب صوتك الرخيم، المتوحش، الجافل ،المتهادي، الغاضب، الحنون، القاسي، الطيب.
يومها رأيت تلك الصرخة تتفصد من أحلامي، ومن عرق اللغات التي نعرف، ويومها أيضا لمحت ارتباكاتك المتآخية كسرب من النخيل، أو من اليمامات الآخذة في الهديل في قيظ قرية ساحلية غارقة في الملح والغرق، لم أكن أعرفك أبدا، فقد كان الظلام يقف حاجزا بيننا، بيننا نحن فقط، بينما كانت الشموع تضيء المتبقي من جوانح البلدة الغافية في السكينة، وتُضحِك نواجذ الدرب الذي تحكمه قوانين الغافة العجوز.
حين رأيتك بعدها عرفتك تماما، كنت أريد أن أعرِّفك بي، وبها أي تلك الصرخة العظيمة التي نمت في مغبّة الحلم، ولكنا كنا كغريبين يلتقيان لأول مرة، وعلينا أن نفعل ما يفعله الغرباء؛ علينا أن نفتعل المجاملات والمجازات، وأن نوهم الآخر بالكثير من الكذب، وفي المرة الأولى يصبح الحديث عن صرخة حالة مجنونة جدا، لا تليق بصرخة من هذا النوع. فالصرخة التي أود أن أعرفك عليها طفلة طيبة، لا تمثل صخبا، ولا ضجيجا ولا إزعاجا، صرخة لها ذاكرة وحلم، ولها ذكريات كثيرة ممتدة كشريط سينمائي، ولكني لازلت أتساءل أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني؛ فكيف نمت بيننا تلك الصرخة؟ ومتى؟ ولم؟
ومع هذا فهي صرختنا المشتركة! طفلتنا المعوّقة، نعم فهي صرخة بكماء صماء، ومشلولة أيضا، ولكنها تتحرك كثيرا، وترغب في التحقق، ربما تستخدم كرسيا متحركا. أقول ربما! لكنها مجبولة على الصمت والهدوء، مقدودة من ذاكرة حلم فقط، ولها الكثير من مساومات الوجع الأخرق، والانصهارات المتكررة في بوتقة الأشياء الخفية والحميمية، والأشياء المفترضة والمراهن عليها بثبات في زمن الانكسارات.
هذه الصرخة (صرختنا) لا تُسمع ولا تُرى، وقد تشم فقط، وقد تشعر بها في مراياك الداخلية ما أن تكون معها في ذات السياق، وقد تلمح لمعانا غريبا في داخلك عنها من اثر انعكاس حنانها فيك، إنها صرخة برائحة غريبة ليست سيئة ولا جميلة، ليست نتنة ولا عطرية، رائحة ليست قوية، ولا عدمية، إنها رائحة محايدة تقريبا، رائحة قد تشبه أنفاس البحر في صيف القرى الساحلية إذ تستقبل النسيم المشبّع بالرطوبة، أو رائحة الحشائش الجافة قبيل حلول الشتاء في الحقول الممتدة على الطريق المؤدي لتلك القرى.
تلك الصرخة التي نمت باكرا وفي ظهيرة حلم أصهد، لم تتضخم أبدا، بل ظلت صغيرة جدا، ومحافظة على حضورها المحجّم نسبيا، كما لم تتضخّم رغباتها في الظهور، فقط تركت شعورا هادئا بالرغبة في الإفصاح عن ذاتها لتقول أشياء كثيرة، ولكنها أشياء خافتة أيضا، تريد أن تقول أنها رهينة قوى غيبية، أعادت لها الحلم إذ شهدتك على مشارف زمن موغل في كل شيء، وفي اللاشيء، وكأنك كنت منذ الأزل هناك، ولم تبرح المكانات والأزمنة.
فقد رأتك تمسح بيد طرية على الرمل الأول، فتمحو خطوات كل من عبروا صمامات الدهشة في ذاكرة الشاطئ القديم، وفي القلب الميت، وتركوا فوضى حواسهم واجتراحات مخيلاتهم الظللية على هامش الأفق.
رأتك تسوي بيني وبين الجراحات القديمة، وتثقب الذاكرة لتتساقط منها الأنجم على سدرة الوهم الملوّنة باللعنات والفرح القصير، السدرة الصديقة رفيقة أزمنة البراءة والغيم، حيث كنا ننام تحت ظلها الظليل على ظهورنا، ونرشق السماء بتحديقنا المركّز لنبحث عن شكل ما في ملامح الغيم، ونصرخ حين نرى هيكلا حقيقيا، وجدته.! (إنها ذات الصرخة!) والتي تحضر حين كنا نجلس تحت غافة الليالي والنهارات الطويلة، الرابضة عند مفترق مسارات الوجود الهش والبسيط لزمن طفلي حالم، وبعد زمن قليل صرنا وبافتعالات حضور مختلف ساذج نسميها شجرة أعياد الميلاد، كما أصبحنا بعد ذلك نلوي أعناق الكلمات، لتكون أكثر خفة وبلاغة وربما غرابة أحيانا، ونتشدق بالإثم الجارح، والألم المبين.
كنتَ هناك إذن، يا طالما كنتَ هناك!
عند ذلك الفراغ الموحش الفاصل بين القرية والمدينة، بين البحر والليل، بين الصبية والملاعب، بين عرائس الإسفنج ودمى الخيزران!
كنتَ هناك، وياطالما كنتَ!
في صدى صوت الغربان الحنونة نطعمها خبزنا اليابس، وتدلل يباس أيامنا بالنعيق، في بيوت النحل نبحث عن لسعاتها لنختبر الألم، ونجرب فوضى الأشياء البعيدة لبرهانات ناقصة لغياب كثير.
كنا معا، على بعد مد من الفرح النيئ، نربي الشهقات في الصحف البنية التي تهبنا الأشياء بلا تبريرات فلا تعنينا، نتسلق الأشجار، وندوزن الطرقات، وننتبه للتفاصيل الصغيرة، ونرضع ملامحها بنهم كي نروي غيابنا القادم لا محالة.
كنا نأكل من ضحكات الكون الطازجة، كأرغفة للوجد المتوحد بيننا، والذي كان بلا مسميات وبلا أشكال، نستبيح عرى الحنانات والأحزان المترفعة في هياكلها المقدسة، وهياكلنا الهشة.
عرفتنا الصرخة، ولم نعرفها حين التقينا، لأننا أصبحنا بحزم كاذب، وبجدل مفتعل، نحاور الفراغ، والأشياء العادية جدا، لنجد مبررا لزمن قادم يمر سريعا بعجلاته على أجسادنا ولا ننتبه!
أصبحنا ننتعل قيظ الأرواح، وبرد المسافات في فكرة واحدة، فكرة تتحد فيها المتضادات لتخلف صفرية الأشياء، ولا شيئية التكوّن!
أصبحنا نكتهل بالدموع، وكنا نكتحل بشفقتها الطروب، وحزنها المراوغ وكذبها الأنيق، بالتمني اللعوب، والدلال الكاذب.
أصبحنا نركن إلى الحذف، ونخشى من الإضافات، أصبحت هناك أشياء كثيرة يجب التخلص منها، نردد ذلك دائما، الارتباكات المورقة كخذلانات مهيبة حين نلمح ظهور الآخرين وقد رسمت عليها لوحات مقيتة بالدم والفحم، وجوههم الأكثر وجوبا للتخلص منها، تلك الالتماعات الزائفة في المقل والافترارات الزيتية في الشفاه فيما يشبه ضحكة أو حتى كلام، نحن غالبا لا نسمعه لأننا تغيب في فكرة تحرك الأشداق، وفي النجوم المتحركة أمام المتحدث تخبرنا بكذبه. وأحيانا قليلة نستشعر وخزة حادة في الصدر تعاطفا مع أوجاع صادقة، أو إغضاءة في الطرف عن حنين يتسرب كالرعاف إلينا من نظرة حادة أو فقد جارف.
ولكنا أيضا كثيرا ما نترك الأشياء على عواهنها تمضي، كي تذوب بسرعة كقطعة سكر وحيدة في كوب قهوة عظيم.
الصرخة العظيمة هي ربما ما يجب أن نتخلص منها الآن بعد كل هذا التحول واليباس، وجريرة تلك الصرخة؛ الأحلام تلك الرحلة الفجائية التي تأخذك بقوارب من فضة، أو بعربة تجرها أربعة أحصن زجاجية، أو بمنطاد ملوّن لمناطق آهلة بالحنين أو بالفرح، أو بصرخة كصرختنا سيئة الذكر. وقد تكون رعشة ظامئة في كنف وحش عجيب يحاول أن يقتلع أحشاءك وأنت تسمع وترى، أو طائر كاسر يحملك بوهنك بين أظافره، وتمتد محاولاتك في التخلص حتى تصحو وأنت تغرق في بحيرة من عرق. وتستفيق محملا بذاكرة الرعب، أو بصرخة حنونة تقبع في ذاكرتك وروحك زمنا، وربما تتيح لها المجال ذات فرج لتعلن عن رغباتها في (الآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه)، فتتحقق رؤى في الحنين، أو تذهب هباء في الضمور.