التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

ربيع الخوف

فاطمة الشيدي 
شرفات جريدة عمان 
17 يوليو 2012

رعب عجيب يملأ العالم، فوضى، دم، عنف، وكأن كل المصائر انفلتت دفعة واحدة، فلم يعد أحد ما يمسك بزمام اللعبة، وكأن عاصفة شديدة تجتاح العالم والسفينة تمضي بلا ربان.
حتى من كانت يظن أنه يخطط للأمر برمته، ويظن أنه يجيد التحكم في مسارات الأمور، أفلت الزمام من يده، وأصبحت الحالة كلها آلية تماما.
الكل مرعوب، القوي والضعيف، الخير والشر، ومع أن كل منهما ماضٍ في طريقه بذات الانصياع والاستسلام لقدر القوة أو الخضوع؛ إلا أن ذلك أشبه بحركة تلقائية لاتنم عن رغبة أو اختيار، وغير مدرك لتبعاتها، فهو منفعل ومستمر في التعاطي مع الفعل، لأنه غير متحكم في قدرته على التوقف، وغير قادر على ضغط زر النهاية.
وربما لايملك خيارات أكثر بالنسبة للضعيف، أو يتمتع بقدر القوة الذي يعصب عين صاحبه في الحالة الثانية.
لا أحد يقف ليراجع الأمر بهدوء وروية، أو حتى ليسمع صدى الهمهمات، أو ليسأل لماذ؟ أو ليعقد هدنة واعية، أو قراءة عميقة.. بل كل يمضي في قدره بذات الانفعال.
ولذا فالكارثة تكبر، والحالة تتصاعد بهوجائية تلقائية تماما؛ قتل وحشي بمبررات واهية ومصنوعة، صراعات طائفية، وعرقية ودموية، خنق غير مبرر للأرواح والحريات،قمع، استباحات للإنسانية، وتفصيل لأحكام الرب، وكأن العالم يلعب لعبة عسكر وحرامية، وأخوان أيضا!
بل حتى من هم خارج اللعبة (ولا أحد خارجها تماما) أصبحوا خاضعين لقوانينها وغير قادرين على الانفلات التام من قبضة المصير، أو لا يملكون خيارات الإنهاء، تماما كمن يتابع فيلم رعب، أو حتى يلعب لعبة "بلاي ستيشن" مرعبة ولايملك الريموت الذي يهبه خيارات التوقف، لذا لابد أن يمضي للنهاية بكل الرعب المفروض عليه والذي يحاصره من الداخل والخارج، والقليل من الأمل في نهاية سعيدة.
أصبح العالم كله طفل خائف، يركض يركض، وثمة وحش آدمي يركض خلفه بمنجل لاقتلاع قلبه من صدره، عقابا على نبض زائدة، وخلف هذا الوحش تسونامي أو بركان أو حرائق ضخمة وأنقاض زلزال مرعب تنهال خلفهما بسرعة كونية مرعبة، ولذا فهو يركض بلا رغبة ولاقدرة على التوقف، كي ينجو من قدرين أحلاهما مر، وفقط يتمنى أن يجد الأمان في نقطة ما، في مكان ما ، في حضن ما، أو يستيقظ ليجد أن الأمر برمته لايعدو أن يكون كابوسا فقط. ليبدأ لاحقا في البحث عن حاجاته الأساسية كالماء والطعام والسقف، ثم تلاوة آماله العريضة عن المعاني العظيمة التي كان يطالب بها كالحرية والعدالة والمساواة والتي تسببت في زيادة معدلات نبضه.
لكأن العالم كله يعيش مشهد دموي في مسرحية كلاسيكية بإنتاج ضخم تمّ فيه حشد كل آلة الرعب من كائنات خارجية، وآلة جبارة .. ويعيش المشاهدون قمة العجز، حيث لايقدرون على الاستمرار في مشاهدة هذا الكم من الرعب، وهم لايملكون بالطبع خيارات إنهاء المشهد أو مغادرته، لذلك فهم يحبسون أنفاسهم بوجع وينتظرون أن يقول المخرج stop. وينتقلون للمشهد التالي الذي يراودهم الحلم بأن يكون أقل رعبا، أكثر إنسانية فقط.


10 يوليو  
تمتنع عنك الكتابة، أن تتمنّع عليك، تصبح روحك محاصرة بالضجيج،  ورأسك مشتعل بالكثير من الأفكار المتداخلة والمرتبكة،  وأصابعك ترتجف من شدة العجز، والأفكار تتدافع في رأسك الذي ضج بها، ومنها، وبات عاجزا عن تحملها دفعة واحدة، فهي تسري كالسيل الهادر الذي لا يدع لك فرصة لمحاورته أو تدبر أمرك معه، تصبح الأ...فكار كالمسامير تنغرز في الأقاصي البعيدة من الروح والعقل، تذهب تذهب في الموغل منك، تنشب أظافرها في الواعي واللاواعي من عقلك، تكتب مسوداتها في رأسك الثقيل، تحاصر نومك ويقظتك، تأكل من سكينتك، وترعب هدوءك الذي تربيه بشجن أم أكل البحر أولادها دفعة واحدة، وتتدافع كأطفال "القرنقشوه" للحصول على حصة أكبر،  ولكنها ما أن تلمح طيف ورقة بيضاء، أو لوحة مفاتيح سوداء حتى تهرب منك كأطفال أشقياء يشاكسون أمهم التي تود إطعامهم كي يكبروا بخير.
 أنت أيضا تود أن تسجل أفكارك كي تتشكل بصحة وعافية، بعيدا عن الهزال والنسيان والضياع، تود أن تكتب كل تلك الأفكار الطيبة والشيطانية، تريد أن تكتب عن الحب الذي عليه أن يطغى على الأرواح بدل البغض والكراهية الذي يلمع في العيون ويحاصر جماليات الوجود، وعن السلام الكوني الذي هو هبة الرب للكائنات، وعن الحرية التي تشبه الهواء تماما، أو الماء للسمك الحي، و عن حاجتنا لها كي لانختنق، أو ننفق على سواحل عشقناها، أو نتحول لكائنات أخرى كالبرمائيات، أو السلاحف تختبئ تحت بيوتها الحجرية كلما دنا الموج، وكلما أشرقت الشمس، وكلما أذن مؤذن الحياة.
 تود أن تشرح بضعف ووهن أن الزمن الذي يتغير سيتركنا في حفرنا الجاهزة إذا لم نمشِ مع خطواته، ولم نتعلم من حكمته الناضحة بالتغيير والاختلاف والعصرنة، تود أن تكتب عن قيمة حرية التعبير في الذهاب بنا نحو مناطق النقد البناء، والتغيير العميق، والقادم الأجمل، وأن محاصرة وقمع وكبت حرية التعبير يجعل الحالة أشبه بالنار التي تتأجج تحت الرماد، والتي ستحرق يوما أكثر مما ينبغي، فلاشيء يوقف مدّ الزمن، والعنقاء لابد أن تبسط أجنحتها يوما وتخرج لنا،  أو علينا من رمادها التاريخي، لأن التاريخ هكذا علّمنا.
بل تود  أن تكتب عن التاريخ ذاته كقيمة محفّزة على الذهاب نحو الغد، تاريخنا الذي يمتد لقرون قبل الميلاد ومع هذا يجهله الكثيرون، فلم نقرأه جيدا، ولم نستعيده لنتعلم منه، ونعيد كتابته، شعرؤانا وعلماؤنا ومؤرخينا وكتابنا الذين تركناهم يتأوهون في كتبهم بأغلفتها الملونة، ومجلداتها الثمينة على الرفوف، لم ننزلهم لشوارعنا ومدارسنا، لم نجلسهم على موائد الحياة لنتعلم منهم، ولم نمض معهم وبهم في حوار عميق وممتد من الماضي للحاضر نحو المستقبل.
  تود أن تكتب عن التابوهات التي صنعناها بمحض إرادتنا فكبرت حتى أصبحت تحاصرنا وحصرتنا في مداها القليل، وحجزت أرواحنا في مجراها الضيق، حتى لم نعد نستطيع الخروج منه، أو  الخروج عليها، ووقفت حاجزا بيننا وبين الحياة والكتابة والحرية والجمال، دوائرنا المغلقة بين السياسة والدين والمجتمع، حتى أصبحنا لا نعرف ماذا يحاصرنا؟، لكننا ندرك جيدا أننا محاصرون، وأننا لانستطيع كل شيء، لانستطيع الفرح ولا نجيد الحياة كما ينبغي.
تود أن تكتب عن الأمل، وعن الأمنيات الكثيرة بالحياة الحقيقة بأن يكون لدينا منافذ جيدة للهواء وللمحبة وللصداقة وللجمال، حدائق مليئة بالزهور في كل مكان، وبشر يجيدون النزهات والتأمل فيها لا الأكل، ومقاهٍ راقية تستوعب اختلافنا وتنوعنا وتحمل أفكارا ولوحات وفنونا، ومكتبات تحيط بنا كأيدي الأمهات، وأرصفة للمشي والتفكير والتأمل والحلم أحيانا، دون أن يراقبك أو يضايقك  أحد.
تريد أن تكتب عن أماكن زرتها، وأشخاص قابلتهم فعرفت معنى الحياة وقيمة الإنسان، وجماليات الحضور والغياب من خلالهم.
  تريد أن أكتب عن أشياء كثيرة، ولكنك لا أستطيع، أو الكتابة لا تريد.. ربما عليك حينها أت تدلل هذه الأفكار في رأسك طويلا، تغريها بالقليل من الصمت، والقليل من التأمل علّها تنزل رويدا رويدا بين يدي الكتابة كطفل يأتي للحياة على مضض.

تعليقات