فاطمة الشيدي
21 مايو 2012
شرفات - جريدة عمان
في 21 مايو من كل عام تحل ذكرى الشاعر الجنوبي الثوري المصري أمل دنقل، الشاعر الذي عاش مناضلا بشعره ضد الظلم والقهر، وضد الحياة وضد الموت، الفتى الجنوبي الأسمر الذي جاء إلى القاهرة ليدرس فيهرب من التعليم بشكله المعلب والمدجن، ويهيم في ذرى الشعر والتاريخ والأساطير، يكتب بلغته العذبة، وذاكرته المعذبة وجع الهزيمة، ويشحذ لسانه بالشعر، متسربلا برداء المهلهل صارخا من قلب التاريخ لا تصالح: لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ
القصيدة التي سار بها الركبان، وغدت ذاكرة للذاكرة العربية المجروحة، وتاريخا للتاريخ المهزوم، وصرخة لكل مظلوم، ولكل طالب ثأر، ثم يرفع رسالته إلى زرقاء اليمامة، مواسيا حالها، ودامجا صرخته في صرختها، وانهزامه في خذلانها، وهزيمته في عينيها المطفأتين:
جئت إليك مثخنا بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة
منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء
أسأل يا زرقاء
عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع .. وهو لا يزال ممسكا بالراية المنكسة
عن صور الأطفال في الخوذات... ملقاة علي الصحراء
عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء
فيثقب الرصاص رأسه .. في لحظة الملامسة
عن الفم المحشو بالرمال والدماء
أسأل يا زرقاء
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدار
عن صرخة المرأة بين السبي والفرار
كيف حملت العار
ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة؟
وهكذا ظل أمل دنقل الشاعر الحسّاس حتى الوجع والعظم، الشاعر الذي كسرته الهزيمة فأسعفه الشعر للألم والبكاء، ظل يبكي هزيمته العربية والوجودية والإنسانية والكونية عمره كاملا، ظل متوجعا متحسرا، يشرب من ينابيع التاريخ والماضي على جرحه ولا يرتوي، ويستحضر رموزه وقوته ليشدَّ بها عضد الحاضر الذي خذله البشر والسياسة والعالم القوي، الذي استضعفه وأهانه وجرح كبرياء عزته وسرق أرضه، وقتل شعبه وغير تاريخه كاملا، مستبدلا إياه بذاكرة هشة، وتاريخ ورقي مصنوع على عجل، ممن يحسنون صناعة كل شيء.
اذكريني!
فقد لوثتني العناوين في الصحف الخائنة!
لونتني.. لأني - منذ الهزيمة - لا لون لى
(غير لون الضياع!)
قبلها؛ كنت أقرأ في صفحة الرمل
(والرمل أصبح كالعملة الصعبة،
الرمل أصبح: أبسطة.. تحت أقدام جيش الدفاع)
فاذكريني؛.. كما تذكرين المهرب.. والمطرب العاطفي.
وكاب العقيد.. وزينة رأس السنة.
ومضى الشاعر الذي أكلته الغربة في طريق الشعر والوجع غير قليل، يكتب ويعشق ويأمل، ويحرض على الثأر للكرامة والكبرياء حتى تمكن منه الألم، وغيّر الحزن ملامحه حتى باتت تنكره ذاته حين ينظر في المرآة، أو يتأمل صوره القديمة، ورفاق عذوبته وطهرة وبراءته..
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أن ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
لا يشاركني .. في المرارة.
وحين لوّح له الموت بالاقتراب كان يكتب شعرا، و يمضي في تفاصيل الوجع والحزن والهزيمة والكبرياء والشعر حتى اقتص منه المرض، وخذله الجسد، وأوهن عزمه السرطان في عز شبابه، ليحول معاناته إلى قصائد في " أوراق الغرفة 8" لتكون قصائده هي الأمل الوحيد والحنان المرافق لأصابع "عبلة الرويني" زوجته التي وقفت إلى جواره، ونشرت له شعره بعد ذلك، الأمل الذي دفع والده لأنه يسميه بهذا الاسم الأقرب للأنوثة تيمنا به وبالخير الذي جاءه، ولكن من قال أن الأسماء تشفع لنا كثيرا، فهاهو الأمل الذي يلتبس على القارئ (الذي لا يعرفه لأول وهله، هل هو ذكر أو أنثى؟)، يخذل شاعرنا الكبير ويمضي به نحو (الغرفة 8) بكل بياضها المرعب، والموجع والمثير للألم والرهبة، الغرفة التي ستودي به لاحقا للقبر وللغياب والوداع الأخير .
في غُرَفِ العمليات
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ
لونُ المعاطفِ أبيض
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات
الملاءاتُ
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ
كوبُ اللَّبن
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ..
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ؟
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ
يحلق الطير المغرّد الحنون القليل الهش العذب والمعذب نحو المكان اللائق به، نحو الأرحب المطلق، نحو الحرية التامة، نحو الانعتاق الكلي، نحو التحرر والانفتاح في الملكوت الغيبي، والتشرّد بين الأرض والسماوات مبررا ذلك التحليق المشتهى، والتشرد المبتغى، والتحليق اللائق.
الطيورُ مُشردةٌ في السَّموات
ليسَ لها أن تحطَّ على الأرضِ
ليسَ لها غيرَ أن تتقاذفَها فلواتُ الرّياح!
ربما تتنزلُ..
كي تَستريحَ دقائقَ..
فوق النخيلِ - النجيلِ - التماثيلِ -
أعمِدةِ الكهرباء -
حوافِ الشبابيكِ والمشربيَّاتِ
والأَسْطحِ الخرَسانية.
يغادر الشاعر في ربيع العمر، تاركا لنا الكثير من الشعر الذي يجدد ذكراه وذاكرته، الشعر الذي لا يتكرر، لأن كاتبه كان شاعرا عظيما وعميقا وحقيقيا وصادقا، يغادر الشاعر الذي كتب "بكائية لصقر قريش" لنبكيه بها كلما حانت ذكراه في الذاكرة والتاريخ لنقول له به منه كل صباح:
عمْ صباحاً ..أيها الصقر المُجنّح ْ
عمْ صباحاً ..
هل ترقبتَ كثيراً أن ترى الشمس َ
التي تغسلُ في ماء البحيرات الجراحا
ثم تلهو بكراتِ الثلج ،
تستلقي على التربةِ ،
تستلقي .. و تلفح ْ !
هل ترقبت كثيراً أن ترى الشمسَ ..لتفرح ْ
و تسد الأفق للشرق جناحا ؟
أنت ذا باق ٍ على الرايات.. مصلوباً .. مباحاً
*
عم صباحا أيها الصقر المجنح
عم صباحا
سنة تمضي وأخرى سوف تأتي
فمتي يقبل موتي
لم نقبل بعد موتك، ولن نتقبل ذلك أبدا أيها الشاعر المجنح كالصقر وكالنسر لأن الشعر هو الخلود، الشعر ضد الموت، الشعر ذاكرة التاريخ الذي كتبته بدمك ووجعك بجسدك الذي أوهنه المرض من فرط تفريطك في الوجع، وستظل الأمل الذي يحرس ثورة المحروسة، في عنفوان القصيدة التي يرفعها عشاق الحرية والشعر والأمل "لا تصالح" والتي ستظل خالدة من جيل إلى جيل، ورغم كل العتمة التي تعتاش في أرواحنا، وفي عصرنا المتهاوي هذا، لازلنا بك نحيا على ذكرى الأمل والشعر .فلك الرحمة والخلود.
تعليقات