فاطمة الشيدي
شرفات - جريدة عمان
2 مايو 2012
في أمسيتين سرديتين متباينتي المكان حضرتها للزبيدي، حول تجربته السردية الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود متوالية، كان كل شيء خاصا، حميما، متمردا، متوهجا، وكان يكفي أن تنظر إلى الزبيدي بكل حضوره المهيب، لتشعر أنك في حضرة "إنسان وكاتب مختلف" أو أنك تنظر إلى "رجل" كأنه عائد للتو من زمن الأساطير أو زمن الحروب، من التاريخ تماما، من تلك الحكايات التي نحكيها لأطفالنا بعد الغروب، عن الفتى الصلب العنيد الحالم، وليس إلى كائن آدمي من دم ولحم، كل هذا كان يشعرني بذلك الفرح الدافئ، والمضيء كشمعة شاحبة تضيئك، ولكنها لن تحرقك حتى لو قبضت على وهجها بأضلعك، وليس بأصابعك.
ولكن ذلك الفرح توهج واشتد واستدار، وأنا أرى عائلته (زوجته وأولاده، وبناته)، يتوسطون القاعة، ويستشعرون بكل كلمة تقال على أنها تكريم لهم، والتفاتة نبيلة من الوطن لأحد أبنائه المخلصين.
ولكن كان كل شيء لا يزال في طور الفرح المتنامي، حتى أعزى أحمد الزبيدي كل تفوق، وكتابة، ونجاح، وعزيمة، وصبر، وأهدى كل فرح وكل التفاتة، وكل تكريم إلى شريكة عمره، وصديقة الحياة، ورفيقة، النضال، وشقيقة الروح والقلم "مريم" .
"مريم" .. هكذا قالها بكل زهو وفخر واعتزاز (تستحقه شريكة الحياة والفكرة والألم) "مريم" باسمها الصريح وبلا خجل ذكوري، ولا قبح وتعتيم، بكل ما تستحقه المرأة مثلها من تقدير. فهي المناضلة، التي رفعت صوتها في وجه الظلم، ودفعت ثمن ذلك الكثير من الحلكة والسجن، وهي الشريكة والزوجة التي شاركته الحياة والألم والفرح والكتابة .
حينها التفتُ إلى مريم شعرتُ بحالة الفخر والفرح التي تسكنها، وترفعها فتجعلها تحلق بيننا في تلك القاعة الضيقة، وتفرد أجنحتها التي لا يسعها الكون كله، كيمامة خرافية فشاركتُها الفخر والاعتزاز. وحينها فقط؛ اكتمل الفرح داخلي واشتعل، واكتملت الصورة وتحققت الأسطورة .. فهذا رجل "إنسان ..وكاتب" حقيقي، مكتمل الإنسانية، ناضج الروح، رفيع النبل، ويستحق أكثر من تكريم، وأكثر من وسام ومن احتفاء.
وحين سأله أحد الحضور في الأمسية الاحتفائية بروايته "سنوات النار" عن مكانة المرأة في حياته، وكتابته، قال ببساطة وهدوء وعمق، إنها شريك حقيقي، ودافع لكل ما أكتب، وحضورها في الحياة والنص، هو الحياة للحياة والنص معا. وأضاف بابتسامة "واسالوا مريم" ، مريم هذه المرة كانت تجلس في الصف الأمامي، بجوار ابنتهما، لتبرهن بحضورها الحقيقي والعميق على مكانتها في حياة الإنسان، ودورها في حياة الكاتب. وكانت تشعر بالثقة والعظمة للدورين.
شخصيا كنت أبتسم، وأنا أتذكر منظري حقوق المرأة، وكتّاب الحداثة والوعي والكلام الكثير الذي يسيل على صفحات الجرائد جافا، في حين يخبئون زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم، وكأنهم لم يولدوا من رحم امرأة، ولا تزوجوا امرأة، فالمرأة في حياتهم عيب مدسوس، وعورة مخفية، وحرمة واجبة، تماما كما هي شهوة دائمة، وطريدة متابعة، ووعي غائب، وخيانة منتظرة.
إنه فصام الرجل العربي، والمثقف العربي الذي تظهر لديه هذه العيوب والعاهات النفسية، وهذا اللاسواء في الرؤية الازدواجية للمرأة بين عورة القربى، وتفاحة الشهوة لكل عابرة.
عورة المثقف الذي يعيش تجاربه الخاذلة للإنسان داخله ولمجتمعه، لتصبح المرأة حبا عابرا، ونصا مكتوبا كشاهدة على قبر ذلك الحب.
الحب الذي عليه أن يكون صادقا وعظيما ليخلّد لنا نصوصا تليق بالإنسان والحب والكتابة، وليس سعيا مريضا للجسد والشهوة في غياب الوعي أو تغييبه.
تعليقات