التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

زهران القاسمي

فاطمة الشيدي
15 إبريل 2012
 جريدة الوطن- ملحق أشرعة

زهران القاسمي روح شعرية كاملة وفقط، فلا يمكننا أن نفصل زهران عن الشعر، أو نتحدث عن زهران آخر غير زهران الشاعر، كما يحدث عند البعض، لأن زهران الشاعر هو نفسه زهران الإنسان، وزهران الموظف، وزهران الصديق، حيث لا يحضر زهران إلا شاعرا، ولا يقدّم نفسه في مراياه أو مرايا الآخر إلا شاعرا، ولا يأتي ولا يذهب إلا شاعرا هائما وغائما وهادئا وسارحا في ملكوت الشعر.
مذ عرفت زهران عرفته شاعرا فقط، بل عرفته من خلال الكلمات، -لأنه أي زهران- خارج الشعر لا يحضر، ولا يتخلّق، ولا يفرح ولا يشارك ولا يتكلم ولا يفصح ولا يحاور ولا يناقش، فهو لا يعيش كينونته الحقيقية إلا ضمن ملكوت الشعر البرزخي، وحين تحلّق غيمته الطرية الندية فوق رأسه.زهران شاعر مقتنص من وادي عبقر، لأنه غريب في عبوره الحتمي والخاص والنادر، إنه شاعر من تلك السلالة الشعرية النادرة، المبللة بالشعر، والمأخوذة بالكلمات دما وحزنا، وغير المستندة إلا على الكلمة، وغير المتسقة إلا معها، شاعر مرتبك بالتفاصيل، مأخوذ بالعطر والرائحة، مشغول بالصورة والمجاز المختلف والنادر، والشعور العميق والجارح، والعاطفة الجارحة والخاصة.والشعر هو موقف زهران الوجودي والأخلاقي والإنساني، حين ينفعل زهران بموقف ما لن يتكلم، ولن ينفعل ولن يصرخ، ولن يغضب، بل سيفتح دفتره أو جهازه المحمول بهدوء تام، وقلب غائم وحزين ليكتب شذرة أو نصا ليعبر فيه عن موقفه ذلك، لذا فحزنه الوجودي العميق والجارح والخاص، ونظرته الحادة للأشياء تجدها وتعرفها في نصوصه الجميلة فقط.
زهران الوعل الذي يجرح الشعر والجبل بقرون استشعاره، العاشق الهائم وراء المرأة الهيولى، أصل الحب والجمال و الأشياء، الذي يتلّمس جمال الحياة بأصابعه كأعمى، ويتذوق الأشياء ويقيس حرارتها ويتحسس ملمسها بيديه وقلبه وليس بعيونه، الهائم الذي يتعالى في تصاعد حر وأنيق وعذب في حنانات الموسيقى، يتلاشى في النغم، ويتوزع في اللحن، ليوازي الكلمة بالصمت، والصمت باللحن، واللحن بالحس الإنساني الوجودي العظيم في لغة مائية جزلة، صادقة وسهلة وعذبة وممتنعة في ذات الآن، لغة تصدمك كلما توغلت، وتوخزك بجمال صورها، وعذوبة بلاغتها، وبساطة حضورها كلما تقدمت منها، وكأنها ماء بارد في هجير العالم واللغة تشربها وتهنأ بها وأنت تردد "الله .. الله!".
زهران القاسمي الذي أصدر حتى الآن ست مجموعات هي " " أمسكنا الوعل من قرونه 2006" ، ثم " الهيولي 2007" فـ  " أغني وأمشي 2008"،  "ياناي" و"الأعمى2011" ، "موسيقى 2011" ، شاعر من رأسه حتى أصابعه، من جنونه حتى غياباته، من عشقه حتى صمته، من هيامه بالبعيد والمجهول حتى آلامه أحزانه، وهي آلام الشاعر الحقيقي.



تعليقات