التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الماغوط الساحر الذي علمنا الشعر

فاطمة الشيدي 
شرفات - جريدة عمان
3 إبريل  2012

في الثالث من إبريل من كل عام تحل ذكرى رحيل الشاعر الكبير والجميل محمد الماغوط، الشاعر الذي على اللغة أن تفسح له أكثر من مسمّى، وأكثر من صفة ومن ذاكرة وتاريخ شعري لما قدّمه من ابتكارات شعرية رائعة وحادة وجارحة، والذي على الشعر أن يبتسم كلما تذكّره لما اقترف به وفيه من اقترافات فنية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة، والذي على الشعراء أن يفتخروا بأنهم شاركوه الصفة والحضور الإنساني واللغوي أبد الآبدين.

إن أهم ما قدّمه الماغوط للقصيدة أنه نزل بها من برجها العاجي، وأجلسها على الأرصفة بين يدي بائعة الورد، وبائع القهوة والكتب، والمتسوّلة العجوز، والمجنون، وماسح الأحذية، فلقد حرر الماغوط الشعر من قداسة القصيدة، وأطرها، وشرائطها ونياشينها، وهندامها الأنيق كطفلة برجوازية، وياقتها المربوطة بعناية، كمغني في الأوركسترا، ليجعلها متشردة تركض حافية في الصبخات والطين، مجنونة تشد شعرها أو تتركه منكوشا، تدخّن الغليون أحيانا، وتناور الباعة والصيادين والحالمين عن أحلامهم، أحيانا أخرى، كان هذا تماما هو مجد الماغوط الشعري، وفتحه العظيم، بالطبع مع تحرره من قيود الوزن والقافية، ومواجهاته الحادة للظلم، وصرخته المدوية للحق والإنسانية ضمن الشعرية والشعر.
لقد نجح الماغوط في أن يوازي في قصيدته بكل حرفنة ورقة جارحة ومهارة واقتدار بين التفاصيل الصغيرة، والقضايا الكبيرة معا، لذا كان شاعر الحميميات الهشة والمدهشة، والمناضل بالكلمة في سبيل إعلاء الحق وقهر الظلم، ليصبح معا ضمن ذات الصورة وليس بوجهيها؛ الشاعر العاشق للوطن والحبيبة، المولع بالجمال والحب والحياة والأطفال والماء والخضرة والعذوبة، والشاعر المتمرد الذي أنضجه الهم السياسي باكرا، (وهو المولود في حماة التي تشتعل هذه الأيام بمجابهة الظلم) الذي ذاق مرارة السجن والحرمان، والهجرة والمنفى، وظل مخلصا لأفكاره ومبادئه، وظل شعره صرخة كبرى للحق والعدالة والمساواة.
كتب الماغوط الشعر في وطنه وفي سجنه، وفي منفاه، وفي تشرده وجوعه ووجعه، كتبه بمرارة وألم، مرارة مشبعة بالسخرية والوجع الطافر والرفض العميق، كتبه بحزن طبيعي، حزن يشبه الحياة كثيرا، يشبه الأحياء، ويشبه الحاجة والفقر والأرصفة والموتى والغيّاب.
"لم أعد أجلس القرفصاء في الأزقة
حيث التسكع
والغرامُ اليائس أمام العتبات
فأرسل لي قرميدةً حمراء من سطوحنا
وخصلةَ شعرٍ من أمي
حيث الصهيلُ الحزين
وأعراسُ الفجر في ليالي الحصاد
بعْ أقراط أختي الصغيرة
وأرسل لي نقودا يا أبي
لكي أشتري محبرة
الشاعر الذي قدمه أدونيس بشعره فقط خافيا اسمه غير المعروف، ليصبح لاحقا أحد رواد مجلة شعر التي أسست لاحقا لحضور قصيدة النثر في الثقافة العربية، لم يخطط ليكون رائدا ولكنه كان، ولم يخطط ليصبح سياسيا ويدخل معتركاتها وغيابها ولكنه دخل ضمن قدر (ساخر أيضا) ألقى به في السجن والحب معا، وظل يكتب الشعر ساخطا، وساخرا، وعاشقا وزوجا "لسنية صالح" وأبا لابنتين وجدا لأحفاد كثر.
طفولتي بعيدة.. وكهولتي بعيدة ..
وطني بعيد.. ومنفاي بعيد
أيها السائح
أعطني منظارك المقرِّب
علَّني ألمح يداً أو محرمةً في هذا الكون تومئ إليّ
صوّرني وأنا أبكي
وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق
وأكتبْ على قفا الصورة
هذا شاعرٌ من الشرق
عاش حياته ضمن الشعر، وكتب الشعر ضمن الحياة، أسند روحه للتفاصيل الكثيرة المهملة، وأخلص في عشقه للوطن، لم يرفع الشعارات الكبيرة، بل هرب منها، لم يحب التنظير، ولم يقولب الأفكار، بل كان متداعيا هشا كأي حالم أو راع أو طفل يكتب مايشعر به، ويعيش ما يكتبه تماما.
على هذه الأرصفة الحنونة كأمي
أضع يدي وأقسم بليالي الشتاء الطويلة
سأنتزع علم بلادي عن ساريته
وأخيط له أكماماً وأزراراً
وأرتديه كالقميص
إذا لم أعرف
في أي خريف تسقط أسمالي
وإنني مع أول عاصفة تهب على الوطن
كان الماغوط غريبا، وحيدا إلا من الشعر والمحبة، ولم يسع لنيل أوسمة أو للخلود الذي يسعى إليه الجميع، ومع هذا لقد سعى إليه الخلود، وكان الرائد الحقيقي والأصدق والأعمق لقصيدة النثر العربية القريبة من الروح، القصيدة المدججة بالملح والعشق والتفاصيل، القصيدة التي الحياة، وترويها، وتروي عنها.
ليتني حصاة ملوّنة على الرصيف
أو أغنية طويلة في الزقاق
هناك في تجويف من الوحل الأملس (...)
ليتني وردة جورية في حديقة ما
يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار
أو حانة من الخشب الأحمر
يرتادها المطر والغرباء (...)
لقد كان الماغوط ساخطا ورافضا لكل أشكال الظلم والقمع والقهر والموت الذي تعيشه بلده، وكل الدول العربية، وكان محرضا رائعا على الحرية والمشاكسة، ورفع الصوت ضد كل من يريد أن يخرسه، وكان متوجعا من السجن والسجان، ومن الظلم والخرس والقمع، لقد كتب عن الحرية (شعرا ونثرا ومسرحا) ودفع ثمن ذلك في الكثير من الملاحقات والسجن والقهر والجوع والتشرد.
في الساعة الثالثة من القرن العشرين
حيث لا شيء
يفصل جثثَ الموتى عن أحذيةِ المارة
سوى الإسفلت
سأتكئ في عرضِ الشارع كشيوخ البدو
ولن أنهض
حتى تجمع كل قضبان السجون وإضبارات المشبوهين
في العالم
وتوضع أمامي
لألوكها كالجمل على قارعة الطريق..
حتى تفرَّ كلُّ هراواتِ الشرطة والمتظاهرين
من قبضات أصحابها
وتعود أغصاناً مزهرة (مرةً أخرى)
بل لقد كان متنبئا بالربيع الذي تفتحت وروده في بلاد العرب، من شرقها لغربها، تبحث عن نسائم الحرية، وصوت الحق والتوأمة مع التاريخ والحياة في عناق حي وصادق..
سأصعد أحد التلال
القريبة من التاريخ
وأقذف سيفي إلى قبضة طارق
ورأسي إلى صدر الخنساء
وقلمي إلى أصابع المتنبي
وأجلس عارياً كالشجرة في الشتاء
حتى أعرف متى تنبت لنا
أهداب جديدة، ودموع جديدة
في الربيع؟
ولكن الربيع الذي كان ينتظره، جاء بعد أن كان قد رحل عن عالمنا ببضع سنين فقط. ومع هذا ترك لنا الكثير من الشعر الثوري ومحفز الهمم على العمل والثورة والنهوض، بل حين شعر بعجز الشعر عن أن يعبر عن أفكاره عن الحرية والعدالة لجأ إلى المسرح الأكثر استيعابا ووصولا للجمهور، فكتب الكثير من المسرحيات العميقة والجادة والمتمردة، كما كتب في السينما والمقال.
وكما كان الماغوط عاشقا عظيما لوطنه ومبادئه، كان عاشقا عظيما بالمعنى الروحي والإنساني، فلقد أحب الشاعرة السورية سنية صالح وتزوجها وعاش معها مخلصا لها حتى بعد رحيلها، وحين كانت تقترب من الوداع ابتهل إلى ربه كطفل صغير
يا رب..
في ليلة القدر هذه،
وأمام قباب الجوامع والكنائس،
اللامعة والمنتفخة كالحروق الجلدية..
أساعد الينابيع في جريانها
والحمائم المشردة في بناء أبراجها
وأضلل العقارب والأفاعي
عن أرجل العمال والفلاحين الحفاة
ولكن.. أبق لي على هذه المرأة الحطام
ونحن أطفالها القُصَّر الفقراء
ولكن الموت يأبى إلا أن يأخذها، ليحزن عليها ماتبقى له من عمر بعدها، وليكتب على قبرها " هنا ترقد الشاعرة سنّية صالح، آخر طفلة في العالم. ثلاثين سنة وهي تحملني كالجندي الجريح ولم أستطع أن أحملها إلى قبرها بضع خطوات.."
كما أخذ والديه، والكثير من الأحباب والرفاق، وأخذت الغربة المتبقي من أحبابه، ليموت كما عاش وحيدا شريدا ومتوجعا غير منتمٍ إلا للإنسان.
على لهب القنديل حزيناً مهملاً ,
قررت أن أصرخ .
رفست اللحاف عن صدري وصرخت
صرخت كذئب في القفار :
أنا إنسان .
أنا إنسان ,
يا أمي يا وسادتي ,
ألا تسمعونني ؟
تابعت الصراخ بجنون
وبدون وعي حتى أصبح وجهي بلون الدم
متخيلاً الجثث المقبورة والقبضات النازفة على الجليد
ماشاء لي التخيل
اصرخ واصرخ حتى أصبح عنقي نحيلاً كالسلك
ثم جاءت الريح وانتهى كل شيء .
وكأنه لا يزال يصرخ لما يمر بوطنه من أحداث، وكأننا لازلنا نسمع صرخته ونشاركه صداها، وهكذا تمر الذكرى كل عام، ويبقى الماغوط نبراسا مضيئا للحرية والعدالة، وأنموذجا للقصيدة الصادقة في قلب كل شاعر، وكأننا لا نحتاج الذكرى لنتذكر فالذاكرة ممتلئة به، وبنصوصه وتفيض على القلب.