التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
اخترقوا التراب.. والنار.. والماء.. كي يصافحوه
كتبت ـ هاجر محمد بوغانمي
جريدة الوطن 4/3/2012

لا شيء يبقى على حاله/ للولادة وقت
وللموت وقت/ وللصمت وقت
... كل نهر سيشربه البحر
قبل أن يودعنا محمود درويش الوداع الأخير قال هذه الكلمات بعد أن زاره الموت دقيقتين ثم غاب .. وبعد إغفاءتين .. غاب محمود درويش!
هكذا هو الموت يأتي كي يقطف وردا يهديه للسماء .. يودعنا الشعراء حاملين على أكف الطين نبوءاتهم ، يطاردون غيماتهم الأخيرة، ويحتسون في الشرفات البعيدة رحيق الأبدية.. من هنا مروا .. من هنا رحلوا!!
لا يكف الموت عن مباغتتنا ، لكنه في الغالب يتربص بالشعراء لأنهم الأكثر جرأة على السخرية منه!
في العشرين من فبراير الماضي غيب الموت الشاعر والمسرحي والباحث الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني، إثر نوبة قلبية مفاجئة عن عمر ناهز الخمسين عاماً، وقد كان الراحل يحظى بمكانة خاصة لدى أشقائه العمانيين نظراً لشغفه الروحي والمعرفي الخاص بالتاريخ والثقافة العمانيين، وبهذه المناسبة الأليمة أحيت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مساء أمس في النادي الثقافي أربعينية الراحل بحضور مرشد الرميثي ممثل سفارة دولة الإمارات لدى السلطنة، ونخبة من الكتاب والمثقفين بينهم أصدقاء الراحل.
أدار الأمسية سماء عيسى حيث دعا الجميع في بدايتها إلى الوقوف دقيقة صمت ترحما على روح الفقيد، قبل أن يتم عرض فيديو صوتي ـ بصري للشاعر الإماراتي خالد البدور الذي تحدث عن سيرة الراحل وذكريات الصداقة قائلا: كان (أحمد) مريضاً جداً، ليس بالمرض الجسدي فقط ولكن كان مريضاً بالكتابة وبالشعر وبالبحث وراء المعرفة. لقد تحول عشقه للكلمة والتعلم إلى هوس مرضي بدأ ينتشر كالمرض الوبائي في جسده. اتذكر أنه كانت تمر عليه أيام طويلة لا يكترث فيها بضرورة أن يأكل أو ينام أو يهتم ولو قليلا بحاجات الجسد من الراحة والتغذية. لقد كان أحمد مريضاً بعشق المعرفة والبحث المضني والدائم عن الأفكار والكتب والقصائد الجديدة.
طارت بك الطيارة
بعد ذلك همّ عبدالله حبيب بتقديم كلمة تأبينية إلا أن العبرات لم تمنحه فرصة إلقائها فرمى بها إلى سماء عيسى الذي تولى قراءتها، وقد جاء فيها: يا أحمد، ها أنذا في الليلة الأولى من رحيلك أتأمل صورة فوتوغرافية قديمة جمعتنا في رحلة إلى مصر في بداية الثمانينيات برفقة صديقنا علي المغنّي الذي قيظ له أن يكون أحد من قبّلوا ومسحوا جبنك البارد قبيل مرافقتك إلى رقدتك الأخيرة.
أتذكر ما حدث في حوالي الثالثة من صباحات إحدى ليالينا في القاهرة حين فاجأنا علي المغني بسلسلة فادحة من المطالب الشعرية الباهظة؟. المطلب الأول: "لحفوني بماي بارد!". هذا المطلب أمكن الاحتيال عليه بما في الثلاجة من شعر، وما في القهقهات من تضامن، وما في المخيلة من آبار، وما في القلب من دم ساخن، وما في الصحراء والجبال من صبر.
لكن المطلب الثاني كان أكثر عسراً: "أبا الطيّارة تدش من الباب وتجيني لين هنيه وتطير بي!". قلنا لعلي ان هناك بعض الصعوبة في إقناع "الطيّارة" بالدخول عبر باب الشقة، فردَّ ببراءة شاهقة: "إنزين عادي!. إذا ما بتدخل من الباب، خلّوها تدش من الدريشة ياخي!. شو المشكلة يعني؟".
جاء دورنا الليلة يا أحمد، "لحَّفناك بماي بارد" ويا أحمد، طارت بك "الطيّارة"، طارت.
ذهب النورس للبحر
تتابعت الشهادات في لقاء الأربعينية، حيث قدمت الدكتورة فاطمة الشيدية كلمة قالت فيها: بحكم الكثير من الصداقات والقرابات بيننا، ولا أعرف لم (مع أنني لم ألتق أحمد راشد ثاني، ولا أعرفه إلا نصا، فلم أصافح عينيه، ولم أسمع نحيب صوته وحشرجات أوجاعه وهو يتلو ما تيسر من أحلامه وأوهامه وآلامه شعرا) إلا أنني شعرت أن له روح طفل مشاكس، ومغاير وشقي وعنيد حتى مع الموت، ربما استخلصت ذلك من كتاباته، خاصة كتاباته عن أمه التي وصفها يوما بالدكتاتورية في سخرية محببة للنفس، أو من كتابات أصدقائه عنه، عناد الشاعر وطفولته هو كل ما يملك.. الشاعر الطفل والعنيد هو الذي يحضر للحياة ويغادرها بذات النقاء لا يشوهه المال ولا السلطة ولا الأصنام، يحضر وهو مستعد تماما للغياب، ويغيب ليظل حاضرا للأبد، وهذا ما حدث تماما مع أحمد راشد ثاني، لقد ذهب النورس للبحر تماما، ذهب الطفل الشقي دون أن يكبر ملطخا بالحبر والمحبة القصوى، حلّق في السماء خلف ضحكة منسية في مكان ما هناك، تاركا لنا ذاكرة وذكرى، ونتاجات كثيرة متنوعة الأشكال والمضامين.
ثم قدم كل من خميس قلم، وسعيد الهاشمي (عبر كلمة ألقيت عنه بالإنابة نظراً لوجوده خارج البلاد)، وناصر المنجي مداخلات في الفعالية، قبل أن يتم توزيع نسخ من أعمال الفقيد ـ كانت دار الكتب الوطنية في دولة الإمارات تبرعت بها ـ على جمهور الأربعينية بالمجان.

تعليقات