التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

محمد عيد العريمي

محمد عيد العريمي: المبدع الذي جعل مذاق الصبر شهدا (شهادة في مرايا الكاتب الإنسان)
كتب نزار قباني في الاحتفاء بمئوية طه حسين:
ارم نظارتيك! ما أنت أعمى
إنما نحن جوقة العميان»
لا مذاق للصبر إلا المر، ولا طعم للوجع إلا الألم، كلنا يدرك ذلك، لكن محمد عيد العريمي الأكثر شجاعة، والأكثر إنسانية اختار الأصعب، اختار ذلك المرار الذي يتدفق في القلب فيجعله ينبض، ويدفع الكثير من الدماء في العروق، فتصل لليد التي تقرر أن تكتب، تقرر أن تقاوم وتحمل معول البناء لتصنع طريقا آخر، وقد غاب الطريق الأساس، أو أصبح بعيدا لا يمكن المشيء فيه.
لقد اختار محمد عيد أن يجعل المر شهدا. فلم يستسلم لقدر كان يمكن أن يجعله هامشيا، بل قرر أن يصبح أكثر حضورا، وأكثر فاعلية في مجتمعه وللإنسان بشكل عام، فأصبح كاتبا ومترجما رائعا، وأصبح من أهل الورق واحتراف اللغة.
هكذا كانت النهاية فماهي البداية؟
كان الشاب العماني قد تخرج من أكبر الجامعات في أمريكا في تخصص هندسة النفط وهو من أرقى التخصصات العلمية، وعاد إلى وطنه ليسهم في بناء نهضته وخدمة إنسانه، عاد إلى بيته عاشقا فرحا، ممتلئا بالأحلام والشباب والأمل، ولكن القدر الذي كان يعرف أنه أقوى من الإنسان العادي، وأجمل من اعتياديات الحياة الرتيبة، كان قد أعد له طريقا أصعب، لا يحتمله إلا من هو بإرادة وإنسانية محمد عيد العريمي، فحادث سيارة كان كفيلا بقصم عري الأحلام، وجمل سارح في التيه كان مأمورا أن ينيخ الرحلة في بداياتها، ويمنعها أن تكتمل.
وهنا بدأ الألم، وبدأت المعاناة، فالشاب الذي يفتح ذراعيه للحياة كحقل شغف في الربيع، وترتفع سنابل حلمه كأغنيات يتداعى لها الكون ولا يحدها شيء، تغلق الحياة في وجهه كل دروب الأمل فجأة، بلا مقدمات ولا شروحات، ولا مبررات كافية، وتسد الطريق أمامه بعجز كلي بلا توطئة ولا رحمه، لتجعله يعاني من شلل رباعي يقعده عن عشق الحياة بشكل مقيت وصارم وفجائي.
ولكن العاشق للحياة، المؤمن برب الخير والجمال والإنسان، لم يستسلم بل قرر تغيير الرحلة فقط، فاستبدل الخرائط، وجهز عدة التحليق الجديد، وبدأ من نقطة الصفر حيث الصبر المر هو زاد الرحلة الكثير، وبوصلتها الوحيدة. وهكذا اجترح العريمي معجزته الخاصة، وعاود الحياة برداء آخر، وطريق آخر، لم يكن أقل جمالا إن لم يكن أكثر سعة وعطاء، فأصبح كاتبا ومترجما وقبل كل ذلك قارئا جميلا وإنسانا عميقا، قرأ داخله بوعي وصبر وعزم، فقرر المواجهة والتحدي، وقرأ الحياة بأمل فناقش واعترض، وقرأ الكتب فأصبح كاتبا يسرد التفاصيل، ويترجم الروائع، فأصدر الروايات والمجموعات القصصية الواحدة تلو الأخرى.
وكي يتحقق ذلك القدر الجميل بشكل حقيقي، كان لابد في البدء من التصالح من الإعاقة، ولابد من تقديمها كقدر متقبل، أو بديل لا مفر من أن يعيشه المرء ويعيش ضمنه، فكانت "مذاق الصبر" هي شرارة الاعتراف، وسيرة الوجع، ونقطة الانطلاق في السرد، فجاءت الرواية/ السيرة لتحكي بكل صدق وشفافية سيرة الإعاقة وسيرة الإنسان قبلها وضمنها وبعدها.
إن كتابة السيرة الذاتية بحيادية ومصداقية وجرأة ليست بالأمر الهين في واقعنا العربي المملوء بالتناقضات من النرجسية حتى الفصام، حيث معاول الآخر المرفوعة دائما كي تكسر كل عود يرتفع ليواجه السماء بخفة وأمل، أو جناح يحلم بالحرية، فمثل هذا القرار يحتاج لشجاعة خاصة، كما يحتاج لرسالة سامية يوصلها للمتلقي، في هدف أكبر من تعرية الذات أمام الآخر في محاولة للتصالح معها مثلا، أو رصد ملامح الحياة البسيطة التي يمكن أن تشكّل درسا للآخر، بل تحتاج لهدف أسمى يسعى الكاتب له، وغاية كبرى يريد توصيلها، أو مفترقات حياة حقيقية يسعى لتخليدها.
وإذا كان الإنسان في الغرب والدول المتقدمة يعتبر السيرة الذاتية ضرورية لتخليد حياة الإنسان على هذا الكوكب بأقل المنجزات، فإننا -في عالمنا المريض بالعقد - نعتبرها ترفا ونزقا ونرجسية لا تهم الكثيرين، ولذا فلا عجب أن تكون أقل الفنون الكتابية حضورا، كما لا عجب أن نجد معظم الكتاب يقنّعون ذواتهم في سير روائية قد يُستدل عليهم من خلال أحداثها وقد لا يستدل.
ولكن مع سيرة محمد بن عيد العريمي التي بدأت من «مذاق الصبر» لا ينقص الكاتب/الإنسان هذا الهدف الأسمى، ولا تعوزه الغاية الراقية والعظيمة، لأنه يضع المتلقي أمام معضلة ذاتية، ومحنة إنسانية كبرى يسعى الكاتب/ الإنسان لمواجهتها بين يديه، وربما يستعين به على سردها وتقبلها والتعايش معها، أو يعين بها آخرين ممن يعيشون أو سيعيشون تلك التجربة المرة ذاتها، بتقديم نموذج للصبر وأمل في الحياة بطريقة أخرى، إنه يجعل المتلقي وجها لوجه في مقابل حالة يتحول فيها الإنسان بكل أحلامه ووهجه وعنفوانه وشبابه وإقباله على الحياة إلى كائن مختلف وناقص ربما أو بالضرورة من وجهة نظر البعض، كائن يتخوّف البشر من التعامل معه، «مواقف هؤلاء الناس أو انطباعاتهم تجاه المعوقين يمكن تلخيصها فيما يأتي: الشعور بالشفقة والأسف والرثاء تجاه الشخص المعوق والذي يسفر عنه تصرف أقرب إلى التعالي أو التفضل بهذا الشعور، والافتراض بأن الإعاقة الجسدية تنسحب على القوى العقلية، وانزعاج شخصي وقلق من الوجود إلى جانب المعوق، والافتراض بأن المعوق يحتاج دائما لمد يد العون».
هكذا للأسف ينظر الناس في مجتمعاتنا العربية الهشة والسطحية إلى المعاق، حيث بالقليل من النبل المصطنع يتحول الإنسان بكل ممكناته، وقيمته الفكرية والعقلية ما أن يصاب بإعاقة في عضو ما من جسده لكائن يستحق الشفقة فقط، وهي نوع من المشاعر السلبية الخادشة لكرامة هذا الإنسان وروحه وفكرة لأنها فعليا تنتقص من إنسانيته الكاملة بمكوناتها الروحية والفكرية والشعورية، وتحجم ذاته في «النقص الجديد الطارئ» وهو شيء (أي الإعاقة) كثيرا ما لا يمس إنسانية الإنسان الحقيقية الفكرية والروحية بل يتصل فقط بمعطياته الخارجية، وحواسه المعينة وأدواته التعبيرية، أو بالأعضاء البيولوجية الحيوانية كالحركة والكلام والنظر والسمع وغيرها، وهو شيء خارج عن إرادته، وعن مقدرته على تغييره وإلا فعل، كما أن توحيد فكرة الإعاقة، وليس التعامل مع كل حالة على حدة، مع تضمين فكرة النقص هي محنة الإنسان المعاق فعلا، ولو فكّر كل منا قليلا لوجدنا أن كل إنسان على هذه الأرض ناقص وبالتالي معاق، ولعل نقص عضو أقل بكثير من نقص مكوّن إنساني حقيقي معرفي أو روحي أو خلقي أو فكري، ومع هذا فهو نقص -للأسف- مسوَّغ ومقبول للكثيرين ممن يعيشون بيننا بإعاقات ضمنية، ولا يقدح في إنسانيتهم الناقصة، بينما يجعلون الإعاقة العضوية قصورا ونقصا وقدحا إنسانية المعاق جسديا، الكامل روحيا وفكريا وخلقيا.
لكن محمد عيد تجاوزهم جميعا، متعاليا بإنسانيته الراقية على كل شيء، وحقق ذاته عبر اللغة، وقدم صورة الإنسان الحقيقي في كل ما أصدر من كتب، وما خطّ من مقالات اهتمت بالمعاق/الإنسان أولا وأخيرا، وطالب بتقديم كل المعينات المناسبة التي تعينه على حياة لم يخترها بصفته إنسانا، أولا ومواطنا معاقا ثانيا، جاعلا بذلك معاناته شمعة تنير حياة الآخرين، وتجربته المريرة وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع عبر الزمن.
وهكذا تقدم محمد عيد العريمي عبر نصه السردي المحكم، ومقالاته الفكرية، وتفاعله مع الكثير من المواقف الإنسانية في وطنه العربي الكبير، مبدعا حقيقيا، وإنسانا فاعلا استطاع أن يجعل من العبور الطارئ والمؤقت لهذه الحياة ملحمة إنسانية عظيمة وحضورا فكريا راسخا يفوق به أصحاء البدن ومكتملي القدرات الجسدية، ليقدّم للبشر جميعا أكبر الدروس في الصبر والحب والنبل والإنسانية، ويترك إرثا ثقافيا سيقرأه الجميع بلا استثناء.

تعليقات