التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

عبد الرب إدريس

فاطمة الشيدي
 18 مارس 2012

صوت عبد الرب إدريس هو صوت الروح، والذاكرة، صوت الهواء المشبّع بالعطر، صوت النشيج والشجن المتدافع في تناغم خفي، ولذة مغيبة، صوت مدهون بعذوبة هانئة نقية شفيفة، تتحشرح عليها الكلمات بتناغم ورقة في اكتمال التجلي، ولذا فهي تأخذك نحوها بانسياب تام، وانقياد كلي للحن الذي سيسري في جسدك، كما يسري في الكلمات، بهدوء وخفة متسللة كما يسري الماء في شرايين الأرض، أو تعانق أشعة الغروب الأفق، أو ينهض الضوء شروقا من صفحة البحر، صوت غير منفعل، وغير مفتعل، صوت متضح وواضح في سيره النغم المتريث، وسيرورة الموسيقا الذاهبة في رقة البلاغة ، كل شيء خاص به، حيث يهرع اللحن في اغتراف اللغة من عمقها، ويرفعها في امتدادت الصوت، كماء يفيض من كف غانية حسناء، أو طفلة عذبة، لذا حين يغني فهو لايتشكل إلا هيئته الهادئة، والبسيطة، تماما كبساطة الطبيعية، وحين يتجلى يُظهر درجة العلو والاقتدار في فرادة الروح، فتجده ينهمر كالمطر في الغابات، خفيفا دافئا، محفوفا بالرائحة والصوت البعيد كخلفية من الهمهمات المؤازرة للحن، أو يشرق كالضوء خافتا خفيضا، أو يتراءى كالبحر عميقا بليغا، حنونا أزرقا، وكالسماء عاليا رفيعا، وقريبا كالحب والجوع والألم معا.
ولذا حين " يحدث أن أتعب من كلماتي, من أوراقي, من كتبي .. يحدث أن أتعب من تعبي"  نزار قباني
في حالة كهذه مضاعفة من الشجن والصمت، وعزلة ذاهبة نحو الغياب، وحين نبحث  بشغف عن موسيقا تؤازر الوحدة والحزن، وصوت يحمي هذه الحالة ويرعاها، ويسعف الروح في تصاعدها الحميم نحو الألم،  ليس إلا أن تنتخب صوته لتدلل به جراحك وتقصي به تعبك، وتغتسل في لذته القصوى.

تعليقات