التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

البحث العلمي هو روح الغد .. ووعد الإنسانية بالبقاء والتقدم

ما هي رؤيتك لواقع البحث العلمي في عمان والعالم العربي؟ وما أنسب السبل للارتقاء به حسب وجهة نظركم؟
تحقيق سالم الغيلاني

صحيفة المسار "جامعة السلطان قابوس" عدد أكتوبر 2012


فاطمة الشيدي
البحث العلمي هو النافذة المضيئة على الغد، وهو ذلك الوعد الحق بتقدّم الإنسانية ورقيها دوما، فهو ركيزة التقدم الإنساني الذاهب نحو الغد بمعطيات أكثر تقدما، وإنجازات أكثر تجديدا، وخيارات أكثر رفاهية وصحة وسلامة وراحة، إنه مفتاح الحراك البشري نحو التغيير، وروح التجريب والمغامرة التي تهب الإنسان أمله في الغد. وسواء كان البحث العلمي في مجالات العلوم أو الإنسانيات فيظل الوعد القائم للغد بالتقدم، وللأجيال بالرخاء، وللمعرفة بالجديد.
ولذا فلا عجب أن نجد الدول المتقدمة تنشئ المؤسسات البحثية الضخمة، وتهتم بالباحثين اهتماما خاصا، وتخصص ميزانيات ضخمة لتمويل المشاريع العلمية، والبحوث التجريبية، بل لا عجب أن نجد أن كل مؤسسة مدنية أو ثقافية أو علمية تخصص ضمن أقسامها مركزا بحثيا؛ يقوم بتقويم أعمالها والبحث عن التجديد ضمن مجالاتها، أو بإدخال مجالات أكثر حيوية تسهم في تعميق أدوراها الإنسانية والعلمية المستقبلية.
ولكن وعلى عكس ذلك ولسوء الحظ، فإن البحث العلمي في بلداننا العربية في ذيل قائمة الاهتمامات المؤسسية، بل ومن النادر والقليل وجود مؤسسات بحثية ضخمة لها ميزانيات حقيقية، لأن طبيعة البحث العلمي يحتاج ضخ الكثير من الأموال لتكوين فرق بحثية وتوفير كل احتياجات العمل من معدات وأساليب ورحلات وغيرها مما يقتضيه العمل البحثي العلمي الحقيقي، ولذا ولسوء الحظ أيضا فإن التقدم العلمي في آخر المجالات التي نتقدم فيها على جميع الأصعدة المادية والعقلية والإنسانية، بل ولا عجب أن شهدنا هجرة العقول العربية خارج أفق يضيق بالبحث والعلم، لتحقق الكثير من المنجزات العلمية في الخارج باسم حضارات وبلدان أخرى تدعمها وتوفر الجو المناسب للعلم، والتقدير المناسب للعالم، ونستورد نحن لاحقا منجزاتها كما نستورد كل المنجزات الحضارية والعلمية الأخرى، وقد نتمحك في اسم العالم وانتمائه لأوطاننا بخجل شديد، أو بدون خجل.
أما بلادنا فقد عملت على تكوين مؤسسة علمية تهتم بتكوين قاعدة بحث أولية جيدة ألا وهي "مجلس البحث العلمي" كما بدأت في محاولات جادة في تعميق روح البحث العلمي في بعض مؤسساتها الأكاديمية والفنية والعلمية، وتكوين أقسام ومجالس بحثية في العديد منها، ومنها جامعة السلطان قابوس للاهتمام بالكثير من المجالات البحثية العلمية، وتشجيع الطلاب في مرحلة تكوّ نهم العلمي والثقافي والإنساني للاهتمام بهذا المجال وتكوين روح الباحث العلمية، وهو دور ريادي وحضاري يستحق التقدير.
ولكن وإذا كان هذا جيدا، فعليه أن لا يكون نهائيا، ويقف عن حدوده القصوى فلا يصبح خاضعا للتطوير والتقدم، فروح الباحث التي تتخلق في الجامعة عليها أن تنمو وتنضج وتستمر خارجها، وعليها أن تحظى بالدعم الوافر والتشجيع المستمر، حتى لا تصدأ تلك العقول، وأن تُأخذ منجزاتها بعين الاعتبار والاستمرار حتى تتخلق روح بحث جماعية، ولذا فإن على الجامعة أن تتواصل مع الطلاب المتميزين في مجالات البحث العلمي بعد تخرجهم، لتستفيد من طاقاتهم في مشاريعها، وتشجعهم على الاستمرار البحثي.
وعلى الدولة من خلال مجلس البحث العلمي أو أي مؤسسة بحثية مختصة الاهتمام بروح البحث العلمي في كافة مؤسساتها العامة والخاصة من خلال توفير الدعم المادي والمعنوي، وفتح المجال أمام الباحثين والمبتكرين لتقديم مشاريع علمية وبحثية حقيقية وجادة، ودعم الأفكار والمقترحات الجديدة لأي بحث أو مشروع علمي متميز، كما عليها تكوين فرق بحثية في كافة المجالات البيئية والعلمية والثقافية تفيد البحث العلمي وتسهم في تقدم الوطن والبشرية جمعاء، كما عليها خلق جو من الترابط والتعاون والتكامل بين جميع المؤسسات فيما يخص البحث العلمي، بحيث يتم في جو من التعاون والدعم ترقية أية فكرة جديدة وتنميتها وتطويرها، كما ينبغي وجود أكثر من نافذة إعلامية وثقافية كالمطبوعات والدوريات والبرامج المتخصصة لنشر ثقافة البحث العلمي وثقافة الاختراع، والإعلام عن كل جديد في المخترعات من خلال وسائل الإعلام لربط المؤسسة العلمية بالمجتمع. كما ينبغي خلق جو من روح التنافس في البحوث والاكتشافات والمخترعات من خلال رصد جوائز عينية لأفضل الاكتشافات لتشجيع الباحثين وتطوير البحث العلمي.
إن البحث العلمي هو وسيلتنا الوحيدة للتقدم والرقي واللحاق بركب الحضارة التي أصبحنا عالة عليها، أو طاقة مستهلكة جبارة لكل منتجاتها، دون الإسهام في رفدها بجديد أو وضع بصمة تاريخية في ذاكرة الزمن للإنجاز العلمي العربي. وقد آن الأوان لتغيير نظرتنا وتوجهاتنا من حالة الاستهلاك إلى حالة التعاطي الإيجابي معها ضمن ثقافة كونية عامة تزحف نحونا بلا هوادة، لضمان مستقبل البشرية، ومستقبل أوطاننا، وإنساننا، ومجتمعاتنا وبيئتنا، وتاريخنا وثقافتنا، وأجيالنا الجديدة.

تعليقات