فاطمة الشيدي
27 مارس 2012
جريدة عمان - شرفات
عند مضيّ يوم، لا يعني خسارة يوم
وإنما جذر يرفع أوراق البهجة في المساء
ويوم نصر ونوم ساكن،
حينما تشعر ثانية أن الشمس تعقد لجامها في عجل
لتتعقب الأسى لتطرده من زوايا الزمن،
هذا سلام.
يانيس ريتسوس
في الموغل والعميق منا يسكن مارد جميل وجبّار، يجلس ساكنا وهادئا وذاهبا في الصمت، وقد لا نعرفه، ولا نشعر به، فنمضي غير مدركين لتلك القدرات الخفيّة، والكوامن القادرة التي نملكها، نمضي في دروب كتب علينا أن نمشيها، ويجلس هو داخلنا بانتظار موقف معين، أو صدمة قوية، أو حتى دغدغة داخلية أو خارجية تستفز هدوءه، وتحرك رواكده، وتحفّز صخبه وقوته على المثول والحراك ليكشف لنا عن طاقات جبارة يتمتع بها كل منا، فنتعرف على أنفسنا بشكل مختلف لأول مرة، ونبصر في مرايانا الداخلية الكثير من المواهب والقدرات والاستعدادات الخفية التي نمتلكها.
في لحظة حرجة وحاسمة لكل كائن على هذه الأرض يحدث ذلك الشرخ في روح في الإنسان، الشرخ الذي سيؤلمه كثيرا، وقد يجعله يصرخ ويفزع ويرتبك، ولكنه الألم المفجر للكوامن والطاقات، سواء تلك التي يدركها، ويعرف مداها ويستخدمها، ويجعلها فاعلة في محيطه وحياته وعمله أو تلك الطاقات الكامنة في ذاته وكينونته، والتي لم يدركها بعد، وعليه أن يبحث في داخله أبدا ليستطيع لمعرفتها وتفجيرها وتفعيلها بشكل يساعده على الإنجاز والتقدم في حياته وعمله، في كل وقت من عمره لأن هذه الطاقات متجددة متغيرة مع تقدم العمر وزيادة الخبرة والجروح والألم، وتغيّر الأدوار الإنسانية والمسؤوليات الاجتماعية والوظيفية، وتغير الحياة والمجتمع والوجود، كما عليه أن يوظف الصرخة والألم لصالح العزيمة، وعليه أن لا يستسلم لصدى الجرح، بل يجعل الجرح والضعف سبيلا للخلاص والتميز ولمعرفة القوة الإنسانية الجبارة.
الصدمة الخارجية، أو الفقد الموجع، أو الطعنة الغادرة في الظهر هي من أهم الحالات التي نكتشف فيها ماردنا الداخلي القادر على التغيير والاستمرار بقوة مماثلة أو أقوى، فحين يتغير أو يتحوّل مسار الحياة من حال لحال، ويكون الحال الأول أسهل وأجمل وأقل تطلبا، كما أن الإنسان قد اعتاده وارتضاه ضمن منظومة اجتماعية مماثلة، هنا يستشعر الإنسان أن عليه الاختيار بين الاستسلام والسقوط في مغبة الغياب والألم، أو إيقاظ مارده، وتفجير مكنوناته الداخلية، وطاقاته الجبارة للاستمرار حسب الوضع الجديد الذي يقتضى تغيرا في مجريات حياته، لذا فقد يغيّر فكره أو تخصصه أو أسلوب معيشته. وليست الإعاقة إلا إحدى هذه الحالات، وحين يحدث ذلك فجأة ويختار الإنسان التحدي سبيلا للخلاص والحياة يبدأ الحوار الداخلي العميق مع الذات بشكل مباشر ومستمر حتى تقتنع بطريقها الجديد، وحلمها المختلف، فتستجيب الروح والعقل، ويحدث التفاعل الراقي بين ممكنات الروح وطاقات الجسد؛ ليجعل الذات طيّعة في الكشف لنا عن مكنوناتها الخبيئة، وطاقاتها الكامنة واستعداداتها العميقة والكثيرة للتغيير والتطوير والتجديد في المهارات والقدرات، في حالة من التسامح والسلام مع النفس والذهاب بها نحو التحليق الفاعل والجماليات الموغلة، والتجديد المستمر والعمل المثمر، لتصبح الذات أكثر انسجاما وعطاءً، وأكثر حيوية وتجديدا، وتصبح الحياة أكثر اتساقا ورحابة، والأبواب أكثر اتساعا، والغد أكثر نورا وإشراقا.
فيدرك الإنسان أنه بمعرفة الكوامن والقدرات الداخلية له أدرك ذاته جيدا، وأدرك أنه قادر على الاستمرار والعطاء في الحياة وإن كان بشكل آخر، وبطريقة مختلفة، فيتصالح مع نفسه وعمله وبيئته ومجتمعه، ويسعى نحو تغيير كل ما من شأنه أن يصبح عائقا في سبيل حياته ومستقبله وعمله بهدوء ووعي وإدراك، ويتبع ذلك حالة من التقدير العميق للذات، وحالة من السلام الداخلي، لأنه أصبح يعرف كيف يدير دفة حياته ومستقبله، كما يعرف كيف يوجه سلوكه نحو أبعاد إنسانية راقية تستحث أفكاره، وتغيّر مجرى حياته، وتبعده عن الصغائر، لأنه يكون مشغولا بالعمل، والبناء، مدفوعا للتجديد والبحث عن كل ما من شأنه أن يرقى بذاته وبالإنسانية في ذات الآن.
كان هذا الحوار يدور في ذهني وأنا أشاهد التحدي الإنساني الجبّار في معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين في الملتقى الأدبي الخامس حيث الإنسان بكامل إرادته وعزيمته وقوته الداخلية التي تحدد طبيعته ونشاطه، وتدفعه لتحدي الإعاقة، وتقديم أجمل ما لديه أدبا راقيا، وثقافة واعية، وحضور إنساني رهيب، ليقدّم لنا فكرة عظيمة عن المقدرة الإنسانية الخلاقة، والقوة الكامنة للإنسان التي لا يحدها نقص في حاسة من الحواس، أو فقد لجزء من هذا الجسد، لأن الروح الطيبة، والعقل المستنير هو الأقدر على العطاء والتجديد والتقدّم في مسيرة الحياة.
كنت أشعر بالفرح والفخر لهم وبهم، ولا تأخذني الشفقة عليهم لأنهم لا يحتاجونها، بل نحن الذين نحتاجها، نحن الأضعف منهم، ومن مخاطبة كوامننا الحقيقية، واكتشاف قدراتنا العظيمة، قصائدهم، وقصصهم، وأحلامهم المسطرة على الأوراق، وتحديهم الكبير كله موضع فخر واحترام وتقدير.
كنت استحضر عظماء الأدب من مكفوفي البصر مثل المعري وطه حسين، وأتساءل قليلا لم لم يتم تسمية المعهد باسم أحدهما؟ وهل استلهام قوة عمر بن الخطاب هو الدافع لتسمية المعهد بهذا الاسم؟
تجاوزت السؤال وكان الفخر والاحترام لكل تلك القدرات زادا للقادم مني، والحمد لله جلية لأنه مكّنهم من اكتشاف ممكناتهم.
ثم جاء تدشين فرقة ترانيم الأمل وهي فرقة موسيقية من المكفوفين، لتقدّم الدليل الأنصع على هذه الروح الجبارة التي تصغر أمامها كل قوة، وتضعف أمامها كل العوائق الخارجية، وتتحرر من خلالها كل الممكنات والطاقات والكوامن الخفية لتساعد الإنسان على الحضور المختلف لهذه الحياة السائدة، وتحقيق إنسانيته الراقية بأشكال راقية وصادقة ومميزة.
في الثامن من مارس من كل عام يحتفل العالم باليوم الدولي للمرأة، هذا اليوم الذي يعدّ يوما سنويا تستطلع فيه المرأة قدراتها الداخلية، وتستحضر فيه منجزاتها الإنسانية، في التحدي والتصميم والعزيمة الحقيقية على تكوين حالة إنسانية راقية تستحقها، وتليق بإنسانيتها التي ينازعها البعض عليها، أو يقتنص بعضا منها، ليجعلها في درجات أقل أو مستويات أضعف منها.
في هذي اليوم يتمرأى العالم كله في حنانات المرأة، ووهج تقدمها، في إنسانيتها العميقة والجارحة والصادقة، في مختلف مجالات الحياة، داخل الأسرة وخارجها، المرأة نصف المجتمع، وصانعة نصفه الآخر، المرأة مرآة الجمال والأنوثة والحب في عالم يذهب نحو القبح والحروب والقسوة والعنف.
المرأة مرآة الماء، وماء الروح التي تهب للحضور الإنساني جذوة جماله، وحنان إنسانيته، ورقة عبوره، وتسد ثغرات عثراته، وترمم شقوق إنسانيته، وتسعف دوي سقوطاته، وتردم بضحكة ولمسة ومحبة ( أم، وزوجة، وأخت، وابنة) كل جحود العالم وعقوقه.
إن اكتشاف المرأة للقوة الخفية داخلها، ووعيها العميق بأدوارها المتنامية يوما بعد يوم، وبقوة روحها التي تسعف العالم للمضي نحو الأمل والحب والجمال، في بيتها وخارجه، يجعلها أقوى في مواجهة كل ذكورة رعناء، وكل عصبية هوجاء، وكل تحيّز أخرق، وكل تمييز قبيح، يجعلها اليد الحانية التي تربت على كل ضعف، وتسعف كل جرح، وتسد كل فم يحتاج للقمة، وتسند كل قلب يحتاج للرأفة، وتساعد كل طفولة تحتاج للعناية، ويهبها روح التحدي التي تجعل هذا العالم يذهب للبهاء بدل الهباء، وهي تمنحه روح الجمال والمحبة في آن.
الأطفال هم نور الوجود وبذوره التي تصنع حدائق الغد المزهرة، لذا فالعناية بهم وتحرير ممكناتهم الداخلية الكامنة، ومواهبهم الفذّة وقدراتهم الخارقة، التي قد لا يدركونها، ولا يعرفون كيف يوظفونها، أو يسهمون في تطويرها، هي مسؤولية المجتمع والمحيطين بهم، فاكتشاف هذه القدرات يقع على عاتق الآباء والأمهات في الأسرة بدءا، والمعلمين في المدرسة لاحقا، فإقامة حوار دائم مع الطفل يفتّق ربيع روحه، ويتعرف فيه على ممكناته، الأمر الذي سيجعل الطفل ينظر بعمق في مراياه الداخلية، ويتعرف على ذاته، وممكناتها عن كثب، ويبدأ في تفعليها في دراسته ومجتمعه وحياته المستقبلية.
إن الحوار العميق والإنساني مع الأطفال يشعل أرواحهم ويحفّز القدرات الإبداعية والعلمية فيها، كما أن توفير الكتب وقراءة القصص، والإرشاد لبعض البرامج العلمية والثقافية وزيارة المتاحف وغيرها من أساليب راقية، وسيلة الأسرة لاكتشاف طاقات أبنائها، وتفعيل قدراتهم ومواهبهم العلمية والأدبية، وتحديد ممكناتهم الداخلية وتطويرها وتحفيزها على المثول والظهور.
ثم يأتي دور المعلم الذي يعزف على أوتار أرواحهم الغضة أنشودة الحياة والمحبة والتحدي والإبداع من خلال الحوار، والتناغم بيم الدرس والحياة، والأنشطة المدرسية (الصفية واللاصفية) التي تسهم بشكل كبير في تنمية الحس الإبداعي لديهم، كما تسهم في صقل مهاراتهم، فيدركون حقيقة ميولهم والاتجاه نحوه.
إن ممارسة الأطفال للنشاطات المختلفة كالصيد والزراعة والقراءة والكتابة والاستماع للموسيقى وغيرها يسهم في اكتشاف ذواتهم، وتطوير قدراتهم، وصقل شخصياتهم، وتعميق إحساسهم، وشعورهم بالانتماء للوجه الجميل من العالم، ثم يسهم في تحديد اتجاهاتهم المستقبلية لخير العالم وجماله وحريته.
في العميق والموغل منا يسكن إنساننا الحقيقي، وفردوسنا الإنساني الحميم، هناك حيث النفس التواقة، والقلب المحب، والروح الشفافة، وحيث طاقاتنا وأحلامنا ونوازعنا، ولذا فكلما ضاق الخارج، علينا أن نبحر للداخل، لجمال النفس الذي نفتّقه بالتأمل، ونحركه بالصمت والصلاة والحوار الداخلي العميق، لذا فعلى الإنسان صغيرا كان أو كبيرا، أن يسعى للولوج للسحيق من ذاته، سواء بنفسه من خلال الحوار الذاتي العميق، والتأملات الذاهبة في الباطن من الذات والأشياء والمجتمع والإنسانية، والقراءات المتعددة، أو من خلال طلب المساعدة ممن لديه المهارة والعلم للوصول لاكتشاف قدراته ومعرفة المظلم من أغواره، لتتفتق لديه عوالم النفس، وتتبين له مساحات الجمال والقوة الداخلية فيشعر بالكمال ضد النقص، والوعي ضد الجهل، والمحبة ضد أي مشاعر سلبية، فيعرف الطريق للسعادة الخالصة.
27 مارس 2012
جريدة عمان - شرفات
عند مضيّ يوم، لا يعني خسارة يوم
وإنما جذر يرفع أوراق البهجة في المساء
ويوم نصر ونوم ساكن،
حينما تشعر ثانية أن الشمس تعقد لجامها في عجل
لتتعقب الأسى لتطرده من زوايا الزمن،
هذا سلام.
يانيس ريتسوس
في الموغل والعميق منا يسكن مارد جميل وجبّار، يجلس ساكنا وهادئا وذاهبا في الصمت، وقد لا نعرفه، ولا نشعر به، فنمضي غير مدركين لتلك القدرات الخفيّة، والكوامن القادرة التي نملكها، نمضي في دروب كتب علينا أن نمشيها، ويجلس هو داخلنا بانتظار موقف معين، أو صدمة قوية، أو حتى دغدغة داخلية أو خارجية تستفز هدوءه، وتحرك رواكده، وتحفّز صخبه وقوته على المثول والحراك ليكشف لنا عن طاقات جبارة يتمتع بها كل منا، فنتعرف على أنفسنا بشكل مختلف لأول مرة، ونبصر في مرايانا الداخلية الكثير من المواهب والقدرات والاستعدادات الخفية التي نمتلكها.
في لحظة حرجة وحاسمة لكل كائن على هذه الأرض يحدث ذلك الشرخ في روح في الإنسان، الشرخ الذي سيؤلمه كثيرا، وقد يجعله يصرخ ويفزع ويرتبك، ولكنه الألم المفجر للكوامن والطاقات، سواء تلك التي يدركها، ويعرف مداها ويستخدمها، ويجعلها فاعلة في محيطه وحياته وعمله أو تلك الطاقات الكامنة في ذاته وكينونته، والتي لم يدركها بعد، وعليه أن يبحث في داخله أبدا ليستطيع لمعرفتها وتفجيرها وتفعيلها بشكل يساعده على الإنجاز والتقدم في حياته وعمله، في كل وقت من عمره لأن هذه الطاقات متجددة متغيرة مع تقدم العمر وزيادة الخبرة والجروح والألم، وتغيّر الأدوار الإنسانية والمسؤوليات الاجتماعية والوظيفية، وتغير الحياة والمجتمع والوجود، كما عليه أن يوظف الصرخة والألم لصالح العزيمة، وعليه أن لا يستسلم لصدى الجرح، بل يجعل الجرح والضعف سبيلا للخلاص والتميز ولمعرفة القوة الإنسانية الجبارة.
الصدمة الخارجية، أو الفقد الموجع، أو الطعنة الغادرة في الظهر هي من أهم الحالات التي نكتشف فيها ماردنا الداخلي القادر على التغيير والاستمرار بقوة مماثلة أو أقوى، فحين يتغير أو يتحوّل مسار الحياة من حال لحال، ويكون الحال الأول أسهل وأجمل وأقل تطلبا، كما أن الإنسان قد اعتاده وارتضاه ضمن منظومة اجتماعية مماثلة، هنا يستشعر الإنسان أن عليه الاختيار بين الاستسلام والسقوط في مغبة الغياب والألم، أو إيقاظ مارده، وتفجير مكنوناته الداخلية، وطاقاته الجبارة للاستمرار حسب الوضع الجديد الذي يقتضى تغيرا في مجريات حياته، لذا فقد يغيّر فكره أو تخصصه أو أسلوب معيشته. وليست الإعاقة إلا إحدى هذه الحالات، وحين يحدث ذلك فجأة ويختار الإنسان التحدي سبيلا للخلاص والحياة يبدأ الحوار الداخلي العميق مع الذات بشكل مباشر ومستمر حتى تقتنع بطريقها الجديد، وحلمها المختلف، فتستجيب الروح والعقل، ويحدث التفاعل الراقي بين ممكنات الروح وطاقات الجسد؛ ليجعل الذات طيّعة في الكشف لنا عن مكنوناتها الخبيئة، وطاقاتها الكامنة واستعداداتها العميقة والكثيرة للتغيير والتطوير والتجديد في المهارات والقدرات، في حالة من التسامح والسلام مع النفس والذهاب بها نحو التحليق الفاعل والجماليات الموغلة، والتجديد المستمر والعمل المثمر، لتصبح الذات أكثر انسجاما وعطاءً، وأكثر حيوية وتجديدا، وتصبح الحياة أكثر اتساقا ورحابة، والأبواب أكثر اتساعا، والغد أكثر نورا وإشراقا.
فيدرك الإنسان أنه بمعرفة الكوامن والقدرات الداخلية له أدرك ذاته جيدا، وأدرك أنه قادر على الاستمرار والعطاء في الحياة وإن كان بشكل آخر، وبطريقة مختلفة، فيتصالح مع نفسه وعمله وبيئته ومجتمعه، ويسعى نحو تغيير كل ما من شأنه أن يصبح عائقا في سبيل حياته ومستقبله وعمله بهدوء ووعي وإدراك، ويتبع ذلك حالة من التقدير العميق للذات، وحالة من السلام الداخلي، لأنه أصبح يعرف كيف يدير دفة حياته ومستقبله، كما يعرف كيف يوجه سلوكه نحو أبعاد إنسانية راقية تستحث أفكاره، وتغيّر مجرى حياته، وتبعده عن الصغائر، لأنه يكون مشغولا بالعمل، والبناء، مدفوعا للتجديد والبحث عن كل ما من شأنه أن يرقى بذاته وبالإنسانية في ذات الآن.
كان هذا الحوار يدور في ذهني وأنا أشاهد التحدي الإنساني الجبّار في معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين في الملتقى الأدبي الخامس حيث الإنسان بكامل إرادته وعزيمته وقوته الداخلية التي تحدد طبيعته ونشاطه، وتدفعه لتحدي الإعاقة، وتقديم أجمل ما لديه أدبا راقيا، وثقافة واعية، وحضور إنساني رهيب، ليقدّم لنا فكرة عظيمة عن المقدرة الإنسانية الخلاقة، والقوة الكامنة للإنسان التي لا يحدها نقص في حاسة من الحواس، أو فقد لجزء من هذا الجسد، لأن الروح الطيبة، والعقل المستنير هو الأقدر على العطاء والتجديد والتقدّم في مسيرة الحياة.
كنت أشعر بالفرح والفخر لهم وبهم، ولا تأخذني الشفقة عليهم لأنهم لا يحتاجونها، بل نحن الذين نحتاجها، نحن الأضعف منهم، ومن مخاطبة كوامننا الحقيقية، واكتشاف قدراتنا العظيمة، قصائدهم، وقصصهم، وأحلامهم المسطرة على الأوراق، وتحديهم الكبير كله موضع فخر واحترام وتقدير.
كنت استحضر عظماء الأدب من مكفوفي البصر مثل المعري وطه حسين، وأتساءل قليلا لم لم يتم تسمية المعهد باسم أحدهما؟ وهل استلهام قوة عمر بن الخطاب هو الدافع لتسمية المعهد بهذا الاسم؟
تجاوزت السؤال وكان الفخر والاحترام لكل تلك القدرات زادا للقادم مني، والحمد لله جلية لأنه مكّنهم من اكتشاف ممكناتهم.
ثم جاء تدشين فرقة ترانيم الأمل وهي فرقة موسيقية من المكفوفين، لتقدّم الدليل الأنصع على هذه الروح الجبارة التي تصغر أمامها كل قوة، وتضعف أمامها كل العوائق الخارجية، وتتحرر من خلالها كل الممكنات والطاقات والكوامن الخفية لتساعد الإنسان على الحضور المختلف لهذه الحياة السائدة، وتحقيق إنسانيته الراقية بأشكال راقية وصادقة ومميزة.
في الثامن من مارس من كل عام يحتفل العالم باليوم الدولي للمرأة، هذا اليوم الذي يعدّ يوما سنويا تستطلع فيه المرأة قدراتها الداخلية، وتستحضر فيه منجزاتها الإنسانية، في التحدي والتصميم والعزيمة الحقيقية على تكوين حالة إنسانية راقية تستحقها، وتليق بإنسانيتها التي ينازعها البعض عليها، أو يقتنص بعضا منها، ليجعلها في درجات أقل أو مستويات أضعف منها.
في هذي اليوم يتمرأى العالم كله في حنانات المرأة، ووهج تقدمها، في إنسانيتها العميقة والجارحة والصادقة، في مختلف مجالات الحياة، داخل الأسرة وخارجها، المرأة نصف المجتمع، وصانعة نصفه الآخر، المرأة مرآة الجمال والأنوثة والحب في عالم يذهب نحو القبح والحروب والقسوة والعنف.
المرأة مرآة الماء، وماء الروح التي تهب للحضور الإنساني جذوة جماله، وحنان إنسانيته، ورقة عبوره، وتسد ثغرات عثراته، وترمم شقوق إنسانيته، وتسعف دوي سقوطاته، وتردم بضحكة ولمسة ومحبة ( أم، وزوجة، وأخت، وابنة) كل جحود العالم وعقوقه.
إن اكتشاف المرأة للقوة الخفية داخلها، ووعيها العميق بأدوارها المتنامية يوما بعد يوم، وبقوة روحها التي تسعف العالم للمضي نحو الأمل والحب والجمال، في بيتها وخارجه، يجعلها أقوى في مواجهة كل ذكورة رعناء، وكل عصبية هوجاء، وكل تحيّز أخرق، وكل تمييز قبيح، يجعلها اليد الحانية التي تربت على كل ضعف، وتسعف كل جرح، وتسد كل فم يحتاج للقمة، وتسند كل قلب يحتاج للرأفة، وتساعد كل طفولة تحتاج للعناية، ويهبها روح التحدي التي تجعل هذا العالم يذهب للبهاء بدل الهباء، وهي تمنحه روح الجمال والمحبة في آن.
الأطفال هم نور الوجود وبذوره التي تصنع حدائق الغد المزهرة، لذا فالعناية بهم وتحرير ممكناتهم الداخلية الكامنة، ومواهبهم الفذّة وقدراتهم الخارقة، التي قد لا يدركونها، ولا يعرفون كيف يوظفونها، أو يسهمون في تطويرها، هي مسؤولية المجتمع والمحيطين بهم، فاكتشاف هذه القدرات يقع على عاتق الآباء والأمهات في الأسرة بدءا، والمعلمين في المدرسة لاحقا، فإقامة حوار دائم مع الطفل يفتّق ربيع روحه، ويتعرف فيه على ممكناته، الأمر الذي سيجعل الطفل ينظر بعمق في مراياه الداخلية، ويتعرف على ذاته، وممكناتها عن كثب، ويبدأ في تفعليها في دراسته ومجتمعه وحياته المستقبلية.
إن الحوار العميق والإنساني مع الأطفال يشعل أرواحهم ويحفّز القدرات الإبداعية والعلمية فيها، كما أن توفير الكتب وقراءة القصص، والإرشاد لبعض البرامج العلمية والثقافية وزيارة المتاحف وغيرها من أساليب راقية، وسيلة الأسرة لاكتشاف طاقات أبنائها، وتفعيل قدراتهم ومواهبهم العلمية والأدبية، وتحديد ممكناتهم الداخلية وتطويرها وتحفيزها على المثول والظهور.
ثم يأتي دور المعلم الذي يعزف على أوتار أرواحهم الغضة أنشودة الحياة والمحبة والتحدي والإبداع من خلال الحوار، والتناغم بيم الدرس والحياة، والأنشطة المدرسية (الصفية واللاصفية) التي تسهم بشكل كبير في تنمية الحس الإبداعي لديهم، كما تسهم في صقل مهاراتهم، فيدركون حقيقة ميولهم والاتجاه نحوه.
إن ممارسة الأطفال للنشاطات المختلفة كالصيد والزراعة والقراءة والكتابة والاستماع للموسيقى وغيرها يسهم في اكتشاف ذواتهم، وتطوير قدراتهم، وصقل شخصياتهم، وتعميق إحساسهم، وشعورهم بالانتماء للوجه الجميل من العالم، ثم يسهم في تحديد اتجاهاتهم المستقبلية لخير العالم وجماله وحريته.
في العميق والموغل منا يسكن إنساننا الحقيقي، وفردوسنا الإنساني الحميم، هناك حيث النفس التواقة، والقلب المحب، والروح الشفافة، وحيث طاقاتنا وأحلامنا ونوازعنا، ولذا فكلما ضاق الخارج، علينا أن نبحر للداخل، لجمال النفس الذي نفتّقه بالتأمل، ونحركه بالصمت والصلاة والحوار الداخلي العميق، لذا فعلى الإنسان صغيرا كان أو كبيرا، أن يسعى للولوج للسحيق من ذاته، سواء بنفسه من خلال الحوار الذاتي العميق، والتأملات الذاهبة في الباطن من الذات والأشياء والمجتمع والإنسانية، والقراءات المتعددة، أو من خلال طلب المساعدة ممن لديه المهارة والعلم للوصول لاكتشاف قدراته ومعرفة المظلم من أغواره، لتتفتق لديه عوالم النفس، وتتبين له مساحات الجمال والقوة الداخلية فيشعر بالكمال ضد النقص، والوعي ضد الجهل، والمحبة ضد أي مشاعر سلبية، فيعرف الطريق للسعادة الخالصة.
21 مارس (يوم الأمهات والشعراء)
"أيها الشعر أنا لولاك يتيم"
رسول حمزاتوف
كل عام والأمهات يخففن القليل من شجن العالم بحناناتهن الدافقة.
كل عام والشعراء يخففون القليل من قبح العالم بقصائدهم المنيرة.
"كل عام والقصيدة أم العالم
والأم قصيدته المورقة"
تعليقات