
جريدة عمان - ملحق شرفات
الثلثاء, 28 فبراير 2012
فاطمة الشيدية
1.
كل شيء تغيّر، أو كل شيء غير مجراه وطبيعته، لنقل أصبح مختلفا، ربما لم يصبح أكبر، ولا أصغر، ولكنه أصبح محتاطا لنفسه بالخلود أو بالنسيان، فالحب مثلا لم يعد هو ما ذكره صاحب طوق الحمامة في تحليله العميق لأنواعه ومراحله وتحولاته وعلاماته بل صار أضعف وأهش وأكثر جرأة وقابلية للنسيان، كذلك احتياجات الإنسان، والعلاقات الاجتماعية وطبيعة الحياة كلها تغيرت، وحده الموت ظل كما كان، قاسيا، ومباغتا وجبارا، ومع هذا فقد حدث تغيير بسيط في سلطته، ومنطقه الاجتثاثي البليغ، وليس ذلك لتغير أمد الحياة بتطور الطب، وكثرة مطيلات العمر فقط، بل لأن جبروت الموت كان في اجتثاث الروح وحرمان الذاكرة والقلب والحواس من التمتع بالمحبوب والقريب، في ذلك الغياب القاهر والنهائي، والذي تحترق الروح ويلتاع الوجدان له حين الشوق والوله لكلمة أو صورة أو ضحكة أو لمحة.
ولكن الضوء اليوم كايد كل شيء حتى الموت، فأبطل مفعول اجتثاثه، وأسعف ذلك الشوق بتذكارات صغيرة وحقيقية للراحل، فلم يعد الغياب أخيرا ولا نهائيا، ولذا أيضا أو ربما لم يعد الفراق حادا وقاسيا كما كان، أصبحنا نخزّن كل شيء في أوعية صغيرة، وسائط تقارب كل شيء وتقرّبه، صرنا نستطيع أن نخزن الضحكة المجلجلة، والدمعة الحارقة، والوجه الجميل، بل ربما أصبحنا نستطيع أن نخزن مراحل حياتنا، طفولتنا، وشبابنا، لنسترجعها بعد قليل، لنعانقها ونضحك لها، أو نبكيها ونبكي عليها.
هذا الفكرة راودتني أو طرقت رأسي بقوة منذ أن بدأت أدخل الإنترنت أو العالم الافتراضي، وذلك حين ألمح الأصدقاء الافتراضيين الضوئيين "الفيس بوكيين تحديدا" المختلفين والرائعين، والذين يقدّمون لنا حكمتهم وكتاباتهم، وتارة بمساندة "اليوتيوب" يتكلمون معنا، وهنا لا أقصد أولئك الأصدقاء الذين يتابعون ما أضع من منشورات بسيطة وهشة، ولا حتى من أمهرهم دائما بـ"أعجبني" لأنني أكسل من وضع تعليقات دائمة تحتاج تفكيرا وحركة أصابع على "الكي بورد"، لذا أكتفي بـ"أعجبني" وطبعا (من نافل القول أن أقول أنه حين يعجبني فقط)، لأنني لست من المجاملين ولا من نوعية "أعجبني .. وأعجبك"، لا، لا أقصد هؤلاء وهم كثر والحمد لله ومنهم الرائعون جدا، والذين أحترم كتاباتهم وحضورهم في صفحتي، ولكنني هنا أقصد أولئك الأصدقاء الغائبون وهو الأكثر حضورا، أولئك الذين يضيئون أرواحنا من قبورهم، ولأقل هذه المرة من مناراتهم الضوئية الخالدة، الغائبون الذين يحضرون في مواجهة الجمال والضوء والحياة. حيث أشعر أن قبورهم لها شواهد ضوئية، وأنهم -وهم الموتى- يتحدثون إلينا من قبورهم، وكثيرا ما يزودون أرواحنا بكل طاقات البهجة والمعرفة والجمال، حين يفتّحون بين أيدينا جمال حروفهم، وروعة أشعارهم وكتبهم.
2.
حين ألج بيت العنكبوت الأم بأصابعي هذه المرة، واليمني واليسرى في تبادلية حرة و ربما اليسرى أكثر (لأنني شبه يسارية) في كل شيء، وحين أقبّل وجه الكتاب "الفيس بوك" في تحية بدئية بأصابعي أيضا، فهذه تقوم بالدور الأكبر مع العين في هذا العالم الافتراضي العجيب.
أجد أولئك الخالدين يقدمون لي التحية والقهوة الباردة والحكمة الحارة والكلمة الصادقة، أجد بيوتهم الخالدة مرسومة على الضوء والهواء، فتندُّ عن روحي شهقة تشبه شهقة لقاء المحب بالمحبوب، أو الأم بوليدها بعد شوق وانتظار، وتنفرج أسارير روحي انفراج المطمئن للسلام والهدوء والسكينة والفرح، كم أصبح العالم صغيرا وكبيرا في نفس الوقت، ويضم الأحياء والموتى معا! هكذا أتنفس الكلمات بعمق، وأشعر بذلك الغائب الحاضر بكامل وعيه وفكره وملابسه وهيئته قد نهض من قبره مادا يده لي بمخطوطاته الفريدة، وكتبه الثمينة، خاصا ذاتي بها وهي للجميع، أو اشعر أنه أخذني من يدي -أنا الصغيرة بين يده- إلى حائطه الكبير وقد وضع عليه كتبه، كما وضع على ذلك الحائط قصاصات صغيرة ملونة تحمل عبق كلماته وأفكاره وحكمته، ليسهّل الأمر على أصدقائه ومعجبيه، فأقرأ وأفرح وأضحك وابتهل للرب أن يحفظ عليه علمه، ويكثر محبيه، ويهبه الرحمة والخلود والسكينة في قبره الحقيقي.
3.
تمضي في دروب الضوء تحفره بأظافرك لتبحث عن أولئك الخالدين الذين يبنون قصورهم أو قبورهم فيه، فتجد المتنبي يجالسك، يقرأ لك أو عليك بعضا من شعره، وحكمته .. وكأنه اختصر الزمن وجاء ليجلس إليك حيا بغروره وحكمته وهو يردد:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى** عدوا له ما مـن صداقتـه بـد !
وليس يصح في الأفهام شيء** إذا احتاج النهار إلى دليل !
وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ *** يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا
كما تجد ابن خلدون يحكي لك عن التاريخ وطبائع البلدان وأحوال البشر، فيقول لك:
"اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. والأنبياء في سيرهم. والملوك في دولهم وسياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا"
في حين يسرد لك الكواكبي طبائع الاستبداد وكأنه يعيش الآن بين ظهرانينا، فيقول: "من الأمور المقررة طبيعةً وتاريخاً : أنه ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد"
وتجد العقاد بشحمه ولحمه يقول لك بكل عمق وصدق وأمانة:"كن شريفا أمينا، لا لأن الناس يستحقون الشرف والأمانة؛ بل لأنك أنت لا تستحق الضعة و الخيانة"
كما تجد طه حسين وهو يتحدث كما كان بكل قوة وعزيمة، " التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن"
كما تجد الماغوط يحدثك بكل سهولة ويسر فيقول لك "إن الموت ليس هو الخسارة الكبرى، الخسارة الأكبر هو ما يموت فينا ونحن أحياء".
كما تجد إيمل سيوران يقول لك عن الموسيقى بكل عذوبة وشعرية: "لولا هيمنة المفهوم لحلت الموسيقى محل الفلسفة، ولكان في ذلك فردوس الوضوح الدقيق عن التعبير، وباءٌ من النشوة المتنقلة".
وتجد بابلوا نيرودا يقول لك بوجع وشعرية كبيرة :
"يا له من قرن طويل!
تساءلنا: متى ينتهي؟
متى يسقط رأسياً
في الكثافة، في المتاهة؟
في الثورة التي عبدناها؟
أو في الأكذوبة
البطريركية الكاملة الصفات؟
لكن ما هو أكيدٌ
هو أننا لم نعشه أبداً
كما كنا نريد.
وغيرهم ॥وغيرهم .. وهكذا كل يوم نصافح أصدقاء الضوء والمعرفة والخلود، تلك الشواهد المضيئة، التي تحمل المعرفة المبثوثة في ثنايا الضوء لتتلقفها قلوبنا اليابسة بمحبة وفرح .
تعليقات