التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

مي زيادة

فاطمة الشيدي
21 فبراير  2012
جريدة عمان - ملحق شرفات
"الألم الكبير تطهير كبير" مي زيادة
في 11 فبراير من هذا الشهر حلت الذكرى الجميلة لميلاد العاشقة والكاتبة والمبدعة الكبيرة مي زيادة، ويبدو أن تجاهل العرب للأدباء والمثقفين، أو حتى تجاهل الأدباء لأخوتهم في الحبر والكتابة، أو نسيانهم غير المتعمد والذي يشفع له شرودهم الكثير، وأوهامهم وضغائنهم الأكثر، أصبح يعريه ويفضحه حرص "جوجل" العظيم للاحتفاء بكبار الكتاب والأدباء في العالم أجمع، بما فيهم وطننا العربي المغضوب عليه.
ولأنني لا استغني عن جوجل أبدا،لأنه ببساطة صفحتي الرئيسية وأظن "وبعض الظن خير" أنه كذلك للغالبية القصوى من متصفحي الإنترنت، فما أن تفتح متصفحك حتى ترى حروفه الستة الجميلة تتراءى أمامك، وتنحني بأدب جم واحترام بليغ، وكأنها جني المارد الذي يخرج ليقول لك "شبيك لبيك، عما تريد أن تبحث أنا بين إيديك" وفي ذلك اليوم بالذات ما أن ضغطت على أيقونة المحرك حتى شعرت بالفرح الخاص والعميق الذي جعل روحي تزقزق في أعماقي "يا سلام" حين رأيت صورة "مي زيادة" تزين دوائر جوجل وترتفع كغيمة حبلى بالمطر والجمال والحب على أيقوناته المعلقة في الفضاء المشع؛ ليخبرنا أو يذكّرنا "كي لاننسى" أن هذا اليوم ذكرى ميلادها المجيد، طبعا وبلا كثير تفكير عبّرت عن فرحي، واحتفيت بها على طريقتي في الفيس بوك، - الفيس بوك حائط المبكي/الفرح العظيم الذي أصبح القلب الأقرب من كل الأصدقاء، والصدر الأحن من كل الأقرباء، لذا فنحن نصدّر له كل أفراحنا وأحزاننا وقلقنا واحتجاجاتنا وتذمرنا العابر واليومي، ونشخبط على قلبه وضوئه كل ترّهاتنا، ونعلّق على ظهره كل أغنياتنا واختياراتنا النصية – لذا هرعت لحائطي العظيم واحتفيت برابط طيب من "الويكيبيديا" عن مي زيادة، وشكرت جوجل العظيم، وتلقيت "لايكات الأصدقاء" على الموضوع ،وظننت أن الأمر انتهي عند هذا الحد، وسكرنا على الموضوع، وخلصت الحكاية.
في ليلة 14 فبراير، وهي ليلة عيد الحب كما يسميه من يبحثون عن قطرة فرح صغيرة، ونفحة عطر قليلة، ووردة محبة حمراء أو بيضاء أو حتى سوداء،والبدعة الجديدة والجرم البين كما يسميه آخرون، وهذا كله لا يهم، المهم أن يوم عيد الحب هذا أصبح لدي يوم "مي زيادة" فقط، حيث في تلك الليلة قررت أن أقرأ مي زيادة مجددا وكثيرا، وهي الكاتبة التي طالما شغفت بها، بل وطالما تعلّقت بعشاقها، وتحديدا العاشق عباس محمود العقاد، والمعشوق جبران خليل جبران، وربما حسدتها كثيرا عليهما، أو تمنيت لو كنت مكانها في قلبيهما.
وبالطبع أسعفني صديقنا المشترك "جوجل" بالكثير والكثير من المحبات والحزن والوجع والكتابات الرائعة لها، فشعرت ليلتها بالحزن يعصر قلبي على مي زيادة، على ذلك الألم الذي عانته في آخر حياتها، على عشقها الكبير لجبران الذي كان مجرد كلام على ورق، كان مجرد تهويمات جافة وحزينة، لم تسعفها الحياة، ولم تبتل بالعشق الحقيقي واليومي الذاهب في التفاصيل والولع، كما شعرت بالحزن الكبير على العقاد العظيم الذي لم يكن ليحب بسهولة، وهو الرجل المتزن والثابت والعميق، حتى إذا سقط في عشق قاتل كهذا وجد قلبا مغلّقا بأعتى المتاريس والأقفال، وهائما في عشق آخر ليس له منه إلا الكلمات الباردة، لم تستطع مي أن تحب العقاد، ولم تعش حبها الكبير مع جبران.
ياللتعاسة يامي!
ياللحزن يا صديقتي!
تساءلت لو كنت مكانها من كنت أحببت منهما؟،العقاد المفكر الجاد والعميق والقارئ النهم والكاتب الواعي، أم جبران الشاعر الرقيق، والمتأمل الحالم، والمعنيُّ بالجمال والمعنى البعيد.؟!
ولكن مي حسمت الموضوع لصالح الثاني، ربما لتلك الجذور التي تربطها بجبران، أو الدين، وربما الروح التي تعشق من يماثلها، ولا نعرف لم ولا كيف يحدث ذلك، لكنه يحدث عميقا وقاسيا، وربما هو قدرها الذي حسم كل شيء في العشق وفي الحياة وفي الموت أيضا.
ومضيت في التساؤل العميق والمؤلم، هل احتفلت مي زيادة يوما بعيد الحب؟ هل ارتدت الأحمر؟ وجلست مع من أحبت؟ في مكان ما هادئ على ضوء شمعة وورود حمراء؟ هل تلقّت من جبران الذي عشقته حتى العظم، باقة أو حتى وردة حمراء تكون نابعة من القلب والروح معا ذات يوم، وليس بحكم العادة أو المجاملة كما يحدث كثيرا.
صرت أعرف مزاج مي من كتاباتها، لعلها كانت ستبكي في تلك الليلة أكثر من الفرح، أدرك أنها تحتاج لحظة صدق عظيمة تنتحب فيها من أعماقها، بدل كل ذلك الظاهر والسطحي والخارجي من الأشياء، تحتاج أن تسرح في ضوء شمعة ووجه من تحب. ولأنها لم تر جبران قط، أعرف الآن أن هذا لم يحدث أيضا، وأنها كانت تقضي ليلة عيد الحب وحيدة وحزينة تتذكره وتبكي، حتى فارقها وذهب بعيدا، ليأذن لها الموت أن تلحق به ذات يوم، شعرتُ بالحزن عليها، كما شعرت بالحقد على جبران، جردت جبران الكاتب الذي أحب من جبران حبيب مي الذي أكره، هناك تحول لرجل ككل رجال الدنيا أناني وخائن، علقها في حبال حبه ثم ذهب في الحب كل مذهب، مع كل امرأة وعشيقة عابرة، لم يدرك عمقها كما ينبغي، أو لم يرد ذلك، كان يريد أن يحيا الحب كما يراه هو فقط، وقد فعل ذلك كثيرا.
مي زيادة أو ماري الشاعرة والأديبة والمترجمة الفلسطينية اللبنانية، الباحثة والمحبة للعلم والأدب اللغات والفلسفة والتاريخ التي عاشت وكأنها تبحث عن الوطن كما تبحث عن الحب، بين الناصرة في فلسطين، ولبنان، والقاهرة حيث لمعت وتألقت وخالطت الكتاب والصحفيين, وكتبت النقد والأدب والحياة، وأسست ندوة أسبوعية عرفت باسم (ندوة الثلاثاء), أو صالون مي زيادة، جمعت فيها - لعشرين عامًا - صفوة من كتاب العصر وشعرائه, كان من أبرزهم العقاد، ومصطفي عبد الرزاق ويعقوب صروف، وأنطوان جميل، وإسماعيل صبري الذي قال فيها :
إن لم أمتع بمي ناظري غدا .. أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء
مي زيادة التي ظل قلبها مأخوذًا بجبران خليل جبران وحده طوال حياتها, رغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة. ودامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا: من 1911 وحتى وفاة جبران بنيويورك عام 1931. واتخذت مراسلاتها صيغة غرامية عنيفة، وهو الوحيد الذي بادلته حباً بحب، وإن كان حباً روحياً خالصاً وعفيفاً، ولم تتزوج مي على كثرة عشاقها.
مي التي عانت في آخر أيامها مرارة الفقد للوالدين والحبيب مرة واحدة، وحاولت تسلي الروح الثكلى بالسفر والكتابة فسافرت في عام 1932 إلى إنجلترا وإيطاليا، ولكنها كانت تعود في كل مرة إلى مصر، وأخيرا استسلمت لأحزانها، ورفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة، وأنها في حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك من جديد. وهناك كانت طعنة الغدر لها بالمرصاد، تتربص ظهرها، وقلبها النبيل حيث في عام 1938 حيكت ضدها مؤامرة دنيئة من عائلتها, وأوقعت إحدى المحاكم عليها الحجْر, وأودعت مصحة الأمراض العقلية ببيروت في معاناة طويلة لمدة ثلاث سنوات، لولا وقوف الصحافة والرأي العام معها وبعض الأصدقاء، لتعود حزينة منكسرة، مخذولة من العالم والعائلة والوجود كاملا إلى القاهرة، لتعاني آلام الوحدة، ومرارة الفقد، ووجع الخذلان، وتعيش في ظل العزلة والصمت مستسلمة لقدرها ووحدتها فترة من الزمن، حتى رحلت عن هذا الوجود عام 1941عن عمر خمس وخمسين عاما.
تاركة لنا ذكرى لا تذبل ولا تنطفئ كل عام، أصبح جوجل يذكرنا بها إذا خانتها أو خانتنا الذاكرة وكتب منها " كتاب المساواة، وباحثة البادية، وسوانح فتاة، والصحائف وكلمات وإشارات، وغاية الحياة، ورجوع الموجة، وبين الجزر والمد، والحب في العذاب وابتسامات ودموع، وظلمات وأشعة، ووردة اليازجي، وعائشة تيمور ،وديوان الحب، والرسائل التي تبادلتها مع جبران"
من أجمل ما كتبت مي زيادة:
- "تتهيب المرأة أمام مقدرة الرجل لاعتقادها أنه أبرع منها في الإلمام بالأمور من جميع جهاتها فما أشد خيبتها يوم ترى الرجل الذكي الحساس لا يدرك ولا يريد أن يدرك من الحسنات أو السيئات إلا وجهاً واحداً فقط" .
- "أخرج من بعض الاجتماعات شاعرة بأن الناس أخذوا مني شيئاً كثيراً أقضي أسابيع في الاستيلاء عليه من جديد دون أن أعرف ما هو".
- "الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا . وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا كأن الهواء لم يتم استعداده لتلقي نبراتها".
- "كنت أحسب الباطل مركباً معقداً والحق بسيطاً واضحاً، أما الآن فقد بدأت أرتاب وأتساءل لماذا ترى الناس أقرب ما يكونون إلى اعتناق الباطل؟"
- "لو أرغمت على قبول أحد الثلاثة فأيهم تختار : الذي يعاديك علناً ويرجمك صراحاً مؤولاً كل حسنة فيك ومنقصاً لك كل فضل؟ أم العدو المتقمص بثوب الصديق الذي يدس وراء كل ثناء ظاهر ضعفه من الطعن؟ أم الذي يبدأ بالثناء عليك أجمل الثناء ليصدق الناس بعدئذ افتراءه بحجة ذلك الثناء المضلل؟ " .
- "أستطيع أن أقول إن أهم ما أثر في مجرى حياتي الكتابية ثلاثة أشياء: أولها النظر إلى جمال الطبيعة، والثاني القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته الرائعة، والثالث الحركة الوطنية التي لولاها ما بلغت هذه السرعة في التطور الفكري".
- "الجمال في الآداب كما في الأشخاص على أنواع :منها الجمال الذي هو لطف باسم ملون وكل ما فيه واضح جلي : جمال الصباح , ومنها جمال هو روعة الليل الزاخر بالأنس والجلال معاً , الزاخر بالأضواء والأسرار والأكوان والعجائب".
- "كل امرئ يحيا حياتهُ وعليه أن يجد طريقهُ بين متشعب المسالك, وهو مسؤول عن كل عملٍ يأتيه ويتحمل نتاجه, إن فائدة وإن أذى. فالفتاة التي اعتادت الانقياد لآراء والديها وعجزت عن إتيان عمل فردي تدفعها إليه إرادتها بالاشتراك مع ضميرها, ما هي إلا عبدة قد تصير في المستقبل "والدة" ولكنها لا تصير "أماً" وإن دعاها أبناؤها بهذا الاسم. لأن في الأمومة معنى رفيعاً يسمو بالمرأة إلى الإشراف على النفوس والأفكار والعبدة لا تربي إلا عبيداً. ولا خير في رجالٍ ليس لهم من الرجولة غير ما يدعون, إن هم سادوا فعلوا بالقوة الوحشية وهي مظهر من مظاهر العبودية. أولئك سوف يكونون أبداً أسرى الأهواء وعبيد الصغائر الهابطة بهم إلى حيث لا يعلمون, إلى الفناء المعنوي, إلى الموت في الحياة"
- "في المٌعذِّب والمعذَّب لا تجد إلا الإنسانية المتسلقة طريق جلجلتها راسفة في القيود, دامية الجراح, وفي صميم قلبها عتاب للحياة التي لم تسمح أن تكون صالحة كما كانت تود أن تكون؟"
شكرااا "جوجل" أيها المحرك البحثي الجميل، والعالم الافتراضي، والذاكرة الرقمية.
شكراااا لأنك تعيننا "كي أن لا ننسى