التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فيسوافا شيمبورسكا

فاطمة الشيدي
14 فبراير 2012
جريدة عمان ملحق شرفات
في الأول من هذا الشهر فبراير 2012 رحلت عن عالمنا الشاعرة والباحثة والمترجمة البولندية فيسوافا شيمبورسكا، عن ثمان وثمانين عاما من الشعر والتأمل والجمال، رحلت هادئة في نومها، بلا ضجيج كما كانت حياتها المنغمسة في الشعر والبحث والجمال، رحلت بعد أن أعطت الحياة كل ما في روحها من شغف، وكل ما في فكرها من عصارة، وكل ما في طاقتها من عمل وبحث واجتهاد وكتابة، وكانت قد تنبأت بموتها الهادئ والبسيط والذاهب في النعاس والصمت هذا في نص لها، وها قد أثبتت الحياة والتاريخ وحتى الموت صدق نبوءات الشعراء:
الموت،
حينما تنام، يجيء.
وستحلم
بأنه لا ضرورة لكي تتنفس
وأن الصمت بلا تنفس
موسيقى مقبولة،
وأنك صغير كشرارة
وتنطفئ في المدرج الموسيقي،
الموت فقط هكذا، كثير من الألم
كان عندك وأنت تمسك الوردة باليد
وكنت تحس بذعر أكبر
وأنت ترى، بأن البتلة قد سقطت على الأرض.
رحلت فيسوافا شيمبورسكا تاركة لقرائها من جميع أرجاء المعمورة ثلاثة عشر ديوانا شعريا، وخمس كتب نثرية أغلبها مطالعات في الكتب، وكتابين في الترجمة الشعرية، وهي التي كانت تكتب حتى ماتت، وكأنها فقط قد وضعت القلم على الرف القريب من السرير على أمل أن تستيقظ في الغد لتكمل القصيدة، هكذا يجيء الموت خفيفا، مع الأرواح الخفيفة والطيبة، تذهب في النعاس أو الموت (لافرق) برفقة قصيدتها، وكأنها تتنزه في حديقة الوجود أو الأبدية، كما كانت وكما ستظل.
ولدت فيسوافا شيمبورسكا في الثاني من يوليو لعام 1923، درست اللغة والأدب، كما درست علم الاجتماع والفلسفة، وعملت في مجلة متخصصة في النقد الأدبي كانت تسمى "الحياة الأدبية"، كتبت الكثير من الشعر الجميل، بالرغم أنها كانت مقلة في كتابة الشعر، أو لعل هذا ما وصل إلينا، بعد أن تنكرت لقصائد البدايات لغايات جمالية وفكرية بعد أن تغيرت قناعاتها، وكبرت مدركاتها وأخذت من الشعر حنانا وتحنانا، والقارئ لنصوصها المترجمة لكل لغات العالم تقريبا - كيف لا وهي شاعرة جائزة جوته1991، وجائزة نوبل 1996- يجد أنه تكثر في نصوصها التأملات الطبيعية، والبذخ اللغوي الذي يعتمد البلاغة والمجاز اللغوي، كما كانت نصوصها تعتمد النقد الاجتماعي والسياسي والموقف الفكري من الوجود والحياة، ومن يقرأ حواراتها يجد روح الشاعرة التي تتمتع بالجمال والمحبة والتواضع والعمق معا، الشاعرة التي كانت تنتظر القصيدة أن تأتيها لا أن تذهب إليها، وتحتفي بها كيفما جاءت كاملة أو ناقصة، وتعمل على كتابتها وتجويدها لاحقا، قالت في مقابلة مع الراديو البولندي ذات يوم: "إن القصيدة تجيء بهيئة فكرة فإما أن تكتبها مباشرة أو أن تكتب جزءا منها وتعود لتكمله فيما بعد، أو أنها تسجل الفكرة في دفتر. "
ولأنها مقلة فقد كانت قصيدتها هدية العالم المنتظرة، وكان شعرها موضع ترحيب ومحبة وتقدير من الجميع وقد اعترفت: "إنها لم تجد فيما كتب عنها سوى الإعجاب بشعرها".
ورغم حضورها اللافت، وقصيدتها المتألقة، إلا أنها كانت تهرب من الأضواء، وتحرص على عزلتها، وتربي روحها في عتمة الوجود، وصمت الحياة، وتنضج قصيدتها في معزل عن ضجيج العالم ولمعان حضوره، وبريق زيفه، وكانت تقول: "كل واحد يحتاج إلى العزلة، وخاصة إنسان اعتاد التفكير في تجربته، إن الوحدة ضرورية جداً لعملي ولحالة الاستلهام"، كما قالت: "لقد وصلت إلى سن معرفة الذات، ولذلك لا أعرف شيئاً آخر".*
وبين النهاية والبداية هناك الكثير من الحب، والكثير من الحياة والكثير من الألم والكثير من الفرح، بين النهاية والبداية هناك الكثير من الضحكات الطازجة المعلقة في مراجيح الروح، والكثير من العثرات والخيبات التي تتربص خطواتنا العمياء، بين البداية والنهاية الكثير من القلوب والكثير من الخناجر، الكثير من البياض والكثير من السواد، الكثير من العتمة والكثير من الضياء، الكثير من الليالي الهانئة والساكنة والتي يحرسها القمر أو يدوّنها الأرق في دفاتره البيضاء، والكثير من النهارات الضامئة للحياة، بين البداية والنهاية الكثير والكثير من الكتابة والشعر، والكثير الكثير من الكلام والصمت، والكثير من المياه والجفاف، بين النهاية والبداية تكمن الحياة تماما.
"لا شيء يحدث مرتين
ولن يحدث. لهذا السبب
ولدنا بدون مهارة
وسنموت بدون ممارسة.
حتى لو كنا التلاميذ
الأكثر بلادة في مدرسة العالم
فلنْ نُعيدَ درسَ
أيّ شتاء، ولا أيّ صيف.
ما من يوم سيُكرّر نفسَه
لا توجد ليلتان متماثلتان
ولا قبلتان متساويتان
ولا نظرتان في الأعين متطابقتان.
أمس، حينما اسمك
ردده أحدٌ على مسمعي
شعرتُ كما لو أن وردة
قُذفتْ في غرفتي من نافذة مشرعة.
اليومَ ونحن معا
أدرتُ وجهي للحائط.
الوردةُ؟ كيف تبدو الوردة؟
هل هي زهر؟ أو ربما حجر؟
لماذا أنت أيتها الساعة السيئة
تضطربين بحذر لا داعي له؟
أنت موجودة- إذن ينبغي أن تنقضي.
ستنقضين- وهذا شيء جميل.
مبتسمين, نصف متعانقين
نحاول البحث عن الوئام
رغم كوننا مختلفين عن بعضنا
كقطرتين من الماء الزلال"
شكراااا فيسوافا، هذه القصيدة تكفي لكي أتذكرك العمر كله
* النص من مجموعة النهاية والبداية وأشياء أخرى، ديوان الشاعرة فيسوافا شيمبورسكا ترجمة وتقديم هاتف الجنابي

تعليقات