التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

يسألونك عن الشعر..!

استطلاع حسام الجابري مجلة صراح الأدبية
 بـيْنَ الإنسَـانِ الـحسَّـاسِ تجَاهَ الـظّـواهِـرِ والوَقَـائِعِ حدَّ تفسيرهَا بِإنسانـيَّـتِـهِ الخالِصَـةِ المتفاعِلَـةِ مَع الوُجُـودِ بِأسْـرهِ،، وبيْـنَ مَـا يَـنتـظـرُهُ الـفـنّ الحـقِـيـقـيّ منَ الـشّـعـر،، الـفـنّ المتجرّد مِنْ أيِّ غَـرَضٍ وَهَـدَفٍ سِـوَاهُ، أَيْـنَ يقِـفُ الـشّـاعِـرُ الـعَـربيُّ الحَـديث الـيَـومَ؟ وأيّ المفَـاهـيمِ تلكَ الّـتِي يُـؤمنُ بِهَـا حَـوْلَ فـنِّـيَّـة الـشّـعـر؟

هل الشعر للشعر بعذوبته وتحليقاته وغياباته وشروده، بأوهامه المستقاة من الوجع والألم والغياب والجزع الذاتي؟ أم الشعر للحياة بكل تجلياتها وصلف حضورها، بمشكلاتها اليومية، ووقائعها المؤلمة، وحذافيرها المتشظية، وقضاياها العالقة في يد الساسة، وحذلقة المتثاقفين والمتفيقهين؟
هذا سؤال عتيق، عتّقه الزمن، واربكته التجربة، فحين كان الشعر وسيلة الإعلام والإخبار، كان الشعر سيد الموقف الحياتي والإنساني والواقعي، وبالتالي كان ابن المنبر الكلامي، ولكنه تجمّد حتى جف فانكسر، والشعر شعور، وعود أخضر ولحن طروب تتثنى على مسمعه الأبدان والأذهان والأرواح.
ثم لاحقا حين غابت القضايا وحلّق الشعر بأجنحة الفراشات والعصافير والأوهام، ووقف حزينا عند الأخوار الجافة والأرواح اليتيمة والمتيّمة كمالك الحزين، وزقزق كعصفور هجر الغابة، وضاع في الضياع، كان الشعر وحيدا، وكان بعيدا وكانت الحياة تكبر بعيدا عنه، وظل هو طفلا ساذجا يحتاج إلى جانب براءته ولثغته الطروب للقليل من الحنكة والتأمل والحضور في عصب الوجود ومشكلات البشرية، التي تستيقظ في مستنقعات الوجع والقمع والقهر والجوع والحروب كل يوم، وتسقط في مغبات الألم والأنين كل لحظة، لذا كان يحتاج أن يغتسل بدمعة أم فقدت وليدها، وأن يسكن في قلب طفل يتيم، وأن يصبح عكازا لرجل أعجزه المرض، أو أكلت الحرب ساقه، ويحتاج أن يغنّي للحيارى والحزانى والمقهورين والمسجونين، يحتاج أن يبكي ليغتسل من استعلائه، وأن يسكن في قلب الألم لترفرف جناحاه لاحقا بحرية.
ولذا يمكننا أن نقول خارج هذا السؤال العتيق أن الشعر الحقيقي هو الإنسان، هو تلك الصرخة الرافضة للقهر والظلم والوجع، هو نداءات الحرية والعدالة والمساواة ولكنها صرخة مغموسة في أنهار البلاغة، متجمّلة بحلو العبارة، ورقة الكلمة، ووهج العاطفة والإحساس، متبرجة بالتأمل في القصي والعميق من الروح والوجود، متبهرجة بالألم والأمل معا.
ولذا فهو لا ينظّر له، ولا يخطط له، ولا يُعلّم، إنه يحضر كالإلهام والوحي مكتملا جميلا، صادقا وفنيا، محلّقا وإنسانيا، إنه يأتي هكذا بعفوية الفرح والحزن شعرا، كما يولد الكائن الشاعر شاعرا، وكم من مدعٍ له وليس فيه، وكم من متطاولٍ به وهو منه براء، الكلمة روح، وروح الكلمة الشاعرة تلمس الكون والناس فيقال "الله هذا هو الشعر "، الشعر كالروح لاندرك ماهيته لكنه يهب لنا الحياة، هكذا ،، وهكذا فقط هو الشعر.

تعليقات