فاطمة الشيدي
3 يناير 2012
جريدة عمان - ملحق شرفات
مضى عام .. وجاء عام آخر!.. هكذا وبكل بساطة يحدث الأمر ويتكرر كثيرا، مضى 2011 بالكثير من الخراب والعمار، والقهقهة والصراخ، والحياة والموت، والرضا والحنق، والغضب والطمأنينة، مضى بعد أن خلّف الكثير من الدماء التي أنبتت ورودا، والكثير من الفوضى التي تشكّلت أغنيات وأهازيج وزغاريد، وهاهو ينظر إلينا من بعيد ملوحا بابتسامة تليق به، كما الشهداء الذين يرفلون في أثوابهم البيضاء في عرس السماء، والخوف الذي تحوّل فأرا صغيرا في جحر الكينونة في الذاكرة العربية المسكونة بالكثير من الهوان والذل والخوف والرعب.
مضى؛ وهاهو ينظر إلينا بعد أن أنجز مهمته العظيمة قبل الرحيل المقدّس، فلقد علم اللسن الخرساء الكلام، والأصابع المعقوفة الكتابة، والرايات المنكّسة الشموخ، وأعاد سيرورة الوجود بعد انحراف طويل، والذاكرة الخالدة التي كانت حلقاتها التاريخية قد صدأت واصلت الالتحام.
مضى؛ بعد أن شحذ الحناجر كالسيوف، ورفع الهامات كالرايات، وجعل الجمع الكبير يملك الدفة والسفينة ويوجه الريح أيضا.
فوداعا أيها العام الجليل: لا بأس عليك، ارقد الآن في نعش التاريخ الخالد، فالموت أغنية الميلاد، والغياب بداية الحضور، والحضور بداية الغياب، ارقد فكل أجسادنا وأحلامنا وذاكراتنا، وأصواتنا تحرسك، وكل أمنياتنا معلّقة كتميمة خالدة عند قبرك، وكل أغنياتنا ستظل تلهج بذكرك ما شاء التاريخ والحضور والزمن.
نم بهناءة، فقد علمْتنا لذة النشيد، وقبلك كنا نتذرّع بالصمت، ونهرّب أحلامنا للفضاء، ونأكل من خبز الأمس المعدُّ للغرباء لنشبع قليلا، فأضفت إلى ذاكرتنا الكثير من الملح والذكريات، ولأحلامنا الكثير من الأمل، وللتاريخ الكثير من الصفحات والمداد، فهنيئا لك هذا الحضور العظيم، وهذا الغياب الخالد، وهنيئا لنا أننا سجلنا أعمارنا في صفحاتك البيضاء.
تعليقات