فاطمة الشيدي
6 ديسمبر 2011
شرفات - جريدة عمان
" الحقيقة أفضل من الخيال، فالشيء إذا كان حقيقيا فهو حقيقي ولا ذنب لك في ذلك "
إمبرتو إيكو
6 ديسمبر 2011
شرفات - جريدة عمان
" الحقيقة أفضل من الخيال، فالشيء إذا كان حقيقيا فهو حقيقي ولا ذنب لك في ذلك "
إمبرتو إيكو
أن يقوم كاتب بشرح وتوضيح أعماله السردية في كتاب فهذه كتابة أخرى، خاصة إذا كان هذا الكاتب عالما وباحثا سيميائيا أصلا ،لأنه لاشك سيضفي عليها لمسة نقدية أكثر جمالية وفكرا، فإذا كان هذا الكاتب أنتج أعمالا تذهب في العمق والفلسفة والصنعة والنحت كل مذهب كأسم الوردة ،فلاشك أن هذا عمل ينتظره القراء ليفهموا بعض ما استغلق، وأشكل عليهم، وينتظره كتاب السرد ليفهموا سر هذه الخلطة الروائية السردية ليحاولوها أو يحاوروها بطريقة أو بأخرى، ولعل هذا ما أراده تماما إمبرتو إيكوا كحالة تدريب للكتاب باعتبارهم قراء له ॥ "بالتأكيد ليس من حق المؤلف أن يؤول। ولكنه من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ماكتب" ص25، وهذا مانجده في كتاب آليات السرد لإمبرتو إيكو الفيلسوف السارد
أولا : المقدمة :
سعيد بن كراد السيميائي يترجم ويكتب بعشق ممزوج بين السرد والسيمياء عن شريك المهنة والفعل، وصديق اللغة والكتابة الكاتب والسيميائي امبرتو إيكو، إنه يقدم للكتاب بإعجاب ومحبة ولكن لا يريد أن يشرحه، أو يقدم وصوفات أو تحليلات له أو عنه، إنه فقط ، يكتب نصا على نص، يكتب عن نص صديق، يكتب بمحبة قصوى متعمّقا في كتابته عن الكاتب والكتاب، محاولا لم شمل العالم السيميائي الفيلسوف، على السارد الحالم في معاضدة ومناصرة ومؤازرة لمحاولة الكاتب نفسه لهذا الجمع يقول "في سن الخمسين وبعد رحلة طويلة قاربت الثلاثين سنة في شعاب البحث السيميائي بدأ إيكو كتابة الرواية، لم يطلّق السيميائيات، ولم يتخل عن البحث في حياة العلامات، ولكنه آثر أن يمنح "البحث" نفسا حكائيا تمثُل من خلاله المفاهيم في الذهن من خلال وضعيات إنسانية تتغذى من العوالم الممكنة باعتبارها بناء ثقافيا يستمد مضامينه من التجربة الواقعية ومما تأتي من عوالم المتخيل" ص7ثم يصف هذا الانحراف الجميل نحو السرد، والذي أنتج هذه الروائع السردية القائمة على الصنعة والوعي والكتابة المتأنية والدقيقة، والحافلة بالاستشهادات والقائمة على البحث والتأويل والتأريخ عند أيكو :"لقد جاء إلى الرواية مثخنا بجراح السيميائيات، وبجراح سنوات عمر يجري دون توقف،فكانت رواياته مزيجا من التأمل الصوفي والرؤية الحكائية الطويلة النفس والرصد الاستكشافي لحياة العلامات، كما يمكن أن تتحقق في المسارات السردية المتنوعة، وفي كل أشكال التشخيص التي تمنح الزمن وجها ومظهرا।"فالسرد في نهاية الأمر وبدايته هو احتفاء بالزمن، إنه محاولة لتلمس آثاره على الذات والأشياء।" ص7ونجده يقدم للكتاب كقارئ نخبوي يدرك حقيقة السرد من خلال ثقافته السيميائية والسردية معا، "إنه يتحدث عن السرد باعتباره تصريفا مشخصا لكميات زمنية لا يمكن إدراكها إلا من خلال الحكي"، و"يكشف فيها إيكو عن "الصنعة" الفنية تتطلبها كتابة رواية ما لا كما يتصورها روائي فحسب بل أيضا كما يمكن أن يعيشها سيميائي حرفته البحث في ذاكرة العلامات عما لايراه الآخرون"ص9
المبحث الأول :"حاشية على اسم الوردة":
يقسم إيكو هذا المبحث إلى عدة أجزاء وهي :
* العنوان والمعنى: يتحدث ايكو في هذا الجزء عن الرسائل التي وصلت إليه والتي تحمل في مجملها تساؤلات عن دلالة البيت الشعري التي تختتم به الرواية، وعن كيفية انبثاق العنوان عنه؟ ويوضح أنه كان يرد أن الأمر في مجمله يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو مواليكس "حول أشياء الحياة الهشة"، وهو راهب من القرن الثاني عشر الميلادي وقد اشتقت الفكرة القائلة "إذا كانت كل الأشياء آيلة إلى الزوال، فإننا نحتفظ منها بأسماء خالصة".
* حكاية السيرورة :يقرر إيكو بقوة أن كتابة الرواية هي حالة من السيرورة، وضمن خطوات منطقية ومتتابعة آخرها الكلمات، وهو يعمل على كتابة الرواية كما يعمل باحث، يقول إيكو "إن المؤلف يكذب عندما يقول لنا إنه يشتغل تحت تأثير إلهام ما، إذ لا يشكل الإلهام سوى 20% في حين يشكل المجهود 80 في المائة"ص25، بل ويقرر أن كل كاتب أو فنان يعمل وفق قواعد السيرورة حتى لو يعرفها ، كالطفل الذي يتكلم اللغة وهو لا يعرف قواعدها، وبذلك فهو ضد فكرة العبثية والعدمية والتماهي في الكتابة، حين يقرر أنها عملية منظمة ودقيقة وقائمة على سيرورة منطقية.
*القرون الوسطى، بكل تأكيد :يوضح لنا إيكو القادم من السيميايئات والفلسفة والعلم الصارم أنه تحول للسرد بقرار نفسي صارم وجازم يقول: "لقد كتبت رواية لأنني رغبت في فعل ذلك وأعتقد أنه هذا سبب كاف لكي نخوض في سرد أحداث" بل ويوضح لنا ببساطة فكرة أكبر وأول عمل له "اسم الوردة" أنه كانت لديه فكرة بسيطة تمخض عنها هذا العمل الروائي الكبير الذي أخذ منه الكثير من الوقت والجهد، وهي الرغبة في تسميم راهب، ويعتقد أن الرواية يمكن أن تولد من فكرة كهذه، أما الباقي فهو لحم يضيفه الكاتب أثناء الكتابة، بل ويقرر أن تكون هذه الرواية في القرون الوسطى كحالة أكثر عمقا وتحفيزا وربما أكثر غرائبية للقارئ المعاصر ، يقول "تبادر إلى ذهني في لحظة من اللحظات: بما أن القرون الوسطى هي متخيلي اليومي، فلماذا لا أكتب رواية تجري أحداثها في القرون الوسطى، فأنا لا أعرف الحاضر إلا من خلال شاشة التلفزيون، أما القرون الوسطى فأنا أعرفها دون وسائط." ص29 وهكذا أنشب أظفار وعيه وفكره في لحمة السرد، ليقدم لنا روايات خاصة وعميقة، وتحتاج قارئا ماهرا.
* القناع:لقد كان إيكو القادم من منطقة النقد خائفا من المواجهة المباشرة مع القارئ ليقدم له حكايته، لذا وليشعر أنه محمي أعطى الكلام لأدسو، وبذلك فهو قرر أن يكون الكلام والسرد والرؤية على لسان إخباري عاش في تلك الفترة ويستطيع أن يلبسه قناعها في الكلام والأسلوب والطريقة. يقول:"لقد كنت أخجل من القيام بالسرد. لقد كانت حالتي تشبه حالة ذلك الناقد المسرحي الذي يجد نفسه فجأة تحت أضواء الخشبة أمام أعين كل هؤلاء الذين كانوا إلى عهد قريب شركاءه خارج الخشبة"31.وهنا كان أدسو يحكي وعمره ثمانون عاما بلغة وروح ابن الثامنة عشرة، فإيكو أراد أن يفعل ذلك النزاع بين الوعي والخبرة، فيحكي من يعرف كل الحقيقة بلسان من يجهلها، ليعرف أيهما يبرز أكثر في لعبة لفظية مزدوجة بين الفهم واللافهم، وبين الحجب والظهور.
*الرواية بصفتها واقعة كوسمولوجية:ويشير إيكو في هذا الفصل أن كتابة الرواية تفترض بناء عالم كثيف في أبسط جزئياته، خاصا في أساليب السرد، ثم تأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، ولهذا فقد قضى السنة الأولى في بناء هذا العالم من خلال جمع كل ما يمكن أن يفيد السرد من كتب ولوائح لأسماء وشهادات ميلاد والصور المعمارية .ولهذا قال ماركو فيريري ان الحوارات كانت في "اسم الورة" سينماتو غرافية، ويوافق إيكو على ذلك، لأنه يصمم الحوارات حسب الزمن والمسافة بين مكانين، حتى إذا وصل المتحدثان ينتهي الحوار، إنه يصنع روايته بدقة وإتقان،ويرى بوعي فلسفي ضرورة الإلتزام ضمن شروط العمل والصنعة ليصبح الكاتب أكثر تحررا ومصداقية "أنه علينا أن نقيد أنفسنا بإكراهات لكي نبدع بحرية" .ص35
* من يتكلم – التعريض:وهو هذا الجزء يصف لنا ضرورة توافق فعل الكتابة في الرواية التاريخية مع حالتها، ومع معطياتها الزمانية والمكانية ومع أسلوب السرد، حيث يكون الحكي من أجل تنوير الناس وإخبارهم بما حدث، فالروائي لا يجب أن يتحدث بشكل مباشر، لذا عليه أن يلجأ للتعريض، أي أنه سيفعل ذلك بطريقة إخبارية على لسان أحدهم، لان ذلك ما يحدث في تلك القرون، وسيكون من يتحدث بلسانهم وعلى طريقتهم (أدسو – اسم الوردة).
*النفس:تحتوي الرواية على مقاطع تعليمية كثيرة وطويلة وقد تكون مملة لبعض القراء، ولقد أشار الناشرون عليه بحذف المائة صفحة الأولى، ولكنه كان يرى أن يرغب في دخول الدير والمكوث به سبعة أيام، عليه أن يتحمّل هذا الإيقاع، وإذا لم يكن في استطاعته ذلك، فلن يتمكن من قراءة الكتاب كاملا، إنه يعتبره تدريبا وامتحانا واستئناسا يقول "إن الدخول إلى رواية شبيه برحلة إلى الجبل يجب اختيار نفس وإيقاع للسير" ص47، إنه يعتقد أن مستوى وإيقاع كتابته كان متناسقا مع أحداث الرواية " فالرواية العظيمة هي تلك التي يعرف مؤلفها متى يسرع ومتى يتوقف، وكيف يقدّر درجة الوقفات أو الإسراع ضمن إيقاع أصلي ثابت"إن السرد لدى إيكو هو "تفكير بالأصابع" حيث يمارس الكتابة السردية كمن يكتب بحثا، حيث أنه يحتفظ بالكثير من الجذاذات والقصاصات إلى جواره ثم يحولها إلى لغة محكية. تحمل أفكار وتاريخا.
*بناء القارئ:ويرى إيكو أنه يكتب بهذه الطريقة من أجل القارئ،لأننا نفكر في قارئ ما أثناء الكتابة يقول: "فماذا يعني التفكير في قارئ نموذجي قادر على تجاوز العوائق التي تخلقها المائة صفحة الأولى؟ إنه يعني كتابة مائة صفحة بهدف بناء قارئ مناسب للصفحات الي ستأتي بعد ذلك." ويقرر أن الكاتب يكتب من أجل قارئ ما بالضرورة، "هل هناك كاتب يكتب فقط من أجل المستقبل؟ لاوجود لكاتب من هذا النوع حتى وإن أكد هو ذلك" ص51، ويقرر أن مهمة الكاتب الحقيقي "أن يكشف لجمهوره ما يرغب فيه، حتى وإن كان هذا الجمهور لا يعرف ذلك، إنه يريد أن يعرّف القارئ بنفسه"
*الميتافيزيقا البوليسية:لا يمكن أن نطلق بصورة مباشرة وفجة على اسم الوردة نعت الرواية البوليسية، ولكن في المقابل لا يمكننا أن ننسى ذلك أيضا، هذا بالطبع ما يريد أن يقوله لنا إيكو، ولكنها رواية بعيدة عن الفكرة المباشرة في الطرح والتماثل مع الروايات البوليسية يقول "وليس صدفة أن يبدأ الكتاب كما تبدأ الروايات البوليسية، وليس صدفة أيضا أن تخدع الرواية القارئ الساذج حتى النهاية لدرجة أنه لا يدرك بأن الأمر يتعلق برواية بوليسية حيث لا يكتشف أي شيء ولا يصل المحقق إلى أي شيء" ص55، إنها رواية بوليسية ولكنها من طراز مختلف، ضمن حبكة وشخوص وفكر أكثر استغلاقا مما يبحث عنه عشاق الروايات البوليسية.
* مابعد الحداثة، السخرية والمحبب:يناقش إيكو في هذا الفصل المقولة الشائعة "مابعد الحداثة" ويرفض الحالة الشائعة لها والتي أصبحت تشمل كل شيء، يقول: "ولكن للأسف فإن كلمة مابعد الحداثة كما اقترحها الأمريكيون أي باعتبارها مقولة أدبية تصدق على كل شيء (وانظر إلى ما بعد الحداثة كما اقترحها الأمريكيون أي باعتبارها مقولة أدبية وليس المقولة التي جاء بها ليوطار. أعتقد أن هذه المقولة يستعملها كل حسب هواه." ص63ولكنه يستنتج رأيا مستخلصا من الكتابات السابقة يقول" إن ما يهمني في الأمر هو الخلاصات التي خرج بها منظرو هذا الاتجاه من مقدماتهم :(في تصوري لا يقلد الكاتب مابعد الحداثي أحدا، ولا يتنكر لا لآبائه في القرن العشرين، ولا لأجداده من القرن التاسع عشر...)" ص67* الرواية التاريخية:يقرر إيكو في هذا الجزء أن هناك عدة أنواع للرواية التاريخية، الرواية الرومانسية، ورواية الفروسية، أو تلك الروايات المصنوعة من أجل فهم أفضل للتاريخ، وضمن هذا النوع يدرج روايته يقول " إن كل مشاكل أوروبا تشكلت كما نحياها الآن في القرون الوسطى.......إنالقرون الوسطى هي طفولتنا التي يجب العودة إليها باستمرار لكي نحتفظ بذاكرتنا" ص70
المبحث الثاني: كيف أكتب ؟
ويقسم إيكو هذا المبحث إلى عدة أجزاء وهي :
*البدايات البعيدة: يسرد أيكو في هذا الفصل بداياته السردية حيث يورد أنه كان صاحب بدايات في السرد والمحكيات والروايات في سن مبكرة مابين الثامنة والخامسة عشر، وتوقف ليعاود الكتابة في الخمسين "وقبل هذا الانفجار الوقح كنت أعيش لما يقارب الثلاثين سنة حالة من الخجل المفترض" ص79ثم يتحدث في هذا الفصل عن كيفية تخطيط وهندسة النص قبل كتابته، حيث يأخذ الورقة ويكتب العنوان، ويضع اسم الناشر أسفل الورقة، ويبدأ بعد ذلك بتعبئة الأحداث لأنه يعتقد أن الكلام سيأتي بنفسه إذا تم كل شيء على مايرام .
*الناقد والسارد:لقد انتصر الناقد على السارد في إيكو لثلاثين عاما، وأقنعه بعمله الجيد والعلمي، بل كان يستخف بالشعراء "بل أعتبر باستخفاف أفلاطوني أن الشعراء أسرى أكاذيبهم، محاكين للمحاكاة وعاجزين عن الوصول إلى تلك الرؤية البالغة السمو التي كنت وفقها أنا – الفيلسوف- أمارس تجارة يومية طاهرة وهادئة" ص85ولكنه مع ذلك كان يمارس رياضات سردية من خلال رواية الحكايات لأطفاله، وكتابة اليوميات، ومن خلال التعامل مع كل محاولة نقدية تعاملا سرديا. ثم يقرر أن يعود خطوة إلى الوراء ويبدأ في الكتابة لأن الكتابة السردية لديه "أن نعود خطوة إلى الوراء"، بل شعر أن " كل بحث يجب أن يحكى" هكذا بعمق فلسفي يبرر مشروعه السردي الخاص والعميق.
* من أين ننطلق:كتب إيكو في بين السادسة والأربعين والثامنة والأربعين أولى رواياته اسم الوردة، لأنه كان لديه رغبة أن يكتب رواية، وهو يعتبر ذلك سببا كافيا كمبرر لهذا الفعل، ولكن ما يحدث بعد ذلك من فعل الكتابة هو المهم، حيث يؤكد على أهمية بناء عالم روائي أولا قبل الشروع في الكتابة، ثم الانتقال من العالم إلى الأسلوب والكتابة بالكلمات.
*الإكراهات والزمن :وهي فكرة يركز عليها إيكو في كتابه هذا فهي أساسية ومهمة مثل الوصف الدقيق للشخصيات، والحوارات المحكمة، والحبكة والإحالات، وهذه الإكراهات الخاضعة للمنطق والزمن قد تغير فكرة أو زمن الرواية، أو حركة الشخصيات أو أدوراها، وبالتالي هي التي تتحكم في الكاتب لاحقا، ولكنها ينبغي أن تأتي وأن تكون منطقية ودقيقة حتى تشبع القارئ ويتحصل الكاتب على المصداقية.ويواصل إيكو وصفه للكتابة ضمن عنوان رئيس كيف أكتب؟ حيث يركز على جمع أدواته فقط أما ما يخص الوقت والطريقة فيقول: "لا أمتلك طريقة ولا يوما ولا ساعة ولا فصلا " متحدثا عن أهمية الحاسوب الذي يقضي معه أوقات الإجازات في البيت الريفي حيث يستغل الوقت لكتابة فصول ومن ثم مراجعتها، لتصل للقارئ الذي يعده ويدربه ليعرف كيف يقرأ وإلى قارئ مستقبلي، ساخرا من أولئك الذين يدشنون فكرة الكتابة للذات فقط "فالشيء الوحيد الذي نكتبه لأنفسنا هو لائحة المشتريات"
المبحث الثالث:سخرية التناص ومستويات الكتابة:
ويركز أيكو في هذا الفصل على مستويات التناص، حيث يعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك نصا جديدا كليا، فكل نص يحمل ذاكرة نصية قديمة وممتلئة، ولذا فإن عملية القراءة ينبغي أن تكون عميقة وحاذقة للحصول على أكبر قيمة من النص دلاليا وجماليا "إن السخرية التناصية وهي تؤسس لإمكانية قراءة مزدوجة لا تدعو القراء إلى الوليمة ذاتها، إنها تنتقي وتفضل القراء الحاذقين من الناحية التناصية دون أن تقصي الأقل تسلحا"، ويحدد في هذا الفصل نوعين من القراءة "الجمالية والدلالية" والتي تختلف حسب ثقافة القارئ التناصية، فهو يعلي في هذا الجزء من شأن الاستشهادات، يقول "باعتباري مؤلف روايات تلعب كثيرا على الاستشهادات النصية كنت سعيدا بقدرة القارئ على التقاط الإحالة" ص155
كان عشاق الكلمة يتداخلون بوعي ممزوج بثقافة عالية، ووعي جارح، يدركون (وهم يتلمظون طعم القهوة) جماليات التحليق في زمن خارج الزمن، وفي مكان خارج المكان، مع كتاب وكتّاب، ومهتمين بالفعل الثقافي على حقيقته لا كما يبدو، لذا فهم يشابكون أفكارهم وأحلامهم، يتقاطعون، ويختلفون، يحلّقون، ويهيمون، وبين الحالة والحالة صمت دفين، وتأملات تذهب أبعد من القراءة والمعنى لتحدث ذلك الشرخ الحميم في ذاكرة تؤثثها الحياة على مهل حتى الغياب.
