فاطمة الشيدي
30 نوفمبر 2011
جريدة عمان - شرفات
جريدة عمان - شرفات
ماجدة الرومي الفنانة الجميلة، بصوتها السامق كنخل بلادي، وكأرز لبنان، بشموخ صوتها الرفيع، هل ثمة صوت شامخ؟ نعم صوتها شامخ وناهض وباعث ورفيع كسماء ثامنة يأخذني إليه بكلي كلما استمعت إليه، لقد أحببتها منذ زمن الطفولة الغضة حين كنا نتهادى صوتها في سفطات سمعية لندلل طفولتنا ومراهقتنا، ونشبع تكويننا لنكتمل خارج الأطر السائدة، والبراقع الجاهزة، يومها كنت أشبهها، كانت ملامح وجهها ترتسم في وجهي، حتى يشبّهني كل من يعرفني عليها، وكانت أغنية "كن صديقي" هي نبراس يضيء أحلامنا الآخذة في التكور والتكوين، تعلمنا على يديها معنى الرفض والنسوية المبكرة، نريد حبيبا يفهم أرواحنا، ويهتم بتفاصيلنا، لا نريد سجانا يلبسنا البراقع والخرق، ويعد خطواتنا ويرسم أحلامنا نيابة عنا، وكنا نتكوّن أكثر حين عانقناها حتى الصباح على مسرح الجامعة والخوف يكبّل أرواحنا من ذوي الأقفال والعقول المغلقة، يومها شعرت أنني أحتضنها وأحتضن الموسيقى معا، كنا نشهق مع امتدادات صوتها، ونرفع أصواتنا بالغناء والحرية والفرح، وكنا نتعلم فلسفة التحرر والانعتاق على يديها والموسيقى كما على يد الشعر والفلسفة والتاريخ والحياة.
وما زلت كلما سمعت أغنية (ابحث عني) أشعر أن ثمة امرأة تنسلخ من حدود الصوت، امرأة من نور الحكمة، ومن نار الأجساد، من ذاكرة العطر، ومن حنين الرؤى الغامضة والغاصة بالفقد، امرأة خاصة مقدودة من منطقة الحلم في مخيلة شاعر، تسكن بؤرة ضوئية في زاوية ما من هذا العالم الرمادي، لها أجنحة شفافة تكاد لا ترى، وكأنها مستعدة أبدا للغياب، أو للغرق في بحيرة زرقاء، لها هالة خرافية من نور ممزوج بالحلكة تجعلها متألّهة بالحزن، وكأنها نورسة مجنونة استشرفت خذلانات العالم، وابتهجت برنين العزلة في منطقة خارج البحر واليابسة معا، أو بجعة بريش باهت بين الأزرق والأخضر والرمادي، لها لون خارج اللونية السائدة أو المتعارف عليها.
امرأة تجمع كل الضديات في نظرتها الشاردة، وفي ضحكتها الغامضة التي تخرج من بوتقة الروح التي صهرت في بؤرتها كل الانفعالات حزنا وفرحا وغيابا وكرها وعشقا، لتخرج ممتزجة بالسمو والعبث الحنون والوجع الرؤوم.
امرأة بشعرها الداكن وعينيها الغائرتين تجلس في بهو بيت متواضع، وبأصابعها الطويلة والناحلة كشموع في نسغ الليل، أو كمراود من فتنة تغزل الكروشيه بإبرة فضية براقة صدارا لعاشق لن يأتي، وتعود لتنكث غزلها كل صباح لتلتذ بفتنة الانتظار، في النهارات تستحم بالضوء، وتختبئ في عيون أطفالها العشرة، وفي الليالي تحضّر العشاء لحبيب لا يأتي، ثم تعانق المرايا، وتذرو قصاصات من الورق الملّون على دروب الحلم، وتمد يديها نحو رغبة التحليق، وتغني(ابحث عني)!
سمعتها في أكثر من مقابلة تقول: ( أنا لا أفهم في السياسة)، أنا أيضا لا أفهم شيئا فيها! ومن يمكنه أن يفهم أن يقتل الإنسان أخاه من أجل فكرة ما، أو من أجل منصب ما، أو من أجل أي شيء، من يمكنه أن يستوعب كل هذه الوحشية في الصراع الدائر في كل مكان، من يمكنه أن يشرب من السلام الذي في عينيك ولا يجاهر بالرفض لكل هذا الدم المسال في كل بقعة من هذا الجسد العربي المثخن بالجراح.
وكأننا قررنا منذ زمن أن نعمي أعيننا عن الحقيقة، ونصم آذننا عن نداءات المظلومين، عن الوجع العربي الممتد من الماء إلى الماء، عن القهر، والفقر والموت والخراب؛ لنحتمي بويلات الحروب ونتسابق على أمجاد زائفة وكراس مشلولة.
أبدا أوحد بينها وبين بيروت، وأردد لـ "نعترف أمام الله الواحد، أنا كنا منك نغار، وكان جمالك يؤذينا"، ومن لا يغار من الفرح والحياة، من البهجة والجمال، من الثقافة والنور، من لا يحلم أن تصبح الأوطان كلها بيروت، والأرواح كلها بيروت، من لا يحلم أن يتحد الأخضر والأزرق ليعيدا تشكيل الكون بينهما، من لا يحلم أن يتصدر الوعي كينونة الكائن في عبوره اليومي الهش والبسيط والمباشر، من لا يحلم أن تصبح الذاكرة بكل خصوبة النور، ووعي الأسئلة.
المجد لماجدة الرومي، لصوتها المبجّل، لإحساسها العظيم، المجد للبنان السلام والمحبة والخضرة والجمال، لفيروز أسطورة الأرز، حارسة الهيكل، المجد للإنسانية الذابلة على مد التوحش التاريخي، المستأنفة حضورها الحقيقي على يد رسل السلام والمحبة، المجد لكائن خلقه الله ليعمّر الأرض، ليزرعها بالجمال، والخير والسلام، المجد لدموع الأطفال على أرصفة التاريخ يرصفون الشاشات بوجوههم الملوّنة بالحزن الباهت والموت المجاني، للأمهات الثكّل يغسلن الكون بدموعهن ليطهر من أدران الحقد، المجد لأوجاع الفقراء في أحلامهم البسيطة بالرغيف والدواء والغطاء، المجد للعشاق وللشعراء، المجد للنور والثقافة والعلم، للجمال المتأله بقيمه القصوى وأخلاقه الرفيعة، المجد للحرية والنور، المجد للشعر، وللموسيقى، للفنون التي تصنع الحضارات والثقافات، المجد للفكرة تتأجج في مدارات جديدة كل إشراقة، للروح تسمو نحو بياض حقيقي ونور سرمدي يحقق إنسانية الإنسان، ورفعته وضرورة خلقه واستمراريته ككائن مختلف المجد للموسيقا والحرية والسلام
وما زلت كلما سمعت أغنية (ابحث عني) أشعر أن ثمة امرأة تنسلخ من حدود الصوت، امرأة من نور الحكمة، ومن نار الأجساد، من ذاكرة العطر، ومن حنين الرؤى الغامضة والغاصة بالفقد، امرأة خاصة مقدودة من منطقة الحلم في مخيلة شاعر، تسكن بؤرة ضوئية في زاوية ما من هذا العالم الرمادي، لها أجنحة شفافة تكاد لا ترى، وكأنها مستعدة أبدا للغياب، أو للغرق في بحيرة زرقاء، لها هالة خرافية من نور ممزوج بالحلكة تجعلها متألّهة بالحزن، وكأنها نورسة مجنونة استشرفت خذلانات العالم، وابتهجت برنين العزلة في منطقة خارج البحر واليابسة معا، أو بجعة بريش باهت بين الأزرق والأخضر والرمادي، لها لون خارج اللونية السائدة أو المتعارف عليها.
امرأة تجمع كل الضديات في نظرتها الشاردة، وفي ضحكتها الغامضة التي تخرج من بوتقة الروح التي صهرت في بؤرتها كل الانفعالات حزنا وفرحا وغيابا وكرها وعشقا، لتخرج ممتزجة بالسمو والعبث الحنون والوجع الرؤوم.
امرأة بشعرها الداكن وعينيها الغائرتين تجلس في بهو بيت متواضع، وبأصابعها الطويلة والناحلة كشموع في نسغ الليل، أو كمراود من فتنة تغزل الكروشيه بإبرة فضية براقة صدارا لعاشق لن يأتي، وتعود لتنكث غزلها كل صباح لتلتذ بفتنة الانتظار، في النهارات تستحم بالضوء، وتختبئ في عيون أطفالها العشرة، وفي الليالي تحضّر العشاء لحبيب لا يأتي، ثم تعانق المرايا، وتذرو قصاصات من الورق الملّون على دروب الحلم، وتمد يديها نحو رغبة التحليق، وتغني(ابحث عني)!
سمعتها في أكثر من مقابلة تقول: ( أنا لا أفهم في السياسة)، أنا أيضا لا أفهم شيئا فيها! ومن يمكنه أن يفهم أن يقتل الإنسان أخاه من أجل فكرة ما، أو من أجل منصب ما، أو من أجل أي شيء، من يمكنه أن يستوعب كل هذه الوحشية في الصراع الدائر في كل مكان، من يمكنه أن يشرب من السلام الذي في عينيك ولا يجاهر بالرفض لكل هذا الدم المسال في كل بقعة من هذا الجسد العربي المثخن بالجراح.
وكأننا قررنا منذ زمن أن نعمي أعيننا عن الحقيقة، ونصم آذننا عن نداءات المظلومين، عن الوجع العربي الممتد من الماء إلى الماء، عن القهر، والفقر والموت والخراب؛ لنحتمي بويلات الحروب ونتسابق على أمجاد زائفة وكراس مشلولة.
أبدا أوحد بينها وبين بيروت، وأردد لـ "نعترف أمام الله الواحد، أنا كنا منك نغار، وكان جمالك يؤذينا"، ومن لا يغار من الفرح والحياة، من البهجة والجمال، من الثقافة والنور، من لا يحلم أن تصبح الأوطان كلها بيروت، والأرواح كلها بيروت، من لا يحلم أن يتحد الأخضر والأزرق ليعيدا تشكيل الكون بينهما، من لا يحلم أن يتصدر الوعي كينونة الكائن في عبوره اليومي الهش والبسيط والمباشر، من لا يحلم أن تصبح الذاكرة بكل خصوبة النور، ووعي الأسئلة.
المجد لماجدة الرومي، لصوتها المبجّل، لإحساسها العظيم، المجد للبنان السلام والمحبة والخضرة والجمال، لفيروز أسطورة الأرز، حارسة الهيكل، المجد للإنسانية الذابلة على مد التوحش التاريخي، المستأنفة حضورها الحقيقي على يد رسل السلام والمحبة، المجد لكائن خلقه الله ليعمّر الأرض، ليزرعها بالجمال، والخير والسلام، المجد لدموع الأطفال على أرصفة التاريخ يرصفون الشاشات بوجوههم الملوّنة بالحزن الباهت والموت المجاني، للأمهات الثكّل يغسلن الكون بدموعهن ليطهر من أدران الحقد، المجد لأوجاع الفقراء في أحلامهم البسيطة بالرغيف والدواء والغطاء، المجد للعشاق وللشعراء، المجد للنور والثقافة والعلم، للجمال المتأله بقيمه القصوى وأخلاقه الرفيعة، المجد للحرية والنور، المجد للشعر، وللموسيقى، للفنون التي تصنع الحضارات والثقافات، المجد للفكرة تتأجج في مدارات جديدة كل إشراقة، للروح تسمو نحو بياض حقيقي ونور سرمدي يحقق إنسانية الإنسان، ورفعته وضرورة خلقه واستمراريته ككائن مختلف المجد للموسيقا والحرية والسلام
تعليقات